
حظي تاريخ منطقة الأحساء بقدر كبير من الاهتمام خلال العقود الأخيرة واستقطب أعداداً متزايدة من الباحثين والدارسين فتمخض عن ذلك الكثير من الإصدارات والدراسات، ومع ذلك قصرت عن بلوغ أهدافها في سد العديد من حلقات تاريخ المنطقة المفقودة، وقصرت عن اشباع نهم المتشوق وإرواء ظمأ المتعطش لمعرفة تاريخ المنطقة بكل أبعاده ونواحيه.
من حلقات تاريخ منطقة الحساء التي تم تجاهلها، تلك الفترة التي أعقبت زوال حكم أسرة آل جبر العقيلية حيث توقف عندها العديد من من المؤرخين مثل ابن لعبون والفاخري موقف الحائر، جعلتهما يتجاوزان هذه المرحلة لينتهيا إلى القول بأن حكم آل جبر كان هو السائد في شرق الجزيرة العربية حتى مجيء الأتراك ليقفزوا على فترة زمنية ممتدة من (931هـ حتى 960هـ) وهي الفترة التي تعرف في المدونات التاريخية بـ ( إمارة آل شبيب ) وآل شبيب هو بيت الرياسة في الاتحاد القبلي الشهير المنتفق وعاصمته البصرة ، وهي فترة يلفها الغموض ويرجع سبب ذلك حسب اعتقادي إلى عزل تاريخ هذه الفترة عن السياق العام للتطورات الإقليمية التي زخر لها القرن العاشر الهجري والسبب الآخر هو عدم الإلمام ولو بإيجاز بتاريخ إمارة المنتفق وظهورها على مسرح الأحداث ، كذلك من المهم جداً فتح ملف المستعمر البرتغالي الذي اتخذ من منطقة هرمز في بلاد فارس محطة تواصل مع أمراء ومشايخ الخليج كان من بينهم حاكم البصرة محمد بن مغامس حيث اتسمت تلك المراسلات بمشاعر ديبلوماسية حارة مع الاستعداد لإقامة صلات الصداقة الوثيقة .
على كل حال ما يهمنا في هذا الموضوع هو توجيه الأنظار نحو إمارة آل شبيب حكام البصرة وشيوخ المنتفق الذين امتد سلطانهم حتى السيطرة على منطقتي الأحساء والقطيف .
لم يكن آل شبيب بمعزل عما يجري من أحداث في الأحساء حيث استطاع مقرن بن زامل الجبري الإطاحة بخاله وابن عم أبيه السلطان صالح بن سيف الذي لجأ إلى البصرة طالبا المساعدة ، فخاض السلطان المعزول ضد السلطان الجديد مقرن بن زامل معارك ، وذلك بعد الإيعاز إلى أقوى قبيلتين في شرق الجزيرة العربية بنولام وبنوخالد حلفاء آل شبيب بتقديم المساعدة إلى السلطان المخلوع ، ولم يقف آل شبيب عند هذا الحد بل قاموا بمحاولة التقرب من البرتغاليين حيث نجد الشيخ محمد بن مغامس حاكم البصرة يبعث برسالة إلى حاكم الهند البرتغالية دي سكويرا (925هـ) تتضمن استعداده لدفع مبلغ(1200" لك") إذا ما ساندوه في الاستيلاء على جزيرة البحرين والقطيف وسوف يعترف بتبعيتهما لملك البرتغال ، ويبدو أنها طريقة للرد على ما كان يقوم به مقرن بن زامل من محاولات انتقامية للإضرار بتجارة البصرة البرية والبحرية ، ومن دون شك مساعدته على احتلال البحرين والقطيف يعني سيطرته على موارد طريق الحج الأحسائي وسيجعل إمارة البصرة من أكبر القوى ثراءاً في المنطقة وكذلك لقطع الطريق أمام رغبة الهرمزيين في السيطرة على البحرين وتكالبهم في السيطرة عليها لكن الرد البرتغالي جاء بغزو جزيرة البحرين والسيطرة على ميناء القطيف بقوة عسكرية هرمزية برتغالية مشتركة بعد معركة بحرية حامية الوطيس قُتل فيها سلطان الأحساء مقرن بن زامل ، وكان لتلك المعركة أثارعميقة على إمارة الجبور، فبعد مقتل سلطانها وانتزاع أغنى ممتلكاتها تزعزت أوضاع الأمارة ، وجعل شيوخها عاجزين عن انتشال البلاد من أزمتها ، مما أفقد إمارتهم مكانتها البارزة ، وكان طبيعيا أن تبرز الخلافات والانقسامات داخل البيت الحاكم ، وأن يرى بعض قادتهم البارزين أن لا سبيل لدفع ما هم عليه سوى الاستعانة بجيرانهم آل شبيب حكام البصرة الأقوياء .
وجد آل شبيب الفرصة جداً مناسبة للتدخل في شؤون الأحساء (930هـ) حيث انشغل الصفويون بشؤونهم الداخلية بعد أن توفي الشاة إسماعيل وانشغل البرتغاليون بوصول الصدر الأعظم إبراهيم باشا إلى مصر (931هـ) على رأس قوة عثمانية ، الأمر الذي جعل البرتغاليون يتوجسون من احتمال ابحارها نحو بحر العرب واستهدافهم.
أما على مستوى منطقة الأحساء فقد ضمن وزير آل شبيب أحمد بن عميرة الخالدي مرورا آمناً ومسالمة الخوالد دون التعرض لهم .
حزم آل شبيب أمرهم وسيروا قوة عسكرية إلى الأحساء يقودها الشيخ راشد شقيق حاكم البصرة محمد بن مغامس سنة (931هـ) .
كراهية زعماء الجبور لحاكمهم ولهفتهم إلى رؤيته وقد أطيح به حجبت عنهم تصور ما سيحدث لبلادهم لاحقاً .
وصل راشد بن مغامس الأحساء دون أن يدخل القطيف حيث كانت تحت سيطرة الهرمزيين ، وعبر المؤرخ الجزيري في كتابه درر الفرائد عن ذلك حينما عدد سلاطين آل جبر ذكر بأن آخرهم غضيب بن زامل بن هلال الجبري وأنه حكم سبعة أشهر فقط ثم قال "فأخذها منه بالحرب الشيخ راشد بن مغامس".
بذل راشد بن مغامس نشاطاً كبيرا في إقرار الأمن والنظام في منطقة الأحساء وترويج تجارتها وإنعاش اقتصادها ، فأخذت القوافل التجارية البرية تتردد ما بين البصرة والأحساء والبحرين، كما أن قافلة الحج الأحسائي قد استأنفت سيرها والتي ينضم إليها عادة سكان سواحل الخليج العربي ، إضافة إلى سكان جنوبي إيران وقد أورد المؤرخ الجزيري ذكراً لإحدى تلك القوافل التي انطلقت من الأحساء وضمت في صفوفها خمسة آلاف حاج يقودهم حاكم الأحساء الجديد الشيخ راشد بنفسه ، اما الجبور لم يستطيعوا صبرا على البقاء في منطقة الأحساء فقد شعروا بمرارة الخطأ الفادح الذي ارتكبوه عندما انساقوا وراء عواطفهم الغاضبة ، لذا فضّل قسم منهم النزوح إلى عُمان
حيث نجد ثقلا سياساً كبيرا فيها عقب تلك الفترة ، في حين انضوى قسم منهم تحت كنف الهرمزيين في القطيف يؤازرونهم ويدعمونهم ، بل تسلموا مقاليد السلطة لفترة من الوقت حتى يتمكنوا من الوقوف في وجه أطماع قبيلة بني خالد المنتشرين في تلك الفترة في منطقة بيشة ( الدمام حاليا) والنازحين حديثا من منطقة نجد.
دامت إقامة الشيخ راشد بن مغامس في الأحساء قرابة ثلاث سنوات من دون أن يرجع إلى البصرة ، مسألةً يمكن ان تعلل وتفسر على أنها ناتجة عن خلافات كبيرة نشبت مع أخيه الأكبر محمد من أسبابها رغبته في جعل ولاية العهد في ابنه عثمان حتى تكون البصرة حكراً على أولاده وتكون الأحساء ملكا لراشد وأولاده من بعده ، وهذا ما جعل راشد يستاء بشدة مما دفعه إلى الاعتزال في الأحساء مغاضباً لأخيه.
في مطلع ( سنة 935هـ) وصل وفدٌ من البصرة يضمُ كلا من عميد عشيرة المنتفق الشيخ مهنا بن صقر آل شبيب ويحيى بن محمد بن مغامس ابن حاكم البصرة وقاضي البصرة محمد بن عبدالعزيز الشهير بلقب زقزاق والذي سبق وأن تولى القضاء في الأحساء في عهد إمارة الجبور ، وغرضهم رأب الصدع وتسوية الخلاف والقطيعة بين الحاكمين خاصة وأن محمد حاكم البصرة قد شاخ وتدهورت صحته وأضحى عاجزا عن تسيير شؤون البلاد ، وليس هناك من يملك مؤهلاته في الوقت الحاضر.
انطلق الشيخ راشد برفقة الوفد صوب الحجاز لأداء فريضة الحج ومن الحجاز إلى البصرة حيث بويع هناك أميرا على البصرة بعد وفاة أخيه ، وبهذا تكون قد انتهت فترة حكم الشيخ راشد المباشرة في الأحساء والغنية بالتجربة والإنجازات تاركاً مقاليد السلطة بيد ولده الشيخ مانع ، وتتوحد البصرة والأحساء في إمارة واحدة وتكون تلك الإمارة قد دخلت طوراً آخر من حياتها وتؤشر لدور سياسي هام سوف تلعبه في المنطقة.
تزكية أهل الحل والعقد في البصرة للشيخ راشد ليكون حاكما على إمارة الأحساء والبصرة لما يملكه من صفات قيادية متميزة حيث أشاد البرتغالي " تينريو" مبعوث "دي مندوزا" قبطان مملكة هرمز برجاحة عقل الشيخ راشد وقوة شخصيته وسعة اطلاعه وبالاحترام الذي كان يحظى به بين زعماء القبائل ، لكن مع ذلك كان هناك توجس برتغالي هرمزي من الشيخ راشد وذلك للصلات التي تربط البحرين والقطيف والأحساء ، حيث عبر حاكم البحرين الهرمزي بدر الدين بن محمد شاه الفالي عن مخاوفه من السلطان راشد ، أما قبطان مملكة هرمز "دي ميندوزا" فقد وصفه في رسالة إلى ملك البرتغال ( ... ذو معرفة واسعة ودهاء وقد تمكن بدهائه من الاستيلاء على كل البلاد التي بحوزته ، وأخشى أن تمتد يده إلى أراضي ملك هرمز المحاذية لأراضيه ... )
بعد أن تعرف الشيخ راشد على أهمية المنطقة الاقتصادية ، قرر الاستفادة من خبرة أهل الأحساء بأمور البحر والعمل على بناء قوة عسكرية بحرية واستخدام الحرفيين الترك في ميدان النجارة وسلاح المدفعية والبنادق للسيطرة على جزيرة البحرين والقطيف ، وهذا العمل أكد مخاوف التحالف الهرمزي البرتغالي مما يضمره من نوايا وأهداف .
لم يتعجل الشيخ راشد الهجوم على القطيف وفضّل التريث واستنزاف الهرامزة من خلال تحريض آل صبيح الخوالد بشن هجمات متكررة على القطيف ، ومن الجدير بالذكر أن الذي يتولى امر الدفاع عن مصالح الهرامزة هم الجبور أنفسهم بقيادة فضيل الزامل الجبري ، وهذا يدل على استمرار الجبور كقوة نشطة تمارس دورا سياسياً وعسكرياً مؤثراً في المنطقة بعد أن أزاحهم ابن مغامس عن الأحساء ليتحالفوا مع عدوهم السابق الهرامزة .
شُغِل الشيخ راشد عن أمر القطيف لبضع سنين وذلك لان حلفاء الأمس بنوخالد وبنولام توترت العلاقة معهما لأسباب نجهلها لكن على الأرجح عدم استلامهما مستحقات مالية نظير خدماتهما في استنزاف الهرامزة في القطيف أو خروجهما عن الطاعة ونهبهم القوافل التجارية المتجهة صوب الأحساء مع العلم أن القوة العسكرية التي رافقت الشيخ راشد ومكنته من الاستيلاء على الأحساء هم مقاتلين معظمهم من القبائل الطائية
( بنولام ، غزية ، الفضول ) لكن هناك بنولام النجديين الذي نزحوا حديثا من نجد مع الخوالد هروبا من القحط الذي ضرب المنطقة وأناخوا رحالهم في بادية القطيف وتحالفهم مع الخوالد أمر منطقي فكلا القبيلتين يجمعهما الانتماء المناطقي والقبلي وبينهما تداخل قديم ، فقبيلة بنوخالد في زمن اشتداد شوكة بني لام في نجد في القرن الثامن الهجري واتساع نفوذهم كانوا تحت سيطرتهم ومعدودين على أنهم من بني لام فكلا القبيلتين يرتفعا نسبا إلى طيء القبيلة الأم .
ارتفعت مكانة الشيخ راشد في المنطقة بعد دخول الجيش العثماني بغداد وطرد الصفويين منها ، حيث اعترف الشيخ راشد بتبعيته لهم مقابل اعترافهم به كحاكم على البصرة والأحساء ، وأعطاه العزم كي يباشر العمل على ضم القطيف على اعتبار أنه الأن مدعوم من أقوى حكام الأرض آلا وهو سليمان القانوني.
زحف الشيخ راشد من البصرة باتجاه القطيف آواخر سنة ( 945هـ ) يقود جيشاً كبيراً فوجد ترحيبا كبيراً من أهالي القطيف ففُتحت له الأبواب ودخلها دون أدنى مقاومة ، وهذا يعكس دون شك مدى الكراهية التي يكنها الأهالي اتجاه الهرامزة الفرس وخاصة أن معظم سكان القطيف فلاحين كانوا يعانون من آل صبيح الخوالد وهجماتهم المتكررة على مزارعهم ، الأمر الذي حملهم على أن ينظروا إلى الشيخ راشد على أنه المنقذ المؤهل للقضاء على أسباب انزعاجهم وتبرمهم ، خصوصا وأنه الآن في عداء مع الخوالد أما بنولام فقد نزحوا إلى بادية البصرة بدعوة من عشيرة المنتفق ، ويجدر بالتنبيه إلى أن الجبور الذين سهلوا للشيخ راشد أمر الاستيلاء على الأحساء سنة (931هـ) قاموا الآن بنفس العمل اتجاه القطيف ، حيث سهلوا له أمر الاستيلاء عليها .
استحق الشيخ راشد بن مغامس لقب سلطان المشرق وهو اللقب الذي اعتاد المؤرخ الجزيري أن يطلقه عليه في كتابه ( الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة) .
الانتصار السهل الذي أحرزه الشيخ راشد في القطيف جعله أكثر ثقة واندفاعا لتحقيق كامل طموحاته وأمنياته وهو احتلال جزيرة البحرين دانة الخليج العربي وإعادتها إلى أحضان أمها التي حملت دائما اسمها التاريخي بلاد البحرين عبر العصور، وطرد حاكمها الهرمزي الفارسي ، لكن لم يعش الشيخ راشد ليرى ذلك فقد تفجر صراع دامٍ ومفاجئ بينه وبين بني خالد أثناء حصار البحرين من دون معرفة أسباب ذلك ، فكان نتيجته تبدد جهود السلطان راشد وانهاك قواه ، اضطر إلى طي راياته والعودة جريح النفس صوب البصرة ولعله كان يحس بدنو اجله تاركاً أوضاع الأحساء والقطيف بيده ابنه مانع.
مانع سلطان الأحساء والقطيف
توفي الشيخ راشد بعد مغادرته القطيف سنة ( 946هـ) مع أن الفاخري ينقل لنا أن راشد قتل على يد الخوالد سنة (1081هـ) لكن لا نستطيع أن نقبل تلك الرواية فليس للمنتفق وجود أصلاً في تلك الفترة الزمنية إلا أن تكون الرواية صحيحة والخطأ فقط في التاريخ!!
على أي حال ، ترك السلطان راشد بن مغامس بوفاته إمارة كبيرة من تخوم شواطئ الفرات شمالاً حتى الحدود الجنوبية للأحساء .
هرع مانع بن راشد حاكم الأحساء والقطيف بعد وفاة والده للمطالبة بحق الخلافة خاصة وأنه يملك السند الشرعي الذي يؤهله لخلافة أبيه ، منحه إياه السلطان سليمان القانوني حينما اعترف بسلطة والده على البصرة ولأبنائه من بعده .
جمّد الشيخ مانع خلافاته مع الهرمزيين في البحرين وأوقف الصراع مع الخوالد ، لكن خلافة والده حُسِمت لصالح ابن عمه عثمان بن محمد لقناعة ذوي الشأن ف البصرة بتقسيم الإمارة بين أبناء محمد وأبناء أخيه راشد .
رجع مانع إلى الأحساء غاضباً حانقاً ، فقد سلبت منه مركز التجارة في المنطقة .
شُغِل الشيخ مانع في هذا الظرف بدعم وضعه المالي بعد أن أدرك بأنه لن يتمكن من تحقيق طموحاته إلا بالاعتماد على الإمكانات المتاحة في الأحساء والقطيف ، مما يقتضي ترتيبات جديدة في تحصل الضرائب أكثر دقة وأكثر صرامة وحشد الطاقات العسكرية المتاحة وبناء قوة عسكرية بحرية جديدة محاولاً استغلال دراية أهلها الواسعة بأمور البحر وامتلاكهم لأعداد كبيرة من السفن يعمل عليها حشد كبير من البشر في فصول الصيف خاصة حيث موسم اللؤلؤ وصيد الأسماك والنقل التجاري بين موانئ الخليج ، وبما أن العاملين في البحر شأنهم شأن أهل البادية ، إن ضامهم ضيم نزحوا وظعنوا عن ديارهم إلى حيث يجدون سبل العيش والأمان ، الإجراءات الجديدة من قبل الشيخ مانع خلقت استياءا واسعاً لدى قطاع هام من السكان والقوى التجارية في المنطقة من أصحاب الأملاك والمراكب وتجارة اللؤلؤ ، ما لبثوا أن حملوا أمتعتهم وأموالهم وعيالهم وأتباعهم ولجأوا إلى البحرين ومناطق أخرى كقطر التي نزح إليها عشيرة آل مسلّم بقيادة كليب آل مسلم حيث تركوا قريتهم "عزيب" الواقعة في الجهة الجنوبية الشرقية من الأحساء بإيعاز من كبير عشيرة آل مسلم في قطر الشيخ محمد بن سلمان .
كان آل مسلّم الخوالد ذي صلة وثيقة بالأحساء حيث ممتلكاتهم الواسعة هناك ، كذلك نزحت أسرة آل رحّال ذوي الثروة الكبيرة والجاه العريض والشهرة الواسعة في تجارة اللؤلؤ على رأسهم عميديها محمد بن رحّال وحسين بن رحّال .
تلقى حاكم البحرين الهرمزي محمود الفالي تلك الهدية بالبهجة والسرور، إدراكاً منه بأنها سوف تؤدي إلى خسارة كبيرة لخصمه وسيؤدي إلى انتعاش الاقتصاد البحريني .
أصيب الشيخ مانع بالإحباط فعدل عن فكرة احتلال البحرين وبدأ بالتخطيط للسيطرة على البصرة وتوحيد إمارة آل مغامس ، لكن ضربة استباقية قام بها حاكم البحرين جمدت المخطط أيضا ، حيث هوجمت السفن الراسية في ميناء القطيف وأحرِقت 150 سفينة فثارت ثائرة الشيخ مانع وأمر بالاستيلاء فورا على السفن البحرينية الراسية في موانئ البصرة ، تلك التدابير أثارت سخط تجار البصرة وأعيانها ، مما جعلهم يقررون قطع صلة البصرة بحاكم الأحساء تماما وعزلها عن أي صانع قرار مقيم بالأحساء وله صلة بحاكمها وتعين حاكم جديد غير خاضع لإملاءات الشيخ مانع وهو ابن عمه الشيخ يحيى بن محمد بن مغامس .
خلقت هذه التطورات أثاراً عميقة من الكراهية والأحقاد بين الأمارتين وداخل قبيلة المنتفق والذي سوف يستمر فترة طويلة .
نكاية بالشيخ مانع بادر حاكم البصرة الجديد الشيخ يحيى إلى ارجاع السفن المصادرة إلى البحرين وكأنها رسالة غير مباشرة أن قواعد اللعبة السياسية تغيرت وأن البصرة باتت صديقة البحرين ضد عدو مشترك .
لم يكن الشيخ مانع في غفلة عن تآمر الأسرة الفالية الهرمزية في البحرين في التخطيط لاحتلال القطيف بعد أن فقدت الأحساء حلفاءها في البصرة بتشجيع من آل مسلّم وآل رحّال رعايا الشيخ راشد السابقين ، لذا سارع الشيخ مانع بمراسلة لويس فلكاوبرا (951هـ) قبطان مملكة هرمز الجديد ، عن رغبته في صداقة ملك البرتغال واستعداده لتسليم القطيف إليه ، بشرط تقديم المساعدة والعون في السيطرة على البصرة ، أصيب البرتغاليون بالارتباك الشديد والحيرة ، لذا فضلوا التريث والمماطلة ، فأرسلوا مبعوثا إلى الأحساء وتكليفه بجمع معلومات عسكرية والتفاهم مع الشيخ مانع أن مساعدتهم مشروطة بتحقيق شرطين ، أولهما : تسليم القطيف قبل الشروع في تقديم أي مساعدة .
وثانيها: أن يتعهد الشيخ مانع بدفع مبالغ مالية محددة في كل عام لخزانة مملكة هرمز، من الواضح أن هذه الشروط الباهظة هي بقصد التملص من الموقف الذي وضعه الشيخ مانع البرتغاليين فيه، لم تزودنا المصدر برد الشيخ مانع لكنها بالتأكيد اتسمت أيضا بالمماطلة والحذر وعدم التعجل ولعل من المفيد إيراد بعض مما انطوت عليه رسالة قبطان هرمز إلى ملك البرتغال (951 هـ):
"... وصلتني قبل أيام رسالة من ملك الأحساء يعبر فيها عن رغبته في صداقة مولاي ويبين بأنه لم يقم بالاستيلاء على القطيف إلا من أجل تسليمها إليه ، ويطلب أن يحظى بالدعم والمساعدة ضد البصرة لأنه كان ملكها الشرعي ، إلا أنها انتزعت منه بالقوة ، فقمتُ بالرد على رسالته والتي حملها إليه مبعوث برتغالي تضمنت الاشتراط عليه بتسليم القطيف قبل كل شيْ لكونها دائماً تابعة لمملكة هرمز ، وإذا ما فعل ذلك عندها سوف ينال مساعدة مولاي ضد ملك البصرة ...ثم إذا تحقق ذلك عليه الالتزام بدفع مبلغ من المال كل عام لخزينة مولاي ، لأن من يدفع لملكنا أكثر سينال صداقته ، خاصة وأن جلالته لا يستفيد أبداً الأن من البصرة"
على كل حال لا يبدو لنا أن الشيخ مانع جاد في التحالف مع البرتغاليين والمسألة لا تعدو من حيلة نفسية لتدمير محاولة ابن عمه حاكم البصرة يحيي بن محمد بن مغامس التودد لحاكم البحرين الهرمزي وتعقيد المشهد السياسي وخطوة ذكية جداً في استفزاز العثمانيين مما يدفعهم إلى الحضور بثقلهم إلى البصرة وهو ما سوف يخلق وضعا جديدا سيكون فيه حاكم البصرة هو الخاسر فيه حين أن القوتين البرتغالية والعثمانية ستودد إليه كبديل لابن عمه الشيخ يحيى .
لم يمض ِعلى اتصالات الشيخ مانع بقبطان هرمز لويس فليكاو سوى فترة قصيرة حتى وصلت معلومات استخباراتية مفزعة مفادها أن هناك استعدادات عثمانية بحرية واسعة تجري في السويس ربما هدفها مياه الخليج العربي ، لم تكن هناك قوة عسكرية برتغالية يعتد بها في هرمز لذا سارع لويس فلكاو بطلب الإمداد والدعم العسكري من مرتين سوزا حاكم الهند البرتغالية ( 952هـ ) والذي استجاب سريعا وأرسل قوة عسكرية يقودها برنالدين سوزا وما أن وصلت تلك القوة إلى شبه جزيرة هرمز حتى أعقبها وصول أخبار مفادها أن القوة العثمانية هدفها اليمن لدعم وجودهم المهتز هناك ، عندها تحرر القادة البرتغاليين من مخاوفهم فوجدوها فرصة ملائمة لاستغلال القوة العسكرية الخاملة واحتلال القطيف دون مساومات مع حاكمها الشيخ راشد خاصة وأن حكام وزراء هرمز هم من سوف يتكفل بتمويل الحملة .
ضمت الحملة التي أعدت لاحتلال القطيف 200 برتغالي و7000 من الفرس والعرب بقيادة الرئيس نور الدين بن شرف الدين الفالي ، رست تلك القوة ليلاً على شواطئ القطيف ( رجب 952هـ ) فواجهتها القوة المرابطة هناك المقدرة بثلاثة ألاف مقاتل بمقاومة شديدة استخدمت فيها كافة الأسلحة وأوقعت في القوة الغازية خسائر فادحة وبعد مرور أربعة أيام اضطرت القوة المدافعة على الانسحاب من المدينة حينما شعروا أن المهاجمين تسللوا إلى داخلها من خلال الثغرات التي أحدثوها في أجزاء من سورها الحصين من بمدفعيتهم الثقيلة ، كان الهجوم مباغتاً وغير متوقع فالاتصالات الأخيرة مع البرتغاليين جعلته يستكين ويطمئن إلى جانبهم ، حشد الشيخ مانع قوة أحسائية كبيرة جدا وسارع يحث الخطى نحو القطيف ، هنا تتوقف المصادر عن تزويدنا بما جرى وما تلى فكل ما نعرفه أن الشيخ مانع توقف عند أطراف القطيف ثم عاد أدراجه ليفارق الحياة بعد فترة قصيرة وبعد أن تم تنصيب حاكم هرمزي في القطيف (952هـ).
العثمانيون يقضون على حكم آل مغامس في الأحساء والقطيف
احتلال القطيف وسقوطها بيد مملكة هرمز وهي قبطانيه برتغالية استثار القيادة العثمانية في بغداد وإسطنبول لأن ما حدث يشكل اقترابا خطيرا من تخوم البصرة البحرية ، أمر سليماني القانوني إياس باشا بدخول البصرة ثم الانطلاق لاحقا إلى هرمز وطرد البرتغاليين ، الأمر الذي أفزع مشايخ الجنوب العراقي وعلى رأسهم الشيخ يحيى بن محمد آل مغامس .
على أي حال شق إياس باشا طريقه صوب البصرة وسط مقاومة عشائرية عنيفة ودامية في بعض مراحلها حتى نجح في دخولها سنة ( 953هـ) وبهذا تنتهي إمارة آل شبيب وقبيلة المنتفق التي دامت عقودا أربعة .
فرح حكام الأحساء بزوال حكم أبناء عمهم في البصرة وما دروا بأن فرحتهم لن تطول وأنهم سيلاقون نفس المصير قريباً.
اتضح للعثمانيين بعد استقرارهم في البصرة أن ما كانوا يحلمون به من إيرادات ضخمة من تجارة البصرة ليس بالأمر السهل واليسير فقد حال دوم ذلك أمران:
الانتفاضات العشائرية بزعامة شيخ المنتفق الجديد محمد بن عثمان بن محمد آل مغامس حيث تسببت تلك الانتفاضات في شلل الحركة التجارية وثانيها قيام البرتغاليون بفرض حصار بحري على تجارة البصرة، لذا من الطبيعي أن يبحث العثمانيون على طرق تؤدي إلى فك الحصار بل وممارسة الضغط على البرتغاليين وطردهم لاحقا من المنطقة.
جرى تواصل مباشر وتفاهمات بين حاكم الأحساء الجديد عبدالله بن مانع والوالي العثماني في البصرة حول سبل التعاون بينهما في احتواء النفوذ البرتغالي وطرد الهرمزيين من القطيف ، وفي سنة ( 957هـ ) وبعد مرور أربع سنوات من دخول العثمانيين البصرة عين قباد باشا والياً على البصرة واتفق مع حاكم الأحساء بأن يتولى محاصرة القطيف بحراً والهجوم عليها براً في حين يقوم العثمانيون بإمداده برماة البنادق وإسناده بقوة بحرية ، وكانت المفاجئة الكبرى حينما استسلم حاكم القطيف الهرمزي دون مقاومة تولى على إثرها قائد القوة البحرية العثمانية مراد بيك مقاليد السلطة في المدينة مباشرةً مما يعني تجاهل لدور حاكم الأحساء واتفاقات شفهية مسبقة بأن ترجع القطيف إلى حكم الأحساء وقد أدرك الشيخ عبدالله بأن هذا أمرٌ دبر بليل فالقوة القبلية في القطيف الجبور وبنوخالد دعمت السلطة العثمانية ، انسحب الشيخ عبدالله على أثر ذلك عائدا نحو الأحساء يجر معه أذيال الخيبة.
أفزعت التطورات الجديدة البرتغاليين وحلفاؤهم الهرمزيين لذا سرعان ما قاموا بحملة عسكرية في صيف (958هـ) نجحوا في انتزاع القطيف من أيدي العثمانيين ، الذين اضطروا للانسحاب منها تاركين المنطقة تواجها مصيرها ، لكن الأمر استحال إلى فوضى لم يستطيعوا الغزاة السيطرة عليها فالقوة القبلية في القطيف يتزعمها قائد من عشيرة آل جبر العقيلية أخذت تقاومهم مع رفض شعبي كامل لتواجدهم ، انتهى أمر هؤلاء الغزاة إلى قرار الانسحاب السريع من القطيف مكتفين بنسف أسوارها وأقسام هامة من قلعتها ، عاد العثمانيون من جديد إلى القطيف بعد أن وجهت لهم دعوة من زعماء المنطقة .
تنبه العثمانيون بعد المهانة العسكرية التي لحقت بهم في القطيف إلى ضرورة إعطاء المنطقة مزيد من الاهتمام ، لذا قاموا بتحويل القطيف إلى لواء ( سنجق ) وأن تكون تابعة لولاية البصرة وتعين محمد بك أخو إياس باشا والياً عليها ، ولمسح العار والفشيلة التي أحاطت برجوعهم إلى القطيف بدعوة من زعمائها تم الإيعاز إلى بيري بيك قائد الأسطول العثماني في مصر بالإبحار نحو القطيف وضرب الأهداف البرتغالية واستعادة هيبة العثمانيين المجروحة .
باشر والي القطيف محمد بك بعد مرور عام من وجوده باتخاذ التدابير والاستعدادات العسكرية للسيطرة على الأحساء سنة (960هـ)، ومع الأسف لا تزودنا المصادر بأي معلومات عن الحملة التي رافقت احتلال الأحساء وعزل حكامها آل مغامس والمصير الذي انتهى إليه الشيخ عبدالله بن مانع بن راشد آل مغامس
المرجح أنه اتجه إلى بلدة معكال ( الرياض حاليا ) حيث ممتلكاتهم هناك حيث كانت معكال نقطة نزول قوافل الحجيج ، مما يدعم ذلك لجوء محمد بن عثمان بن محمد آل مغامس إلى بلدة معكال في سنة (986هـ) بعد فشل محاولة استعادة حكم الأحساء بمساندة قبائل طائية (شمر وبني لام) تصدى لها الخوالد بقيادة سعدون بن حميد بمساندة قوة عثمانية ( لواء الشام ) كانت متواجدة في الفترة لقمع تمرد الخوالد ، ومما زاد الوضع سوءا تخلف حلفاء محمد بن عثمان شمر وبني لام عن المشاركة في المعارك بل ونهبوا معسكره ، حيث تذكر المصادر أن بلدة معكال كانت تحت حكم آل شبيب سنة ( 986هـ) .
وعلى أي حال فإن صفحات تاريخ آل مغامس في الأحساء قد طويت بزوال إمارتهم وحلول الأتراك محلهم وليصبح محمد باشا أول ولاتها إلى أن توفي سنة (963هـ).
خاتمة
هذه الفترة التاريخية الممتدة من سنة (931هـ إلى 963هـ ) في تاريخ شرق الجزيرة العربية اتسمت بالغموض وشح كبير في المعلومات لذا فضَل كثير من الباحثين في التاريخ تجاوزها وجعل الفترة العثمانية تمر مباشرة بعد إمارة آل جبر العقيلية ، وفي موضوعنا هذا ما هو إلا محاولة لإبراز هذه الحقبة وإحلالها في المكان المناسب ضمن صفحات مطوية ومنسية من تاريخ المنطقة.