أقلام وكتابات
2025/05/12 | 0 | 596
طريقة القراءة جسر إلى لياقة الحوار - قراءاتي في كتاب (طريق الحوار) يوسف الحسن
قضايا عديدة مألوفة عند الناس يكتب ويتحدث عنها يوميا لكن حين يسلط عليها الضوء بعناوين ومضامين مختلفة تتجاوز المألوف وتصبح قضية كبرى مثل قضية (القراءة) التي أصبحت أزمة العربي بعد انخفاض مستوى القراءة في الدول العربية لأسباب عديدة لا مجال لذكرها لكن الكاتب الاستاذ يوسف الحسن تبنى هذا المشروع في سبيل تحقيق ١٠٠٠ مقالا سيكتبها، وهذه دلالة واضحة على أهمية القراءة بالنسبة للكاتب يوسف الحسن وهو تحدي، يسعى إلى انجازه مستهدفا الترويج للقراءة والتشجيع عليها، اصدر الكاتب الحسن الجزء الأول من كتابه بعنوان ( لياقة القراءة )، وكتاب آخر بعنوان ( م ق ج ) مستمرا في مشروعه الثقافي المهم. كُتب الكثير على أهمية القراءة عربيا وعالميا، فالقراءة إحدى مؤشرات الرقي في الدول المتقدمة وتشير على جودة الحياة في المجتمعات. افضل وسيلة دعائية وجذب للتشجيع على القراءة من قبل الكاتب أن يكون معروفا أنه قارئا نهما، ينقل للقراء والمثقفين حصيلة قراءته بالكتابة وأن تكون قراءته اضعاف ما يكتب، يقول المؤلف يوسف الحسن "فكنت أحيانًا أقرأ عدة كتب حتى أوفي العنوان حقه؛ فمن ذلك مثلًا أني قرأت 400 صفحة من أجل كتابة 400 كلمة". الكتابة هي مولود القراءة التي تبين حصيلة وثقافة الكاتب القارئ، بدورها هذه الحصيلة الكتابية تتحول إلى معين وغذاء ثقافي للقارئ المتلقي يعني حلقات اتصال وتواصل إلى الأمام ومنتج معرفي متراكم يثبت به الكاتب شخصيته الثقافية بالكتابة، يمكن أن نجعل القراءة هواية وشغف بين أفراد المجتمع إذا تجاوزنا محطة أن تكون القراءة نشاطا فرديا فقط، يكتب الاستاذ الحسن عن القراءة "تتجاوز القراءة كونها نشاطًا فرديًّا حين يتناغم القارئ مع قرّاء آخرين في جانب آخر ربما من الكرة الأرضية وهم يقرؤون الكتاب نفسه". القراءة رسالة القارئ للمؤلف، يحمل مسئولية النصوص المكتوبة حين يكتبها الكاتب ويتركها بين يدي القارئ ليتفاعل معها بالتقييم والنقد والتغذية المرتدة ويستفيد منها أو يولد منها افكارا جديدة تفيده، فالنصوص المكتوبة بمثابة وثيقة معاهدة بين الكاتب والقارئ يعود لها القارئ بين فترة وأخرى للتحليل والتفسير تنضجه وتعزز ذاته أو باعتبارها نصوصا مكتوبة منفصلة عن المؤلف كما كتب رولان بارت في مقاله المشهور مضمونه "موت المؤلف" حين القراءة والنقد والتأويل.
الكتاب خزينة معرفية يفتحها الشخص بالقراءة فيتزود ويتغذى القارئ بالكلمات والمعاني، ورحم يلد كاتبا ومفكرا وعالما وشاعرا يحملون رسائل إعادة إنتاج المعرفة ويقدمون الإبداع. لن أدخل في فلسفة وفوائد القراءة بالتفصيل فهي بديهية، والكاتب يوسف الحسن اشبع الموضوع بما يكتبه في مشروع الألف مقال بدأها بكتابه الأول (لياقة القراءة- مائة مقال) مع كتاب ومهتمين كثر سبقوه في الكتابة عن أهمية القراءة لكن باختصار تعتبر القراءة نشاطا ذاتيا للقارئ تشعره بنفسه وأن ما يحمله من معلومات وثقافة يعتبرها كنزا يتفاخر بها مع ذاته وتكسبه صداقة متينة مع الكتاب كما يقول المتنبي: وخير جليس في الزمان كتاب. يكفي من فوائد القراءة أنها تثبت وجود القارئ ثقافيا، تشعره باعتزاز الذات وتقدمه للمجتمع كصاحب قوة مؤثرة بالمعرفة، يشعر القارئ أنه في قلب الثقافة وأنه يعيش بين الصفحات يتغذى على حروف المعرفة كأنه يعيش وسط العالم بكل لغاته بل ينبغي أن يقول (أنا اقرأ أذن أنا موجود)، حين تكون القراءة اكتشاف العالم واتصال بكل ما يُقرأ عنه من طبيعة وجمال وصناعة. القراءة هي حوار مع الكتاب وحوارا مع الكلمات وحوارا مع الجمل والتأويل التي تجعل القارئ يسبح في أعماق معاني النصوص. القراءة تدفع القارئ محاورة نفسه بما يملك من ثقافة ومن يحاور نفسه بأفكار جديدة يتوق إلى تقييم معارفه وثقافته بالحوار مع غيره بل يمكن القول أن من لديه شغف القراءة تكون لديه رغبة بالحوار أو تؤدي به القراءة إلى (لياقة الحوار)تمنحه الثقة بالنفس وتهيأه بروح مرنة للحوار المفيد. هذا ما أردته من المقدمة عن القراءة، إجادة (الحوار) مع الآخر بل هو هدف الإنسان الذي به يتكامل مع أخيه الإنسان، وأحيانا بالمعارضة الفكرية لإنتاج جواهر ولآلى فلسفية ليستمر الحوار مع الطبيعة والكائنات وتكتمل رسالة الإنسان بالإبداع والابتكار لعلاج خللا وسد نقصا يعاني منه الإنسان . إذن، القراءة طريق إلى الحوار وكم تمنيت من المؤلف أن استبدل عنواني كتابيه ( طريقة القراءة ) و ( لياقة الحوار ) وهي قراءتي في كتاب المؤلف يوسف الحسن بعنوان (طريق الحوار)، الحوار يبدأ بين الأم وجنينها في الرحم والأبوين في البيت الأسري ويرتقي الحوار إلى مستويات أسمى بالقراءة والمعرفة بين الأفراد والأمم والحضارات تبرز بالحوار. مسيرة الإنسان التي بنيت على الحوار مع الطبيعة عندما احتاجها ليكمل كفاحه، يحرث الأرض ويعمرها، وجد صعوبة في الحوار مع من حوله بسبب عوائق مثل حواجز اللغات وفهم اشارات الكائنات وعلامات الطبيعة لكن حين تزود بالمعرفة والعلم بواسطة القراءة واتقان لغات متنوعة وصل إلى الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي وابتكر علوم مثل الانثروبولجيا وعلم الأديان وعلم الآثار. بدأ الإنسان حواره بفك طلاسم النقوش والرموز على الصخور حتى اكتملت لديه القراءة بالحوار مع الطبيعة بمعرفة ما يفيد البشر واستثمار موارد الأرض الطبيعية. بدأ حوارا عنيفا بتطويع الطبيعة حتى ردت عليه بقوة بآثار سلبية مثل الاحتباس الحراري واختلال التوازن البيولوجي والتلوث فأعاد الحوار مع مكونات الحياة حين استزاد بالقراءة العلمية وبدأ يتحاور مع عناصر الطبيعة بهدوء بعد أن تيقن بأهميتها وضرورة عناصرها في اكتمال حياته وبها يعيش بسلام وأمان. في كتاب يوسف الحسن (طريق الحوار:نظرات من أجل العبور) وهو مجموعة مقالات كتبها بصحف يتكون الكتاب من ١٧٩ صفحة طبعة ٢٠٢١، عنوانه الرئيس الحوار بتفرع بعناصر الحوار الناجح ،يدور الكتاب حول الحوار البناء الموضوعي الذي يتجرد من الأنا ويتخلص من حمولة الذاتية التي تدفعه نحو توكيد الذات والانحياز لآرائه المسبقة ويحرف الأدلة والشواهد في سبيل الانتصار على الآخر، سواء كان طرفي الحوار شخص أو جماعة. يكتب المؤلف يوسف الحسن "فالحوار هو أكثر كلمة تتعرض للظلم"، في أحد أقوال الكاتب الحسن يكتب عن أن اسلوب الحوار في تحويله حوارا ايجابيا مثمرا "يمكن أن تصل إلى نتائج إيجابية لو تغير اسلوب الحوار لو كانت هناك أجواء من المحبة والود بين أطرافه"، يعني حتى نصل إلى حوار له نتائجه المفيدة للطرفين ينبغي قراءة ذواتنا وقراءة الذات لا تتحق إلا بقراءة الآخر من خلال ما يكتب أو يؤلف أو قراءة مباشرة لأقوال الشخص وسلوكياته أو من خلال نصوصه وعمل المقارنة والمقاربة. الكتاب يشير ضمنا أو صراحة احيانا على أن طرفي الاتصال يتبادلان المواقع ويعكسا رسالتهما أي المرسل يضع نفسه موقع المستقبل، والعكس صحيح، تبادل المواقع يساعد على الفهم واستيعاب الرسالة المشتركة بأداة مفهومة. الحوار نجاحه يبدأ بالقصدية وبالصمت وحسن الاصغاء وقبول رأي الآخر وإذا تراكمت الحوارات تتضح القواسم المشتركة بين المتحاورين هذا ما يلاحظ في موضوع مطروح للنقاش والحوار تخرج من بين ثناياه القواسم المشتركة أكثر من نقاط التعارض والنفور إذا ابتعد الطرفان عن النرجسية وحب الذات وتعزيز الأنا التي لا ترى الغير كما يسميها المؤلف في ما كتب بهذا الخصوص. كما يتطرق الكاتب الحسن إلى فضاء أوسع مثل حوار الحضارات الذي بدأ بصراع الحضارات، بالرغم ما ينتج علميا وثقافيا في الواقع يعتبر في ذاته حوار حضارات لأن المنتج المعرفي العالمي يتلاقفه المفكرون والفلاسفة ويتفاعلوا معه بالقراءة والتفاعل والاستفادة وإعادة الإنتاج الثقافي مرة أخرى. بعد الترجمة الفورية في ادوات التواصل الاجتماعي، وبفضل شبكة الانترنت بدأ الحوار الثقافي والفكري عن بعد بإدارة الذكاء الاصطناعي في الترجمة وتوصيل الافكار بأي لغة، هذا ما اشار اليه المؤلف في الحوار الرقمي. الحوار الرقمي ستتضح نتائجه وفوائده بعد سنوات إذا هيمنت الأجهزة الذكية بتطبيقاتها الرقمية وتفعلت بواسطة الذكاء الاصطناعي بشكل اوسع، سيقرب المفردات والمفاهيم المشتركة في الحوار. يفرد الكاتب الحسن سبعة مقالات عن حوار الأديان وهذا الحوار منذ أن بدأ بين الأديان السماوية لم ينقطع وفي القرآن تعزز المفهوم المشترك بين الناس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) س الحجرات آية ١٣، يتعزز الحوار حين يكتسب الشخص الثقافة بالقراءة ليطلع على الأديان وثقافة الشعوب حتى يؤمن بأن الحوار ضروري ومساعد على التفاهم والقبول والتعايش. إذا الحوار أخذ طريق الموضوعية بدون شك ينتهي بالتعايش كما أشار اليه الكاتب الحسن في ستة مقالات لأن عوامل الوفاق وعناصر المصالح المشتركة أكثر من نقاط الخلاف، للعمل على شراكة في البناء الذاتي والتنمية الوطنية. يواصل المؤلف الحسن في اعادة إنتاج معرفته نتيجة قراءاته المتعددة إلى ذكر نماذج في الحوار مثل وثيقة نوسترا إيتاتي وهي إعلان تصالح الفاتيكان مع الأديان عام ١٩٦٥ ويذكر أمثلة تصالح مع أديان سماوية ووضعية. بالرغم أن المؤلف وسع مفهوم الحوار بين الأديان والدول وأن هناك بين البشر مصالح تقتضي الاتفاق عليها مثل التطور العلمي والمصالح الاقتصادية إلا أن من ينضج الحوار ويبين المصالح المشتركة هي القراءة المنفتحة الواعية للأمم والدول، ومعرفة ما هي ثقافاتهم ومصالحهم للتعرف عليها لخلق علاقات معهم بالحوار . القراءة المقصودة بأهداف واضحة تزيل عوائق الحوار مثل الانتصار الشخصي والتعصب للرأي الشخصي والنتيجة المسبقة، القراءة المتنوعة والعميقة تفتح العقول وتهيأ اسباب التقارب والانسجام، تنويع وتوسيع الاطلاع والقراءة بلغات مختلفة تكشف للقارئ حياة القادة الناجحين والمخترعين والمبدعين وتمنحه تجارب عن شعوب تتكلم عدة لغات ومعتنقة أديان مختلفة.
بعد مئات السنيين من وفاته ظل ابن رشد يتحاور مع قراءه وناقديه وهم يحاورونه بقراءة نصوصه للاستفادة والنقاش. وما زال نعوم تشومسكي يُقرأ من خلال كتبه وتقرأ تجربته بالمقابلة والحوار، قدم فكرا وفلسفة بعد أن اجهد نفسه بالقراءة واصبحت لياقته للحوار عالية ومستوعبة كل الآراء، اصبح شخصية فكرية عالمية يبحث عنها كل المثقفين للحوار معه من خلال كتبه بلغات مختلفة. اختيار الكاتب يوسف الحسن موضوعين من أهم المواضيع الضرورية بحياة الفرد وهما القراءة والحوار، يستهدف المساهمة الاجتماعية والثقافية بنشر القراءة، والإيمان بالحوار الذي ينتهي إلى التسامح والتعايش.
جديد الموقع
- 2026-01-06 سمو محافظ حفر الباطن يستقبل مدير فرع وزارة الصحه
- 2026-01-06 النيابة العامة تحذّر من جريمة التحرّش الإلكتروني
- 2026-01-06 1500 أسرة منتجة وحرفي ومؤسسة تقدموا للمشاركة "غرفة القصيم" تعلن إطلاق النسخة 17 من "كليجا بريدة"
- 2026-01-06 سمو أمير المنطقة الشرقية يلتقي أهالي الأحساء ويؤكد عمق العلاقة والشراكة في مسيرة التنمية
- 2026-01-06 *الندوة العالمية: المملكة أنموذج إنساني رائد في رعاية أيتام الحروب وجبر خواطرهم*
- 2026-01-06 الحاج حمد الحمد في ذمة الله تعالى بالهفوف
- 2026-01-06 كيف يُساعد الوعي البصري الدماغ على التركيز والانتباه
- 2026-01-06 الكلية التقنية التطبيقية للبنات بالرياض تدشّن النسخة الثانية من معرض «عمار» لمشاريع العمارة والتصميم
- 2026-01-06 الزميل الحاجي يتماثل للشفاء ويغادر المستشفي ويشكر الطاقم الطبي في بن جلوي بالمبرز
- 2026-01-06 برعاية سمو محافظ الأحساء وكيل المحافظة يكرّم شركاء نجاح مبادرات الغطاء النباتي خلال موسم التشجير الوطني 2025