2026/06/06 | 0 | 73
(كيف يكون الدرس النحْوي الجديد حاضراً حضوراً إبداعيّاً؟)
إن تحديد موضوع أي علم وتحديد مجاله المعرفي الذي ينبغي الاشتغال فيه وعليه، هما المطلب الأول الملقى على عاتق الأساتذة تربوياً من حيث وجوب بيانه لطلبتهم في المرحلة الأولى من مراحل الدراسات العليا، المرحلة التي تأخذ أهميتها لكونها الخطوة التأسيسية الآخذة بيد الطالب ليتخطى فترة التلقي المبنية على فهم المادة المدروسة إلى فترة العمل على تكوين الرأي النقدي أو الاجتهادي فيها وحولها.
وهذا لا يكون ولا ينجح إلا بعد تعرف الطالب إلى موضوع العلم المدروس ومجاله المعرفي ومجال مصادره، وهو – كما تقدم – من أولى مهام الأستاذ المطلوبة في إدارة حلقة درسه الصغيرة مع طلبة الدراسات قياساً بما قبلها من حيث السعة والضيق في بدايات الدراسة الجامعية.
هذا هو المطلوب، لكن بعض شاغلي حلقة الدراسات من الأساتذة قد يميل إلى طلب الراحة فيستصحب المرحلة المقتصرة على فهم النص ليثبتها ويرتاح لقلة بذل الجهد في العطاء فيتسبب في تأخير أو عرقلة عبور طلابه من مرحلة التقليد المقتصرة على الفهم إلى مرحلة الاجتهاد المميزة بالوعي النقدي وبإبداء الرأي.
من شواهد الاقتصار على مرحلة الفهم واستصحابها:
من شواهد ذلك أن ينتخب الأستاذ جملة من المواضيع النحوية من كتب تراثية متنوعة ويوجه طلبته إلى بذل الجهد في فهمها وفهم أسلوبها وفك عباراتها، وفهم فحوى الاحتجاجات والعلل المطروحة فيها، لا لتكون الغاية مناقشتها ونقدها منهجياً وإجرائياً؛ لأن ذلك يتعب الأستاذ، وقد يبرر لنفسه في حواره الداخلي معها أن ذلك لا يتفق وقدرة الطلبة في مرحلتهم المذكورة، لتكون النتيجة أن المطلوب على الطلبة هو الفهم وحده وأنهم سيمرون باختبار يقيس فهمهم، حالهم حال طلاب المدارس وينتهي الأمر بصورته الضعيفة تلك.
لكن كيف يَقبل الطلبة بتثبيتهم في مرحلة الفهم؟
قد يكون الإذعان لما يقرره الأستاذ هو منشأ القبول لدى بعض الطلبة طلباً للراحة أيضاً وطلباً للدرجات ولاجتياز ما تلبسوا به بسرعة خصوصاً أن ذلك يلتقي ونزعاتهم النفسية وما اعتادوا عليه في مراحلهم المدرسية، وقد يكون لضبابية موضوع العلم وضبابية مجاله المعرفي الدخل الأكبر في إذعانهم وفي قبولهم النصوص المقررة عليهم الخارجة بحججها وعللها عن موضوعها وعن مرجعية مجالها.
ومن أمثلة إيهام الطلبة بالاقتصار على مرحلة الفهم وعدم تجاوزها، أن تُقرر عليهم نصوص تتمتع بالصفات التالية:
1- الإخفاق الأسلوبي:
وهذا ما يجعل كل هم الطالب أن يبذل جهده ويصرف وقته في فك العبارات الملتوية في النصوص المقررة عليه ، العبارات التي لم تكن صعوبة فهما ناشئة عن عمق فكرتها ،وإنما هي ناشئة عن نقصان حظ كاتبها من خوض عباب بحر الفصاحة من الناحية الأسلوبية ،فيقدم ويؤخر ويعقد الجملة ويستخدم بعض الكلمات في غير موضعها المناسب سياقياً ،ويوقع قارئ نصه في متاهات فك العبارة وإعادة صياغة البنية الأسلوبية لها في ذهنه ،ولا يكون ذلك إلا على حساب وقت الطالب الذي يبذل جهده في معالجة نص ناتج عن الإخفاق الأسلوبي لدى كاتبه ‘ نص يخالف مفهوم الفصاحة المقرر في الدرس البلاغي ..ومع ذلك يتوهم الطالب بأن هذا هو العمق، وسيكون قد حقق إنجازاً كبيراً إذا فهم المطالب تلك مع كونها ليست عميقة وإنما هي صعبة؛ لانغماسها في اقتراف التعقيدين اللفظي والمعنوي وفي سوء أسلوب مصنفها وسيكون من سوء حظ الطالب أن يبتلى بفك عبارات من لا حظ له في الجمع بين سلاسة الأسلوب و عمق المطلب.
2- إغراق المطلب بالعلل الشاطحة إلى حد الإسراف والغلو:
إن اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية تحتم على الباحث في المجال النحوي ألا يجتر ما ورد في المصنفات النحوية – وهو أمر ملموس، وأوضح ما يدلك عليه الشواهد النحوية التي يجترها مصنفو مقررات النحو – ولا أقول النحاة- يجترونها نفسها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن غيرها – وإنما يتوخى من الباحث أن يتبع المنهج الاستقرائي فيجمع مادته التي يشتغل عليها بعمل إجرائي جديد منه هو ؛ حتى يصح أن يوصف بالباحث ، ثم يتبع المنهج الوصفي في تتبع نطق أواخر الكلم ضمن سياقات تركيب الجملة ويستنتج الأسباب والعلل الخارجة من عباءة المنهج الوصفي ،ولا يقوم بصياغة علل وإقحامها فيما هو خارج عن طبيعة موضوع العلم وفيما هو بعيد عن إدراك الأسباب الناتجة عن استيفاء المنهج الوصفي المتبع.
ولنضرب مثالاً بتعليل يصح ومثالاً آخر بتعليل لا يصح:
بعد عملية استقراء للفاعل المعرب بالحركات والمفعول المعرب بالحركات، ينتقل الباحث النحوي إلى الوصف فيخبرنا بأن الفاعل مرفوع وعلامة رفعه الأصلية الضمة والمفعول منصوب وعلامة نصبة الأصلية الفتحة، ثم يطرح السؤال التالي:
لِم صار الفاعل مرفوعاً بالضمة وصار المفعول منصوباً بالفتحة، ولِمَ لم يكن العكس؟
وسيعود إلى عمله الاستقرائي والوصفي ليقول لنا إني وجدت أن الفاعل وروده في الكلام أقل من ورود المفعول بدليل وجود جمل ذات فاعل واحد وثلاثة مفاعيل بالإضافة إلى تنوع المفاعيل وعدم اقتصارها على المفعول به.. وهنا يلجأ إلى الوصف الصوتي المحسوس فيقول إني وجدت من الناحية الصوتية أن الضمة أثقل من الفتحة ولذلك كانت علامة الأقل وروداً في الكلام وكانت الفتحة الأخف نطقاً علامة الأكثر وروداً في الكلام، وهذا التعليل مقبول لانطلاقه من استقراء الظاهرة ووصفها في حيزها القولي والنطقي، وهو ذو صلة واضحة بمسألة الفصاحة المعالجة من خلال جانبها الصوتي في البحث البلاغي، وستكون النتيجة أن التعليل المتقدم قد انطلق من عمق الظاهرة اللغوية نفسها ولم يقحم فيها إقحاماً من خارجها ولذلك هو مقبول.
ب- مثال بتعليل لا يصح:
في تعليل بناء الأسماء يذهب النحاة إلى أن أحد علل البناء تكمن في مشابهة الحرف في الوضع كأن يكون الاسم مكونًا من أقل من ثلاثة أحرف فيشابه بعض حروف المعاني المكونة من حرف أو حرفين كهمزة الاستفهام و(هل) الاستفهامية في جانب الحرف وكالضمائر المتصلة مثل تاء الفاعل والهاء والكاف و(نا )الفاعلين، والضمائر تصنف في خانة الأسماء ،وهي مبنية لمشابهتها بعض حروف المعاني في التكوين العددي المعبر عنه بالشبه الوضعي . وأما بعض الأسماء المبنية مع كونها أكثر من حرفين فعلة بنائها في مشابهة الحرف في المعنى الذي يؤديه الحرف كالمعنى الاستفهامي أو الشرطي للاسم ( متى ) الذي شابه بعض حروف المعاني كهمزة الاستفهام و(هل) إذا وضع في سياق استفهامي ، وأيضاً شابه (إنْ ) الشرطية إذا وضع في سياق شَرطي ، والمشابهة هنا ليست في العدد وإنما في تأدية معنى الاستفهام أو معنى الشرط المؤديين بالحروف المبنية ؛ولذلك كان بناء (متى ) وكانت علة البناء هي الشبه بالحرف من حيث المعنى لا من حيث الوضعية العددية.. وهذا ما قرره ابن مالك في متن ألفيته قائلاً:
والاسم منه معرب ومبني .... لشبه من الحروف مدني
كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا ... والمعنوي في متى وفي هنا
لكن الغلو في منطقة العلة وتعميمها وجعلها حتمية لا تتخلف يتمظهر في كلمة ( هنا ) التي جعلها ابن مالك ضمن الشبه المعنوي ؛لأنها مكونة من ثلاثة أحرف ولا يصح فيها الشبه الوضعي ، وإذا وَجد لـ (متى ) مخرجاً في تأدية المعنى الاستفهامي أو الشرطي الموجود في بعض حروف المعاني ، فإن المأزق يكمن في العثور على مشابه حرفي معنوي لـ ( هنا ) لتعليل علة البناء ، غير أن (هنا ) التي أدت معنى إشارياً جعلها ابن مالك مشابهة لحرف غير موجود وكان ينبغي له أن يوجد ويؤدي معنى إشارياً ، وعليه تكون (هنا ) قد شابهت حرفاً مفترض الوجود- كما تمنى ذلك ابن مالك - شبهاً معنوياً في تأدية المعنى الإشاري فبنيت ...!
وهذا تعليل لا يختلف عليه اثنان في كونه تعليلاً شاطحاً لا يستقيم ومنطق اللغة المتمثل بالاستقراء والوصف ولا يتفق مع النزعة التعليلية المنبثقة من أطارهما كما هي الحال في مثال إعطاء الفاعل الضمة الثقيلة لقلة وروده في الكلام وإعطاء المفعول الفتحة الخفيفة لكثرة وروده في الكلام؛ خوفاً من الوقوع في عيب من عيوب الفصاحة المتعلق بنشاز الصوتيات وبالموسيقى الداخلية المبحوث في علم البلاغة.
ومنها إقحام مبحث الوجود الفلسفي في تكوين العلة النحوية وصياغتها كتعليل تقدم الفعل على الفاعل نطقاً وكتابةً باعتباره العلة الموجدة لرفع الفاعل والعلة مقدمة في رتبة الوجود على معلولها ، وهذا الخطأ المنهجي يستولد خطأً من سنخه في الرد عليه رداً ينحاز إلى مبحث الوجود أيضاً فيرى أن الفاعل هو الذي صدر عنه الفعل فينبغي – والحال هذه – أن يكون وجوده في الصياغة القولية نطقاً وكتابة مقدماً على وجود الفعل فيبطل تعليل تقدم الفعل على الفاعل بحجة أنه العلة التي أكسبت الفاعل الرفع ،وقد يرد عليه بأن لازم القول الذي يفترض ضرورة تقدم الفاعل على الفعل لإيجاده له أن يحدث الالتباس بين الفاعل والمبتدأ في مثل قولنا ( زيد قام)، فيجاب عنه- إذا تقمصنا لغتهم التبريرية - بأنه من حق (زيد) في المثال المذكور أن يكون فاعلاً ، لكننا تنازلنا عن اعتباره فاعلاً وأدرجناه ضمن المبتدأ لئلا ينخرق مفهوم الابتداء الذي يعتبر كل اسم يُبتدَأُ به الكلام مبتدأً... وهكذا تتسع دائرة التعليلات التبريرية و الشطحات في البحث النحوي وتتوالد وتنمو نمواً غير منضبط وغير متزن .. وما يزيد الطين بلة أن يعاد الاعتبار إلى النزعة التعليلية المفرطة والمغالية في الدرس النحوي الجديد استصحاباً لمذاق الحقبة التي تأثرت بحركتي الترجمة والنقل وما خلفته من انبهار بما يسمى بالعقليات والاندفاع في إقحامها في مجالات لا تنتمي إليها كعلوم اللغة وغيرها إلى حد الاقتراب من ملامسة اللغو بعض الأحيان، ومع ذلك تعطى المادة التي تتصف بما تقدم أهمية من قبل بعض أساتذة الدراسات النحوية ؛لينحصر منجز الطالب في فهمها واجتيازها بإجراء اختبار بعيد كل البعد عن القفز من الفهم إلى الجانب النقدي المطلوب على الطالب ممارسته ممارسة تضع المنهج الفلسفي العقلي في سياقه الذي يُعد بعيداً كل البعد عن منطق البحث النحوي .
لقد اتضح لنا مما سبق كيف أدى الخلل السياقي التداخلي وظيفياً إلى امتطاء لجج الشطحات كما في مثال افتراض وجود حرف إشاري أدى إلى بناء (هنا) ...!
ومن هنا ينبغي المرور بمثل هذا الشطح مرور الكرام وإهماله والإعراض عنه وتوجيه الطلبة إلى البحث في القضايا النحوية ضمن منطقها وضمن مجالاتها؛ لتكون لها ثمرة عملية يستفيد منها الطالب ويتقدم من خلالها المنجز النحوي الإبداعي.
نعم ينبغي التركيز على صفة الإبداعية فيما يُنجز من بحوث في مرحلة الدراسات العليا الأولى وألا يُقتصر فيها على اكتساب منهجية البحث تطبيقياً وإن خلا البحث من الابتكار؛ ذلك لأن البحث يكتسب مشروعيته من خلال الإضافة لا من خلال تطبيقه الشكلي وانقطاعه عنها.
وعلينا كباحثين أن يكون مضمارنا ومجالنا البحثي في المساحة البكر التي لا يمكن أن نراها لنشتغل عليها إلا إذا تركنا الترنم بالأقوال التي تريد أن تقنعنا بأن المتقدمين لم يتركوا لنا شبراً في المادة التي يمكن أن نتحرك فيها نقدياً واجتهادياً..؛ فمشروعية استمرار تداول أي علم من العلوم تقتضي الاجتهاد الإبداعي فيه على صعيد وعي منهجيته ونقدها ووعي مصادره المعرفية الخاصة ومناقشتها والبت في أمرها وعلى صعيد وعي مصطلحاته المتداولة ونقدها وبلورتها وحل بعض إشكالاتها بصورة علمية تنبع من طبيعة مادة العلم وتبتعد عن التعليل النافر والمنفِّر وعن الشطحات التي لا يقع فريسة التلبُّس بها إلا من ليس له حظ في الاجتهاد..
عندها سيتبين لنا أن المساحة البكر واسعة جداً جداً وسنخوض عباب بحر أفقها خوض من لا يترنم إلا بـما أبدعه رهين المحبسين في خصوص قوله:
" وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ
لآتٍ بما لم تَسْتَطِعْهُ الأوائلُ "
جديد الموقع
- 2026-06-06 الإدمان: خلل مزمن يهدد الصحة والمجتمع
- 2026-06-06 المعرفة بين عمر الإنسان والقراءة
- 2026-06-06 عبثية الآلة بوعي الإنسان
- 2026-06-06 سمو أمير المنطقة الشرقية يشرف حفل زواج آل مبارك
- 2026-06-06 افراح بوصبيح والشواف بالهفوف في الكرستال
- 2026-06-06 عبدالله بن مدهش ال عويد عريسا في قاعة الهدا بالأحساء
- 2026-06-05 *علم الكلام الحالي*
- 2026-06-05 الشيخ اليوسف ينعى المرجع الديني الكبير الشيخ الفياض
- 2026-06-05 بالصور .. تدشين حملة التبرع بالدم9 بمركز برّ النجاح بالمبرز
- 2026-06-05 الجمعة الجامعة للعلاجات وتصفير شامل للأزمات