2021/05/25 | 0 | 2507
الدكتور محمد رضا بن الشيخ أحمد بو حليقة
كانت بداية معرفتي بالأخ الدكتور محمد رضا بو حليقة عن طريق الأستاذ الفاضل فضل اللَه بن سلمان بو حليقة وذلك بعد مرور سنة على ذكرى وفاة آية الله الشيخ محمد بن سلمان الهاجري (21/7/1425هـ) حيث أبلغه ابن عمه الأستاذ الفاضل فضل الله بن سلمان بو حليقة بأن سلمان الحجي ألف كتاباً عن حياة المرحوم الشيخ الهاجري، فطلب منه الدكتور محمد رضا رقم هاتفي المتنقل، ثم اتصل الدكتور علّي تلفونيّاً يطلب مني أن أزوده بنسخة من ذلك الكتاب، وعلى ما أتذكر كان لقاؤنا الأول يوم الخميس بمقبرة البغلي (الخدود) لقراءة سورة الفاتحة إلى روح الشيخ محمد الهاجري وموتانا جميعاً وموتى المسلمين.
وفي صباح يوم الجمعة التالي هاتفني الدكتور محمد رضا يطلب مني اللقاء به، وبعد اللقاء شكر ذلك الجهد المقدم، وأشاد بالكتابة عن علمائنا والشخصيات العلمية بمختلف التخصصات، وأبدى استعداده لدعم هذه الجهود مع أهمية إيصال الكتاب للمثقفين والشباب الذين يرغبون الاستفادة من تجارب الحكماء والمفكرين.
وفيما بعد طلب مني التواصل معه في نتاجي المستقبلي، وكنتُ أتواصل معه باستمرار. وكان سلمه اللَّه يسعد بذلك الاتصال، ولا يبخل علينا بالدعم المادي
والمعنوي لمشاريعي الكتابية المختلفة. كما كان يشجعني على مشاريع الخير، ويقدم المقترحات المفيدة، ويحثني على تبني بعض الأفكار المساعدة على توثيق تجارب المنتجين.
وبصراحة هذه الشخصية لا أستطيع أن أوفيها حقها، لأنها من أبرز الشخصيات المحدودة التي شجعتني على التأليف، ونمّت الثقة في نفسي تجاه مشروع الكتابة، وقد جعلني هذا على تواصل دائم معه من أجل رفع من المعنويات، وبث الحماس، وتهدئة الخاطر، بالأخص حين تصل لنا كلمات التحطيم والتقزيم ممن يتوقع منهم الدفع بالحراك الثقافي إلى الأمام.
فيما بعد طلبتُ منه أن يزوّدني بالمفاصل الأساسية للنجاح في تجربته الوظيفية والاجتماعية. وبعدما اطلّعتُ على تفاصيلها رأيتُها تجربة مليئة بالتحديات والطموح، فيها الرغبة في الارتقاء إلى سلم التميز، والعمل الجاد من أجل ترجمة هذه الأهداف على أرض الواقع، ترك له بصمة مضيئة في دهاليز وزارة الصحة، لم توقفه العراقيل عن العمل الإنتاجي في مجالات مختلفة.
أتمنى من شبابنا قراءة هذه السيرة، والاستفادة من التجربة بما يمكنهم من تحقيق طموحاتهم وترجمة أهدافهم، وتنمية قدراتهم، والرفع من مستواهم الروحي والثقافي والاقتصادي، وبما يمكنهم من خدمة من حولهم، والرقي بأوطانهم على كافة الأصعدة.
ولنتابع ما زودنا به أخي الحبيب الدكتور محمد رضا بو حليقة.
السيرة الذاتية المختصرة:
من مواليد عام: 1369هـ - 1950م،عشتُ يتيم الأب حيث توفى والدي رحمه الله وأنا في عمر الخمس سنوات، درستُ مستويات المرحلة الابتدائية إلى الصف الخامس في العراق، وأكملتُ السادس الابتدائي حتى حصولي على شهادة المرحلة الثانوية بأرض الوطن بالأحساء، وحصلتُ على شهادة البكالوريوس - تخصص الصيدلة - من جامعة الرياض (جامعة الملك سعود حالياً). عملتُ فيما بعد بوزارة الصحة، كما التحقتُ ببرنامج في الإدارة المتقدمة بالمملكة، ثم دراسات في الإعلام الدوائي وتسجيل الأدوية في برلين بألمانيا، وثم التصنيع الدوائي وعلم السموم في بلجيكا، وبعد تقاعدي من وزارة الصحة (٢٠ سنة خدمة) أسستُ مشاريع صحية مثل: مركز متخصص لعلاج الآلام، ومركز متخصص للأسنان، ومركز متخصص لنظام أمن المنشآت، ومؤسسة لبيع المستلزمات الطبية والأجهزة الطبية المنزلية، وأخيراً شركة للفلاتر الصناعية ومقرها الرئيسي بالدمام، ولها فروع في كل من: الرياض، وجدة، والجبيل، وينبع، وأبها، وكذلك في خارج المملكة في كل من: البحرين، وقطر، والإمارات.
مسيرتي الوظيفية:
عملتُ في شركة أرامكو، ثم أكملتُ مشواري الوظيفي بوزارة الصحة، وكنتُ أحد مؤسسي جمعية الصيدلية السعودية بالمملكة، ومن المشّرعين لأنظمة الصيدلة والأدوية ونظام الطب البشري. كذلك من مؤسسي لجنة الإعلام الصحي المختصة بالندوات والمؤتمرات والأنشطة الصحية، حيث شاركنا في تنفيذ أكثر من مئتي وخمسين نشاطاً علميّاً ومهنيّاً على مستوى القطاعات الصحية بالمملكة. كان لي بصمة وظيفية خاصة في تطوير أنظمة المؤسسات الصحية الأهلية في المملكة، وألفتُ أول كتاب عن ممارسة مهنة الصيدلة.
الوضع الأسري:
متزوج بمعلمة (كريمة ابن عمي الحاج محمد بن زيد بو حليقة) وأنجبتُ منها: ابنة وهي طبيبة بدرجة ماجستير في طب الأسنان وصاحبة مجمع أسنان تخصصي، وابناً وهو أخصائي علاج طبيعي والمدير العام لشركة مركز العالمية للفلاتر، وابنة أخصائية جينات طبية وماجستير استشارات جينية، وابناً مهندس نظم معلومات، وكلهم أكملوا دراستهم في بريطانيا.
تفصيل السيرة الذاتية:
رحلة طفولتي وما بعدها:
توفي والدي F وعمري خمس سنوات، وفي عمر السابعة انتقلنا إلى دولة العراق. فعشتُ طفولتي في أجواء الكاظمية، وفيها أولاد كل حارة هم أسيادها، كما أن لكل حارة أبطالها، ومن هنا تعلمنا فنون القيادة وكسب الناس من الصغر.
كانت والدتي تعمل على تفصيل العباءات النسائية، وتصرف علينا مما تحصل عليه من دخل مالي مقابل أتعاب عملها.
عدد أفراد أسرتنا خمسة، وكنا نسكن غرفة 4×4 متر في خان. درستُ بالكاظمية المرحلة الابتدائية إلى الصف الخامس، ولفت نظري أن المعلمين بالعراق يهتمون بتنمية قدرات الطالب ثقافيّاً وأدبيّاً.
والدتي رحمها اللَّه ألزمتني وأخوتي على العمل والكسب من الطفولة. عملتُ ببعض المهن الحرفية كتجليد الكتب والمصاحف وميكانيكية السيارات والسباكة والكهرباء والبيع، وعندما أكملُتُ ثلاث عشرة سنة انتقلنا إلى الأحساء بفضل أخي عبد الهادي رحمه الله، وكانت وسيلة النقل المستخدمة حينها (سيارة وانيت) سارت بنا عبر رمال الصحاري حيث لم تكن حينها الشوارع معبدة وتهنا ومن ثم اهتدينا للطريق، وعندما وصلنا إلى الأحساء تفاجأنا بتدني المستوى المدني والحضاري مقارنة بالعراق، فرأينا مجسماً ضخماً لذبابة أمام البلدية، وكانت الطرقات ترابية، ووسيلة النقل المستخدمة الحمير والعربات (القاري) والإنارة فانوس وتريك، وسكنا في حسينية عمتنا أم مجيد رحمها اللَّه.
ولم تتم معادلة شهادة الخامس الابتدائي، وعليه كان لا بد من إعادة دراسة الخامس الابتدائي بشكل منتظم، ثم درستُ السادس الابتدائي عن طريق الانتساب ونجحتُ في كليهما، وقد عشنا بمعية أخي عبد الهادي رحمه الله وتحت رعايته، وكنتُ أدرس وأعمل في نفس الوقت، فكسبتُ الكثير من المهارات والمعارف، كنتُ أول من صنع الطائرات الورقية من الورق وعربات من برنقات السيارات. وبعد إكمالي المرحلة الثانوية العامة التحقتُ بجامعة الرياض لدراسة تخصص الصيدلة، وكانت مكافأة الطالب حينها: 350 ريالاً، ويخصم منها مصاريف السكن والتنقل والمصاريف المعيشية الأخرى، وبما أننا عزاب كان لا يتاح لنا السكن إلا في المناطق النائية. وكانت الدراسة تبدأ الساعة السابعة صباحاً وتنتهي في السابعة مساءً عدد الطلاب بقاعة الدراسة 120 طالباً، ويسكن معنا موظفون وطلاب في تخصصات متعددة، وتحت وطأة هذه الظروف كان لا بد لنا من إنهاء واجبات الجامعة من تدوين نتائج التحاليل العملية التي قمنا بها أثناء دراستنا النهارية بالكلية، إضافة الى المذاكرة والطبخ وغسل الأواني للعزبة، وغسيل الملابس. أما أيام الامتحانات فكنتُ أخرج من البيت الساعة السادسة صباحاً، واركب بصندوق سيارة الوانيت بأربعة قروش من منطقة الشميسي إلى البطحاء، ومن ثم ادفع أربعة قروش لأركب سيارة مشابهة أخرى للوصول للجامعة والواقعة بالملز شارع الستين، وعادة ما أعتكف بالمكتبة للمذاكرة لعدة ساعات حتى الليل. الدراسة كانت جداً صعبة وباللغة الانجليزية وبنظام السنوي ثم الفصلي ثم بالساعات. رسبتُ في السنة الأولى وطلب أخي أن أعود للأحساء واشتغل معه في مزرعة الدواجن لأنني غير فالح في الدراسة. عندها عشتُ وضعاً نفسياً صعباً بين رغبة أمي رحمها الله في أن أدرس وأحصل على للشهادة ثم الوظيفة وأن يكون لنا بيت مستقل يجمعنا وأكون أسرة وبين أن أرجع وأعمل كعامل بالمزرعة، لذا قررتُ الصمود بالدراسة والحمد لله أكملتُ دراستي الجامعية. أتذكر أنني في فترة دراستي اشتريتُ سيارة فولكس واجن قديمة بألفين ريال كهربتها 6 فولت وكنتُ أنزل بها من الرياض للأحساء.
دراستي بأوروبا:
في برلين (ألمانيا الغربية) درستُ التسجيل الدوائي، ومعايير السلامة اللازمة في تركيبة الدواء، والتحاليل اللازمة، والتعبئة، والتغليف، والنشرة الدوائية، والدراسات والأبحاث المعمولة عليها، وغيرها لأجل تسجيل الأدوية، لا زلتُ أتذكر فصل الشتاء قارساً والسكن من دون تدفئة، والمذاكرة كانت دوماً في الفراش من شدة البرد. أما عن دراستي في دولة بلجيكا فكانت بعد مرحلة زواجي، وقد رزقتُ بنتاً، وكانت زوجتي حاملاً والدراسة في مدينة (جنت). ولا شك كان الوضع صعباً على زوجتي، حيث أتوجه للدراسة صباحاً وأعود بالمساء، وهناك تنتهي الحياة مساءً ويبدأ عمل البارات والملاهي وبالتالي لا فرصة للخروج إلا في عطلة نهاية الأسبوع حيث الأجواء أكثر ملائمة للعائلة.
كان من أساتذتنا البروفسور هنركس وهو من أكبر المتخصصين في مجال التسمم بالغازات الكيميائية السامة المستخدمة في الحروب، وكانت دراستنا متعمقة في علم السموم.
عملي بوزارة الصحة:
كان أول عملي لي في صيدلية شركة أرامكو، وكان رئيس الصيدلية السيد سعيد العوامي سعودي، ثم استلم فاز وهو هندي وكلفني بتنظيف الطاولات وأرفف الأدوية وصف الأدوية عليها وتعبئة الأقراص والشراب في الزجاجات. أما عن أسباب انتقال العمل لوزارة الصحة فإنه بعدما أحيلت أوراقي للتعيين في شركة أرامكو وبعد مرحلة التدريب، صدفة كانت هناك حاجة لموضوع دوائي استدعى زيارتي لإدارة الشؤون الصحية الذي بالدمام، عندها قابلتُ مدير الشؤون الصحية الدكتور سيف الدين الشيشكلي رحمه الله وخلال نقاشنا طلب مني الانتساب للصحة لعدم وجود صيدلي سعودي، وقال لي: إن أملاك الدولة من التموينات بأيد أجنبية، والمهنة بحاجة إلى تطوير، والفرص كبيرة لخدمة بلدك في الوزارة، وستجدنا داعمين لك، عندها فكرتُ في (الفرق بين العطاء في مستشفى أرامكو ووزارة الصحة) والتي هي بحاجة ماسة الى التطوير والنمو، فقررتُ الانتقال لوزارة الصحة، حيث يمكنني المساهمة في بناء هذا الوطن الفتي الطموح.
بدأتُ في وزارة الصحة 1977م بوظيفة صيدلي بقسم المستودعات بالدمام ثم رئيس قسم المستودعات، ثم مدير المستودعات (الأدوية والأجهزة الطبية والمستلزمات الاستهلاكية والأثاث والسيارات والمردودات)، ثم أضيف لمهامي (المناقصات والمشتريات) في عهد الدكتورغازي القصيبي رحمه الله وتم ترقيتي إلى منصب مساعد المدير العام للتموين الطبي والمستودعات بقرار من الدكتور عبد الرحمن السويلم والذي عينه الدكتور غازي القصيبي مشرفاً عاماً علي الشؤون الصحية بالمنطقة الشرقية. وكانوا داعمين لكل من يريد تطوير الصحة. وبعد ذلك تم تعيين الدكتور سامي الصقير مديراً عاماً للشؤون الصحية بالمنطقة الشرقية.
فكان الدكتور سيف الدين الشيشكلي داعماً عملياً، ومن ثم الدكتورغازي القصيبي، والدكتور عبد الرحمن السويلم، والدكتور سامي الصقير في برنامجي لتطوير القطاع الصحي الأهلي (لكون القطاع الصحي الحكومي غير قادر على الوفاء بالخدمات الصحية لوحده). تم تكليفي مديراً للتراخيص الطبية والصيدلة، وحينئذ بدأنا في تشجيع المواطنين للاستثمار في القطاع الصحي، وكانت المستشفيات الأهلية العاملة ذلك الوقت هي أرامكو، ومستشفى الدكتور فخري، ومستشفى السلام، ومستشفى الشرق. وفتحت في عهدنا عدة مستشفيات منها: المستشفى الجديد في أرامكو، ومستشفى المانع، ومستشفى عبد اللَّه فؤاد، ومستشفى المواساة، ومستشفى الثميري، ومستشفى السعد في الدمام والخبر والفناتير في الجبيل، وشركة جي تي في الخفجي، ومستشفى الدكتور نور خان في حفر الباطن، والهيئة الملكية بالجبيل، وفي الأحساء مستشفى العبيد والموسى، والمانع، والعلي، والحربش، وغيرها من مستشفيات، ومستوصفات، وصيدليات، ودور النظارات، والمراكز الطبية المتخصصة، والعيادات الخاصة، والمكاتب العلمية لشركات الأدوية، عيادات وشركات ومصانع، وكنا أول من أدخل نظام الحاسب الآلي في التراخيص، والرقابة والأرشيف، ونظام مراقبة الأدوية المخدرة والنفسية بالحاسب الآلي، ونظام الرقابة الذاتية على المؤسسات الطبية. لقد كان فريق العمل العامل معي قمة في التفاني بالعمل والإخلاص لدرجة ينتهي الدوام ولا يزالون مستمرين في إنجاز الأعمال. تقدمنا على الوزارة وفروع الصحة بجميع مناطق المملكة مهنياً وتنظيمياً وخدمياً وتوسعاً.
فيما بعد تغيير الوزير والمدير العام وبقرار وزاري في 1997م تم تكليفي للعمل كصيدلي بالمستشفى المركزي بالدمام (بحجة أني كنتُ مكلفاً بالوظيفة وغير معين عليها ويريدون التبديل وهذا أمر طبيعي فمثلاً يكلف طبيب ما مديراً للجامعة وبعد انتهاء التكليف يرجع ليعمل كطبيب بالمستشفى)، توجهتُ لمستشفى الدمام المركزي واستقبلني المسؤولون هناك بالحفاوة والترحيب، وخلالها تقدمتُ للوزارة بطلب تقاعد مبكر عند إكمالي خدمة عشرين سنة وأثناء عملي بالمستشفى تمكنا خلال ستة أشهر من نقل الصيدلية القديمة إلى مقر الصيدلية الجديدة في مستشفى الدمام المركزي، وتأسيس الصيدلة السريرية، وقسماً خاصاً لصرف أدوية الأقسام الداخلية بنظام الجرعة اليومية، وعمل صيدلة الإسعاف ونظام ترولي الأدوية الإسعافية في كل قسم وتنظيم وصف الأدوية المتخصصة والمضادات الحيوية. كما بدأنا في تأسيس وحدة خلط المحاليل الوريدية، ووحدة الصيدلة السريرية. وشاركتُ حينها مع إدارة المستشفى في تصميم الوحدات الصيدلانية والدوائية والمخازن اللازمة للأدوية في المبنى الجديد قبل بنائه (مبنى البرج الطبي بمستشفى الدمام المركزي)، ولكن مع الأسف في التنفيذ الغي دور القبو مما خسرت الخدمات الصيدلية بعض مساحاتها الضرورية. وخلالها عمل معي كوادر الصيدلية والإدارة والصيانة بكل جهد ودعم وتفاني وحماس وسعادة.
التعاون المشترك بين وزارة الصحة وشركة أرامكو:
حفزنا التعاون بين شركة أرامكو والمستشفيات الحكومية بما فيها المستشفى العسكري وقوى الأمن والجامعة، مما شجعنا ذلك على تشكيل اللجان العلمية والمهنية، وتبادل الخبرات، وتطوير الأنظمة واللوائح، وعمل الندوات والمؤتمرات... إلخ، وتمكنتُ من تغيير صورة الوزارة في أعين أصحاب المؤسسات الصحية من جهة رقابة صارمة فقط إلى جهة شريكة وداعم استراتيجي لتمكين القطاع.
تأسيس الجمعية الصيدلة السعودية:
كان من الصعب تغيير لوائح وأنظمة في أجهزة الدولة ما لم يكن طلباً صادراً من لجان متخصصة ومن قطاعات مختلفة تستفيد منها. لذا فكرنا في إنشاء الجمعية الصيدلية السعودية كخطوة للعمل الجماعي والاستعانة بالخبرات المتاحة وإمكانية التعاون مع الدول الأخرى في مجال المهنة وبتوفيق من اللَّه توفقنا باستصدار مرسوم ملكي لتأسيس الجمعية وتمكنا عن طريق الجمعية تغيير نظام الصيدلة ونظام الطب البشري والمهن الطبية في المملكة، وكذلك تغيير اللوائح التنفيذية، ووضع أسس ممارسة المهن وأخلاقياتها، كما تم إصدار نظام لتسجيل الأدوية، وتطوير لوائح وأنظمة تسجيل الأغذية الصحية، ومستحضرات التجميل، والمطهرات والأدوية البيطرية، والمبيدات الحشرية. وأصدرت الجمعية النسخة الأولى من دليل الأدوية السعودي.
نظام تقييم الكادر الصحي:
استشعرنا وجود من يمارس المهنة بدون مؤهلات دراسية سليمة مما دفعنا لتشكيل لجان في كل تخصص لتقييم المستوى العلمي لكل من يتقدم بطلب الترخيص لممارسة المهنة، واستطعنا من منع عمل غير المؤهلين. وكانت التجربة هي نواة تأسيس الهيئة السعودية للتخصصات الصحية بمرسوم ملكي.
تأسيس لجنة الإعلام الصحي:
بدأنا بمحاضرات علمية ومهنية في مجال الصيدلية والأدوية، ولكون الأدوية موضوع يهم الأطباء والمهن الصحية الأخرى، فقد كان بيننا تعاون مهني وعلمي، وهي باكورة تكوين لجنة الإعلام الصحي لرفع المستوى العلمي والمهني لكوادر المهن الصحية والمرضى، وبالتالي أنشطتها تعني الجميع من ندوات ومؤتمرات كثيرة لا يمكن حصرها، فعلى سبيل المثال مؤتمر السكر: كان المشاركون في المؤتمر أساتذة جامعات من دول متقدمة وباحثين، ومخترعي أجهزة (علوم جديدة)، وشركات أدوية، وأخرى مصنعة، أطباء ومتخصصين في مجال السكري والتخصصات الأخرى، صيادلة وفنيين ومرضى والطالبين للمعرفة، وكان المشاركون يتجاوزون الألف شخص، ونتج منه زيادة المعارف الطبية وعلوم جديدة، وتبادل خبرات، والكل يحكي تجربته حتى المريض، وكل فرد يستفيد من تجربة الآخر. وكانت مدة المؤتمرات ثلاثة أيام، وكنا نعمل على إنجاحها بكل جهد سواء في التخطيط أو توجيه الدعوات للباحثين، وتشكيل لجان علمية لتقييم المحاضرات، وعمل التنسيق لقدومهم، وحجز الفنادق واستقبالهم واستضافتهم وإعداد البرنامج وتوجيه الدعوة للأطباء والمختصين، وحفل الافتتاح ودعوة الأمير والوزير، وإعداد التوصيات ومتابعتها و... إلخ. قدمنا الندوات في كل التخصصات تقريباً: مؤتمر جراحة العيون، والأعصاب، والأسنان، والأنف والأذن و الحنجرة، والتجميل، والقلب، وضغط الدم، والكلى، والعظام، وعلوم المختبرات، والسموم، والتلوث، والعدوى، والأمراض الجرثومية، والفيروسية، والطفيلية، والعلاج الطبيعي، والمخدرات والإدمان، والأمراض النفسية، والحميات، وشلل الأطفال، والرعاية الصحية الأولية، والإسعاف، والحوادث وإصابات الطرق، والإيدز، والأطفال، والجلدية، والحساسية، والصيدلة السريرية، والمضادات الحيوية، وأدوية القلب، وأدوية السكر، والأشعة، و و... إلخ.
تأليف كتاب: (كتاب ممارسة مهنة الصيدلة بالمملكة العربية السعودية):
أصدرتُ منه أربع طبعات، وكل طبعة فيها إضافات جديدة حسب حاجة الفريق الصيدلي والطبي إليه. أما مضامين الكتاب: كان يستعرض كل ما يحتاجه الممارس للمهنة والمتعامل مع الأدوية من لوائح ومعلومات وأنظمة وأخلاقيات مهنية، والكتاب طبع باللغتين العربية والإنجليزية، الفصل الأول يتناول: أنظمة الممارسة المهنية، وأنظمة تسجيل الأدوية، وقواعد وإجراءات الأدوية الخاضعة للرقابة والمخدرة.
وفي الفصل الثاني يشتمل على: أسس الممارسة المهنية، وأنواع الوصفات الطبية، وأخلاقيات الممارسة المهنية، والتركيبات الصيدلانية، والمصطلحات والمختصرات في المهنة، وفي الفصل الثالث يركز على: أسس وصف وصرف المضادات الحيوية، والحسابات الصيدلانية، وقياس الجرعات حسب العمر والوزن وفعالية الأجهزة الحيوية، والسميات والجرعات الدوائية السامة، والأدوية التي تغير لون البول أو البراز، والأدوية الإسعافية اللازم تواجدها في أقسام المستشفى والصيدليات، والأدوية المحظورة على مرضى الأنيميا المنجلية، ومراكز معلومات الأدوية في المملكة، وفي الفصل الرابع يتناول: التركيبات الصيدلانية الدستورية الممكن تحضيرها في الصيدليات، ومعايير تخزين الأدوية وثبات صلاحيتها، وأهم المراجع الدوائية اللازم تواجدها في الصيدليات.
مؤلفات أخرى:
شاركتُ في إعداد بعض الكتب منها: دليل الأدوية السعودية الطبعة الأولى، ودليل الخدمات الصيدلانية: 1410هـ، ونظام المؤسسات الطبية: 1410هـ، واللائحة التنفيذية لنظام مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان، ولائحة التقارير الطبية، ونظام مزاولة مهنة الصيدلة، واللائحة التنفيذية لنظام مزاولة مهنة الصيدلة، ونظام تسجيل الأدوية والمستحضرات الطبية، وكتاب السموم والوقاية من الغازات السامة المستخدمة في الحروب، وغيرها.
تقييم التجربة في الصحة:
كانت تجربة جميلة وحافلة بالمنجزات، حققنا العديد من النجاحات التي دعت وزير الصحة إلى إيفاد مسؤولي الرخص الطبية بالوزارة للاطلاع والاستفادة من طريقة إدارتنا والمستوى التنظيمي الذي حققناه. وبدأُتُ أقرأ في عيون المسؤولين بالوزارة (يا بو حليقة يكفي تقدم لأنك تحرجنا عندما يكون الفرع أفضل من الأصل). كما وعرض علّي وكيل وزارة الصحة منصب مدير عام الرخص الطبية والصيدلية بالوزارة بالرياض، واعتذرتُ لهم ذلك لصعوبة حياتي مع العائلة في الرياض، وأنا مرتبط بالتزامات أسرية كبيرة في المنطقة، علاوة على التزامي بوالدتي المسنة، وزوجتي موظفة في التعليم كما وأني خال وعم لأكثر من مئتي فرد، ولنا لقاءات أسرية أسبوعية مليئة بالفعاليات، وعندما صدر قرار من الوزارة بنقلي للعمل بالمستشفى المركزي بالدمام اعتبرتُه فرجاً من اللَّه تعالى وتقدمتُ بطلب التقاعد المبكر. وبعد التقاعد أردتُ أن استمر بتفوقي وعطائي فانتهجتُ خط إخواني التجار، حيث إنني ورثتُ من والدي رحمه اللَهّ ثروة كبيرة، وحان وقت استثمارها، فسارعتُ في شراء مؤسسة عاملة في بيع الفلاتر، عرضها علّي أحد الزملاء، وتجولتُ العالم لزيارة مصانع الفلاتر بحثاً عن وكالات، وتوفقتُ والحمد للَّه، ولا أزال على نهج العطاء والتقدم، ولا زلتُ أواكب التطور العلمي والمهني للصيدلة، وأقدم الخدمات للوزارة متى طلبت مني ذلك.
بكل حب أعطيتُ وطني وبلدي ومجتمعي، وأرضيتُ ضميري، مبتغياً الأجر من اللَّه. أذهب لفراشي ليلاً متسائلا: «ماذا قدمتُ وأعطيتُ اليوم؟»، وإذا كان ردي ايجابيّاً فذاك اليوم أكون سعيداً بحمد من اللَّه.
أثنى على جهودي الكثير من مسؤولي قطاعات الصحية والجامعية في مختلف مناطق المملكة، وأصحاب المستشفيات والمستوصفات والعيادات والصيدليات، ودور النظارات، وشركات الأدوية والمجمعات والمراكز الطبية، بالدعاء أو بالقول أو بالشهادات، وما أكثرها، ومن قطاعات مختلفة والحمد لله، وفخر بنا المجتمع وفخرنا به، وذكرنا بخير وترحموا على والدّي، وهذه أكبر مكافأة لي ولأسرتي.
تجربة الأعمال الحرة:
عملتُ في طفولتي أيام الدراسة بالمرحلة الابتدائية في بيع الكاز والحب والعسلية في العراق، وفي المرحلة المتوسطة والثانوية عملتُ صانعاً في مهن كالسباكة والنجارة وميكانيكة السيارات وبيع الكماليات من ملابس وأحذية رجالية ونسائية. ومن هنا تعلمتُ أهمية الاستثمار ومهارات البيع والشراء والتواصل وتبادل المنافع.
وبعد تقاعدي ومن أجل خدمة المهنة افتتحتُ مركزاً لعلاج الآلام مع بعض الزملاء. وكانت آمالنا وطموحاتنا في خدمة المجتمع ومعاناة المرضى كبيرة، ولكن لم يصدر لنا الترخيص النهائي، حيث بعد منحنا الترخيص الأولي قمنا باستكمال التجهيزات واستقدام المتخصصين من أمريكا بعقود رسمية ملزمة لسنتين وتم استئجار فلل لهم في مجمع سكني خاص بالأجانب، وعندما طلبنا الترخيص النهائي تفاجئنا بعدم موافقة الوزير الجديد على الترخيص بحجة أن هذه التخصصات وأسلوب العلاج حديث في أمريكا وأوروبا، وهذه الوزارة لم تعتمد بعد هذه الأساليب العلاجية في المملكة والوزير السابق الذي منحكم الترخيص ليس بطبيب، مما استدعى ترحيل الكوادر وتعويضهم وإعادة بيع الأجهزة في أمريكا، وخسارة تقدر بثلاثة ملايين ريال سعودي، حتى أن أحد أبنائي رسم نعشاً يشيّع إلى مقبرة محّمل بمشروع مركز الآلام.
مشروع آخر هو: تصميم وتنفيذ شبكات أنظمة أمنية يعتمد على دفن شبكات وأسلاك حساسة تحت الأرض وحول المنشأة متصلة بنظام حاسوبي وبرامج مخصصة يمكنها التعرف على الموجات الناتجة من حركة الأجسام فوق هذه الشبكات والأسلاك، فبهذا النظام يمكن في غرفة المراقبة معرفة الحركة في الخارج إن كان إنساناً، أو حيواناً، أو آلية، بدون الحاجة لوضع كاميرات، وأعددنا له نموذجاً في معرض للأنظمة الأمنية، وحاز على إعجاب بعض الشركات إلا أنه عند التعاقد مع هذه الشركات طلبوا تأهيلنا، والتأهيل يتطلب إبراز أعمالك السابقة مع شركات كبيرة معروفة وغيرها، مما صعب علّي تحقيقه، وبعتُ حصتي بالتكلفة.
كذلك أنشأنا مؤسسة لبيع المستلزمات والأجهزة الطبية، نورد ونبيع بالجملة على المستشفيات والمستوصفات والصيدليات والسوبر ماركات، كما وشاركتُ في تأسيس مدارس التهذيب الأهلية في سيهات، وصالات خليج البركة للمناسبات، وشركة الحياة التعليمية.
كذلك دعمتُ الشباب الذين توجهوا لعالم الأعمال والتجارة ولله الحمد نجح بعضهم وأنا فخور بهم.
الأنشطة العائلية:
في اللقاءات الأسرية تدور أحياناً حوارات حول الأسرة وتاريخها، مما دفعني وبعض أفراد الأسرة إلى البحث، وسؤال كبار السن من العائلة وغيرهم، وربط الآباء بالأجداد وبمن هم قبلهم إلى الوصول إلى الجد الأخير، وكذلك البحث بصكوك الأملاك وفي أصل الأسرة وربط النسب في مشجرات الأنساب، والاستعانة بالوثائق الداعمة للبحث، ولا شك أن العمل تطلب جهداً كبيراً لربط الآباء بالأجداد إلى الوصول للجد البدائي في الأحساء عيسى بن علي بو حليقة عليه رحمة اللَهّ بشهادته على صك مبايعة نخل في الأحساء عام: 1171هـ، كما عملنا على برامج تجمع العائلة عبر عدة أنشطة اجتماعية تربوية ثقافية ترفيهية مثل: اجتماع المعايدة، وتكريم المتفوقين، ومحاضرات طبية وتربوية وثقافية. كما قمنا بعمل صندوق تكافلي للعائلة تشمل هذه البرامج علاوة على المساعدات المالية للمحتاجين من العائلة.
دور الوالدة رحمها اللَّـه:
هي البركة، ربت وأحسنت التربية، أسستنا على العطاء والإنتاجية، وكانت صديقة زوجتي وأمها. كنتُ مشغولاً بالعمل وزوجتي كذلك، والوالدة تعتني بالبيت والعيال والطبخ في فترات غياب زوجتي في العمل. ولا تتوقف عن الدعاء لنا ومحبة للناس وكل من حولها، وهم يحبونها ويعطونها مقام الأم.
دور زوجتي (أم أحمد):
يعود لها الكثير من الفضل في تلك الانجازات التي حققتُها، وكذلك تحملها أعباء المنزل وإدارته، وصدق من قال: (وراء كل رجل عظيم امرأة). كذلك أصدقائي والذين تجمعني بهم ذات الأهداف والطموح، ولا نجتمع إلا لتقديم ما فيه خير لمجتمعنا وبلدنا.
نصيحة للشباب:
قيمة الإنسان بعلمه وثقافته وأخلاقه وعطائه وخدمته لمجتمعه ووطنه (خادم القوم سيدهم) فكل يوم حاسب نفسك أين أنت من هذا؟ وهل أنت في تقدم أم تراجع؟
المثقف الناجح:
هو المتعطش للمعرفة، المعطاء لوطنه الذي يرتقي باستمرار، ويستثمر عمره ووقته فلا يهدره في خلافات أو نعرات عنصرية أو طائفية أو قبلية أو بالنميمة، ويعلم أن الحياة مليئة بالفرص، وأن العقبات هي من صنع الانسان نفسه، وأن العالم يتسع لأحلام الجميع.
جديد الموقع
- 2026-04-19 رشفة ثقافية مع أبي علي - الفكاهة والهزل في الشعر القديم ( 1 من 4)
- 2026-04-19 افراح العبدالله والبراهيم تهانينا
- 2026-04-18 الحاجة وفيه الشايب ام عبدالله في ذمة الله تعالى بالأحساء
- 2026-04-18 أفراح سادة آل سلمان والمرزوق تهانينا
- 2026-04-18 بين واحتين - أدب الرحلة بين الأحساء ونجران إصدر جديد لللاستاذة وفاء بو خمسين
- 2026-04-18 زواج ثنائي العتيبي بالأحساء (( سعود و محمد ))
- 2026-04-18 لماذا لا تكفي المعرفة وحدها؟
- 2026-04-18 كيف نحافظ على إنسانية العمل الخيري دون أن نفقد التنظيم؟
- 2026-04-18 الشيخ الصفار والمكتبات
- 2026-04-18 أفراح الفجري وآل محمد سالم تهانينا