2025/04/24 | 0 | 776
قراءتي في كتاب ( سحابة الفضيلة ) للاستاذ سلمان الحجي
واصلتَ من بعد أن كانت نفورا
فحبيب قلب معناها سرورا
لم تخفْ من كاشح حيثُ لها من جنود الحسن ما يحمي الثغورا .
من قصيدة الشيخ حسن عبدالمحسن الجزيري رحمه الله
حين تكتب عن شخصية عظيمة
اشتهر عنها بكلمة ( آخر) ونقصد بآخر المراجع يعني محطة مفصلية تاريخية، ليس هناك اعظم من مرجع يرجعوا له الناس المكلفون في احكامهم الشرعية وعباداتهم ومعاملاتهم اليومية ينشدون فيها رضا الله عز وجل.
الكتابة عن مرجع قبل أكثر من ثمانية عقود لا بد من قراءة المكان ومعرفة ظروف الزمان وطبيعة المعيشة في حينها ومستوى التعليم، بل ينبغي دراسة ومعرفة أحوال العالم الخارجي في فترة من اشد الفترات حرجا على العالم وهي الحربين العالمية الأولى(١٩١٤-١٩١٨)والثانية(١٩٣٩-١٩٤٥) والكساد الكبير ١٩٢٩ ومرض الانلفونزا، فترة مرت على البيئة الجغرافية المحلية ومنها الاحساء سنة الرحمة الأولى ١٣٣٧ والثانية ١٣٦٢هحري.
فترة زمنية بظروفها الاجتماعية والاقتصادية الصعبة يفتقر أهلها لأهم عنصر من علامات التطور وهو التعليم النظامي وتفشي الأمية، وما يهم المجتمع هي لقمة العيش والبحث عن مصدر رزق يسد رمق الجائع.
الكتابة عن عالم مرجع تعني الكتابة عن الخريطة العلمية وشبكة العلاقات العلمائية الحوزوية والوجهاء الفاعلين في المجتمع الذين هم بمثابة قيادة اجتماعية تعزز السلم الاجتماعي وتسعى لزيادة الوعي وترسخ اللحمة الاجتماعية بين شرائح اجتماعية في معظمها لا تتقن القراءة والكتابة تتطلب مهارات اجتماعية صعبة بسبب طبيعة البيئة المجتمعية المفتقرة للتعليم العام التي يعيش أفرادها أولويات ومتطلبات الحد الأدنى من الأكل والشرب والسكن.
الكتابة عن مرجع هو محور المجتمع تتهافت عليه الأفراد والجماعات من القرى والمدن يحتاجون معرفة حكم وحل معضلة أسرية أو مشكلة اجتماعية أو رفع حاجة اقتصادية هذا ما وجدته في كتاب الاخ العزيز الكاتب والمؤرخ للثقافة الاجتماعية الشفهية والكتابية سلمان بن حسين الحجي الجديد بعنوان ( سحابة الفضيلة- رشحات من سيرة المرجع الديني الشيخ حبيب بن قرين البصري الاحسائي - عدد صفحاته ٤٠٢ طباعة ٢٠٢٥ )لشخصية دينية وعلمية واجتماعية آخر مراجع الاحساء العالم المرجع حبيب بن قرين أعلى الله مقامه.
عنوان الكتاب جذاب سحابة تمطر بالغيث المفيد وهو العلم الديني والتثقيف الاجتماعي، فأخلاق الشيخ حبيب بن قرين السامية وحسن تعامله ونكران ذاته وغض الطرف عن أي همز ولمز جعله صاحب رسالة دينية واجتماعية عليا، فشخصيته ترجمت تلاوته للقرآن وجسد معاني الدعاء والمناجاة والعبادة السلوكية حتى قال فيه عالم كبير شهادة تستحق التوقف والتأمل وهو الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمه الله "تقدم يا شيخ فلو قدموا حظهم قدموك".
قراءتي للكتاب ليس لتدوين محتويات وعناوين فصوله وملاحقه لكن قراءة شاملة بملخص ما لاحظته وما يهمني في الكتاب، يكفي أنه كتاب عن آخر المراجع المقلدين في الاحساء والبصرة والكويت ومضت على وفاته تقريبا ٨٣ سنة.
الشيخ حبيب بن قرين ولد في منطقة بالرغم من اهميتها التاريخية والجغرافية لكن ليست في موقع المركزية العلمية الحوزوية مثل النجف الاشرف وكربلاء المقدسة بل انتقلت أسرته إلى البصرة طلبا للرزق وانتقل الشيخ حبيب إلى النجف طلبا للعلم فيها دلالة وعي في ظروف معيشية صعبة تفرض على الأفراد والعوائل طلب تحقيق أولويات الحياة.
توثيق شخصية دينية علمية مرجعية هو تدوين حقبة زمنية بما تتضمنها من ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية.
المرجع الشيخ حبيب بن قرين بانتقال أسرته إلى مدينة البصرة قريبة من التعليم الديني المركزي تحول في حياة الأسرة سواء أكانت الهجرة قسرية بسبب المعيشة أو اختيارية، فالانتقال بحد ذاته بحث عن الأفضل خصوصا بالعلم.
شيخ حبيب بن قرين بعد دراسته ومنحه إجازة الاجتهاد من علماء أجلاء، كان في وسط علمي حوزوي الأشهر برز فيه مراجع كثر حتى توزع التقليد بين عدة مراجع، فتقليد الشيخ حبيب بن قرين قريب من المركز العلمي الحوزوي هو دليل قوته العلمية وبروز اجتهاده في واقع حوزوي وعلمي يزخر بالمراجع من العراق وإيران.
الشيخ المرجع لم يعش في زمن به فراغ مرجعية حتى في الاحساء والبحرين والقطيف بل بقيت مستمرة بين عدة مراجع محليين وفي المركز النجف الأشرف لكن الحاجة لمرجع بمواصفاته اقتضت أن يرجع إلى مسقط رأسه الاحساء بطلب من الوجهاء والأهالي لرغبة المجتمع له بسبب تميزه العلمي بعد مرجعية سيد ناصر السلمان رحمه الله.
عاد الشيخ حبيب بن قرين إلى الاحساء بمقدمات سمو شخصيته ورفعة شأنه، اشتهرت عنه مثل الصلح الذي قام به الميرزا محسن الفضلي بين الشيخ حبيب بن قرين الذي آثر الصمت والصبر والسيد مهدي القزويني بل لا نقول صلحا وأنما تصحيح فكرة مغلوطة، ليقول السيد مهدي بعدها في مسجد السيد ناصر عبدالصمد بالبصرة " لو كان الأئمة المعصومين ثلاثة عشر لقلتُ : الشيخ آل قرين هو الثالث عشر "، هذه المقولة تشكل شهادة أخلاقية وعلمية من عالم كبير وتصور حقيقة شخصية شيخ حبيب بن قرين وتثقل كاهل المجتمع بتقدير هذا العالم الجليل المتحدث بأخلاقه والساعي بين الناس بسلوكه الراقي المجسد للنصوص الدينية في حسن المعاملة والتحدث بغير اللسان وإنما بسمو الأخلاق السلوكية.
عظمة المرجع برزت حين عاش في وسط اجتماعي يسأل عن كل صغيرة وكبيرة سواء في الاحكام الشرعية أو في شئونه الشخصية والعائلية، معظم أفراد المجتمع اميين بل القراءة نادرة وبيئة بها المشاكل الأسرية والاجتماعية عديدة بحيث يستهلك العالم في أمور ثانوية من الخلافات بين الزوجين إلى مشاكل الأرث والنزاعات بين العوائل التي تتطلب جهدا ووقتا، والتنقل الدائم بين المدن والقرى على دابة واستقبال المختلفين والمتخاصمين في حسينية الجعفرية بالرفعة الشمالية بالهفوف، علم الشيخ سطع ليس بالفتوى فقط بل في القيادة الاجتماعية ومهاراته في التعامل وفي سلوكه مع محيطه الاجتماعي الذي يتطلب فنون اتصال ومهارات تعامل متنوعة، حتى وصل بأحد أفراد المجتمع أن يخطأ عليه بالشتم أو البصق عليه، ويرد عليه الشيخ حبيب بما هو اجمل ويتصرف بما يمتص غضب المقابل، هذا هو الشيخ بن قرين في حلمه وورعه وصبره على قضايا المجتمع المتكررة وخلافاتهم التي لا تنتهي سار على درب الأئمة الأطهار عليهم السلام.
طبيعة المجتمع التي تتفشى فيه الأمية وتنخفض فيه مستوى المعيشة تزداد لديه الأزمات الأسرية والاجتماعية.
محطات الشيخ حبيب بن قرين بمرجعيته في الكويت وكذلك سفره إلى البحرين لأداء بعض المسئوليات والمهام بتكليف من المرجعية بالنجف اكسبته تجارب وخبرات رفعت من شانه العلمي والاجتماعي وزادت من مهاراته وتجاربه واكسبته صفات شخصية سامية خولته أن يتعامل مع كل النفسيات والطبقات الاجتماعية حتى عودته إلى مسقط رأسه الاحساء، تحمل اعباء كثيرة ليس مقتصرة على الحكم الشرعي للمكلف بل بتوعية المجتمع كاملا والتدخل في جميع شئونه، هذا هي المسئولية الكبرى التي تتطلب خصائص نفسية وشخصية ومهارات في التعامل مع عدة انواع من الشخصيات وفئات مختلفة من المجتمع، المرجع الشيخ حبيب بن قرين يوميا يمر باختبارات في الحلم والصبر والتكيف يعني اختبارات للحصيلة العلمية المتراكمة المكتسبة التي تتجاوز استنباط الحكم الشرعي وهي علاج النفوس والشخصيات مثل قضية التركات والشراكات لبعض الأسر تصل إلى الملك عبدالعزيز آل سعود وتحول إلى الأمير سعود بن جلوي بدوره يحولها إلى الشيخ حبيب بن قرين، بدون شك قضية كبيرة وحلها يتطلب ليس فرض الحكم الشرعي بالقوة لكن بأسلوب يقبله المتنازعون بصدر رحب.
ليس سهلا على الشيخ حبيب أن يتدخل في موضوع شرعي واجتماعي حكم فيه مجتهد قبله لكن مهارة التعامل وكيفية معالجة المشكلة وقبول حكم من رفض حكم سابق، هذه مهارة راقية في كيفية معالجة النفوس الامارة بالسوء كما حدث مع بعض المتخاصمين عند الشيخ معتوق السليم وذهابهم للشيخ حبيب الذي رفض تبديل ما حكم به الشيخ معتوق لمنزلته العلمية واثنى أمامهم على الشيخ معتوق السليم العلي.
حين يشعر العالم المجتهد بالمبدأ الديني ويمارس القيمة الاخلاقية كسلوك تجذب المتلقي كما فعل بتواضعه المرجع الشيخ حبيب يعلّم المكلفين بأبسط احكام الوضوء والصلاة والتيمم وقراءة السور يفترض أن يقوم بها طالب المقدمات والسطوح ولا يقدّرون من يعلمهم حتى قال لهم "أنتم لن تستفيدوا من تواجدي بينكم أنا كبير السن فقد يزعجكم تواجدي ".
وفي موقف يدل على تواضعه سأله أحدهم سؤال يتعلق بواقعة كربلاء وطلب من السائل أن يحول السؤال لمن يعتلي المنبر الحسيني ومعروف بينهم أنه ملا وخطيب هو الشيخ كاظم ملا محمد صالح المطر إضافة لتواضع الشيخ حبيب، ربما أراد من إحالة السؤال إلى الخطيب استدامة اتصالهم بخطيب المنبر الحسيني والتأكيد لهم أنه فاعل اتصالي من خلال المنبر الحسيني وخادم المجتمع يستحق الشكر بتعزيز وجوده الاجتماعي ومن أوجه احترامه توجيه السؤال له.
وثبّت الشيخ بن قرين علمه المرجعي بالفعل الكتابي ببعض الكتب والرسائل العلمية مثل كتابه (زاد المعاد ليوم المعاد ) الذي تضمن مختصر عن العقائد ورسالة عملية للأحكام الشرعية في ٤٧٩ صفحة انتهى من تأليفه عام ١٣٤٦ هجري، ورسالة مختصرة في أحكام الحج ٨٣ صفحة، وكتيب (منارة رد الشبهات على اختصاص تقليد الأحياء دون الأموات) ٥٤ صفحة، ورسالة الرد على البهائية ١٥ صفحة بخط اليد، وكتاب رسالة في وحدة الناطق حققها الشيخ عبدالمنعم العمران وعدد صفحاته ٢٦٨، وكشكول خادم شريعة الثقلين المحتوي على بعض الآيات والمعلومات العلمية والأدبية والتاريخية.
الفعل الكتابي هو خلاصة العلم والمعرفة التي تكمل حامل الثقافة وهي حلقة الوصل بين المؤلف والمتلقي التي تعبر عن بقاء الاتصال المعرفي بين الفاعل الديني والثقافي مع الباحثين والقراء الذين من خلالها يحكمون على مستواه العلمي.
الآثار العلمية المكتوبة هو حق المتلقي والباحث الذي يريد الاستزادة المعرفية من منتج المعرفة بعد رحيله عن الدنيا فبواسطة الكتب والآثار الكتابية تبقى علاقة الاتصال بالمؤلف وبعلمه وإنتاجه الفكري ليحكم عليه في المسيرة التاريخية العلمية، هذا ما أكده المرجع الشيخ حبيب بن قرين بمؤلفاته ابقى المتخصص والباحث على حلقة اتصال بمستواه العلمي الحوزوي وبظروف واقعه العلمي وبقضايا عصره في العلوم الحوزوية.
الكتابة أو ما يطلق عليها بعض الأدباء غواية الكتابة هي خلاصة رسالة معارفه وعلومه ودعوة شخصية من المرجع بن قرين للمجتمع بأني تركت ما يبقيني حيا بعلمي وتقييم إنتاجي المعرفي وتوثيق علمه بشهادة ما كتبه بعد تحصيله ودراسته الحوزوية ومرجعيته.
الكتب شهادة علنية موثقة لخريج الحوزة التي لا تمنح شهادة رسمية بل منتج علمي ومعرفي مكتوب، كتب الشيخ حبيب وأن كانت تخصصية لكن كانت معبرة عن واقع متطلبات وابتلاءات زمنه فأراد تدوين ما اعتبره واجبا دينيا ومسئولية اجتماعية بتأليف ما يستطيع فعله بيده أو من يستعين بهم في الكتابة في زمن ندرة من يكتب وصعوبة ظروف الكتابة ماليا وماديا.
من يريد أن تبقى رسالته المعرفية ومداده العلمي ان يستمر يشرع في الكتابة والتأليف مثل شيخنا المرجع حبيب بن قرين رحمه الله.
جديد الموقع
- 2026-01-06 سمو محافظ حفر الباطن يستقبل مدير فرع وزارة الصحه
- 2026-01-06 النيابة العامة تحذّر من جريمة التحرّش الإلكتروني
- 2026-01-06 1500 أسرة منتجة وحرفي ومؤسسة تقدموا للمشاركة "غرفة القصيم" تعلن إطلاق النسخة 17 من "كليجا بريدة"
- 2026-01-06 سمو أمير المنطقة الشرقية يلتقي أهالي الأحساء ويؤكد عمق العلاقة والشراكة في مسيرة التنمية
- 2026-01-06 *الندوة العالمية: المملكة أنموذج إنساني رائد في رعاية أيتام الحروب وجبر خواطرهم*
- 2026-01-06 الحاج حمد الحمد في ذمة الله تعالى بالهفوف
- 2026-01-06 كيف يُساعد الوعي البصري الدماغ على التركيز والانتباه
- 2026-01-06 الكلية التقنية التطبيقية للبنات بالرياض تدشّن النسخة الثانية من معرض «عمار» لمشاريع العمارة والتصميم
- 2026-01-06 الزميل الحاجي يتماثل للشفاء ويغادر المستشفي ويشكر الطاقم الطبي في بن جلوي بالمبرز
- 2026-01-06 برعاية سمو محافظ الأحساء وكيل المحافظة يكرّم شركاء نجاح مبادرات الغطاء النباتي خلال موسم التشجير الوطني 2025