2026/04/22 | 0 | 182
غناء الرضا
في الأزمنة التي تضيق فيها المسافات بين الصوت والحكم ، بين الذائقة والفتوى ، يولد بعض الرجال لا ليضيفوا قولا إلى أقوال بل ليخلخلوا اليقين ذاته ويعيدوا مساءلة المسلمات التي طال عليها الصمت ، من هذا الطراز يبرز سماحة السيد محمد رضا السلمان ( رضا ) لا بوصفه رجل دين يكرر الموروث بل بوصفه حالة فكرية تحاول أن تستنطق ما سكت عنه التراث ، وأن تمنح الجمال حقه في حضرة التشريع .
لم يكن اقتراب السلمان من الشعر المغنى فعلاً عابرا أو نزوة جمالية ، بل كان في جوهره موقفا معرفيا ، فحين اختار أن يقدم شعره بصوت الموسيقى الوقورة لم يكن يغازل الأذن بقدر ما كان يستفز العقل ، كأنما يقول:
هل الجمال في ذاته مدان ؟
أم أن الإدانات التي لحقت به هي نتاج سياقات تاريخية لا نصوص قطعية؟
لقد أدرك "رضا" بحدس العارف أن الفقه حين ينفصل عن مقاصده يتحول إلى قيد على الحياة وأن التحريم إذا لم يبن على علة واضحة صار عبئاً على الروح وهنا يتقاطع مشروعه مع ما لمح إليه فلاسفة كثر حين أكدوا أن الإنسان كائن جمالي بقدر ما هو كائن عاقل فالفلسفة التي رأت في الفن تعبيراً عن الروح لم تكن بعيدة عن إدراك أن الصوت حين يتهذب ويترفع يصبح امتدادا للمعنى لا نقيضا له .
وفي هذا السياق يلوح موقف "بوعدنان " كإعادة قراءة لمفهوم “اللهو” ذاته فهل كل ما يطرب هو لهو ؟
وهل كل لهو مذموم ؟
أم أن الذم يتوجه إلى ما يفسد الوعي لا إلى ما يرقيه؟
هنا يستحضر العقل قول من رأى أن الأخلاق لا تقاس بالفعل في ذاته بل بأثره في النفس والمجتمع فإذا كان الغناء — في صورته الوقورة — يوقظ الحس، ويهذب الشعور ويقرب الإنسان من إنسانيته فبأي معيار يدرج في دائرة التحريم ؟.
إن جرأة بوعدنان لم تكن في كسر الحاجز فحسب بل في هدوء الكسر لم يصرخ لم يعلن التمرد بل قدم نموذجا والشاهد أقوى من الدعوى ، ترك للصوت أن يقول ما عجزت عنه المنابر وللإيقاع أن يطرح سؤالا ظل مؤجلا: هل نحن نحاكم الفن لأنه فن أم لأننا ورثنا الخوف منه ؟.
ولعل أكثر ما يثير في تجربته هو ذلك التوازن الدقيق بين الوقار والانفتاح لم ينحدر إلى تسطيح المعنى باسم الحرية ولم يتشبث بالجمود باسم الدين بل سار في منطقة وعرة بين الاثنين حيث تتطلب الخطوة وعيا مزدوجا: وعيا بالنص ووعياً بالإنسان .
إن ما فعله "رضا" لا يمكن اختزاله في “إباحة الغناء” فذلك تبسيط لفعل مركب هو في حقيقته مساءلة لمنهج التحريم ذاته ومحاولة لإعادة الاعتبار إلى الجمال كقيمة أصيلة في الوجود الإنساني وكأنما يعيد صياغة السؤال القديم: هل الدين جاء ليضيق الحياة أم ليهديها ؟
ليكبت الحس أم ليهذبه؟
في نهاية المطاف لا يقاس أثر مثل هذه التجارب بعدد الموافقين أو المعترضين بل بقدرتها على فتح أفق جديد للتفكير و"رضا "— في هذه المساحة — لم يكن صوتا يغني فحسب بل عقلا يوقظ وروحا تهمس: ليس كل ما ورثناه حقا ، وليس كل ما خفنا منه باطلا.
وهكذا يظل صوته — بما حمله من موسيقى وقورة — أشبه بإشارة بعيدة لكنها واضحة: أن الجمال حين يفهم في سياقه الصحيح ليس خصماً للدين بل أحد تجلياته الأكثر نقاءً .
جديد الموقع
- 2026-04-23 عشرون يومًا في ريبيك كاستيل
- 2026-04-23 تعليم الأحساء يقيم معسكراً فنياً ويجمع بين الطلبة ومعلميهم
- 2026-04-23 بالشراكة مع هيئة التراث 18 ألف طالب وطالبة بالأحساء يشاركون في الاحتفاء باليوم العالمي للتراث
- 2026-04-23 مِنْ وَهْمِ الصورة إلى عدالة الرؤية
- 2026-04-23 ( ( العطاء والمحزم ) )
- 2026-04-23 افراح السعران و البخيتان تهانينا
- 2026-04-22 لماذا يحبون الروايات؟
- 2026-04-22 الرواية المفضلة عند بعض الروائيين يوسف أحمد الحسن
- 2026-04-22 قراءة في ديوان "رشفة من آثارهم" للشاعر ناصر الوسمي
- 2026-04-22 مدى فعالية علاج التهاب مفصل الركبة بالحقن بحسب مراجعة علمية