2007/05/02 | 0 | 1499
حوار مع سماحة العلامة السيد محمد رضا السلمان)(ج1)
من مواليد مدينة المبرز في منطقة الأحساء عام 1380هـ.ق، تربى وتلقى بداياته المعرفية فيها، ثم انتقل إلى مدينة قم المقدسة، ودرس على يد عدة من أعلامها وفقهائها أمثال الوحيد الخراساني، والشيخ جواد التبريزي، والفاضل النكراني، وناصر مكام الشيرازي، وتتلمذ على يده الكثير من طلاب منطقة الأحساء والقطيف.
له العديد من البحوث والدراسات في التقية والوقف بين النظرية والتطبيق وغيرها، صدر له عدة أعمال أدبية منها صدى الذكريات، إشراقات فاطمية، أغاريد الأصيل، أنفاس القلب..... وأخيراً وليس آخراً أرقام خمينية، ضيفنا في هذا الحوار سماحة العلامة السيد محمد رضا السلمان.
في البداية نرحب بكم سماحة السيد ونشكركم على إتاحة هذه الفرصة لمجلة الإشراق لنتبادل مع سماحتكم أطراف الحديث حول الشأن الأدبي سواء في مجتمعنا الخليجي أو في مجتمعنا العربي، فأهلاً وسهلاً بكم سماحة السيد حياكم الله...
* نود في البداية أن تعطينا لمحة ولو بسيطة عن بداياتك ومشوارك الأدبي؟
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أعداء الدين، البدايات كأي بداية مع أي إنسان يتلمس طريق الشعر، وبما أن الشعر عبارة عن حركة الوجدان أو حركة في الوجدان فكثيراً ما يحتاج هذا الوجدان إلى إيقاظ، وربما يكون الإيقاظ وليد صدمة في الخارج أو إقتران بمناسبة من المناسبات، بالنسبة لي لا أتعدى حدود هذه الحالة التي عاشها من سبق أو من ربما يأتي في هذا المضمار.
* هل يفهم من كلامكم سماحة السيد أن تعلقكم وارتباطكم بالشعر والأدب هو ردة فعل لما هو في الخارج؟
في الأعم الأغلب نعم، هناك بعض العوامل قد تشترك في مجملها فتفرز حالة الشاعرية، فمثلاً المنبر الحسيني له الأثر من خلال عرض الشعر العربي فيغرس في نفسية الإنسان حالة الشاعرية، لذا صح للبعض أن يقول: ما من موالي إلا وفي داخله كينونة الشعر أو كينونة الشاعر، وأيضاً عامل الوارثة ربما له مدخلية، ولكن يبقى العامل الأساس وليد صدمة ربما عاطفية أو غير ذلك.
*هذا يولّد لنا سؤالاً وهو أنه هل يمكن أن نسترجع احاسيسك يوم كتبت الشعر لأول مرة، وماذا كتبت في البدايات؟ بمعنى ما هو الموقف الخارجي الذي أثر في نفسيتك لكتابة القصيدة أول مرة؟
قد يكون الموقف على مسافة أمتار يسيرة بل ربما حتى دون ذلك، ولكن كان للموقف ما يستوجب لتخلق قصيدة في الداخل، وربما يكون لشريكة العمر سبباً كبيراً لذلك واكبت المسيرة.
* لطيف ماذا كتبت لها؟
q كتبت قصيدة وقد أثبتها في بعض المجاميع التي طُبعت، وإن كان ما طبع أجري عليه الكثير من التعديل، لكن البيت الذي انتقش في الذاكرة ومن خلاله تلمست ربما مشروع شاعرية، هو البيت الأول الذي أتلوه على حاله كما استحضره:
نظمتُ شعري والخل بجانبي يـقلب كفاً في الثرى iiويحيدُ
* هذا البيت سماحة السيد كان قبل الزواج أم بعده؟
لا بعد الزواج....
* بطبيعة الحالة الشاعر بعد فترة قد ينقد ما بدأ به مشواره الأدبي، سماحة السيد هل كنت راضياً عن قصيدتك الأولى كونها وضعتك على أول طريق المسئولية أم على العكس أبعدتك لفترة عن قرض الشعر؟
أنا اعتقد أن القصيدة بما تمثله من جذوة، اما أن تكون هي تمام المشروع فليس كذلك بل هي الخطوة الأولى، وبالنسبة لي فأنا اعتقد أنها كانت في الاتجاه الصحيح رغم وجود النقد المبكر سواء كان من الغير الذين انتقدوا القصيدة وبعضهم كان عنيفاً في نقده للقصيدة والبعض الآخر التمس العذر كونها للمرة الأولى وينبغي التجاوز عن الكثير مما فيها، نعم بعد فترة من الزمن وجدت أن هذه القصيدة تعاني من إشكاليات من حيث العروض وإشكاليات ربما من حيث النحو أيضاً بكل صراحة.
* يعني هل ترى أن النقد المبكر يثمر في بناء الشخصية الأدبية أم بالعكس؟
إذا كان النقد إيجابياً فيعتبر من أهم الروافد التي تصب في مصلحة الشاعر، أما إذا كان النقد هداماً ربما يؤثر حتى على الإنسان صاحب الملكة وإن قطع مشواراً طويلاً لأن المفترض أن يكون الإنسان الناقد عندما يريد أن يتحرك في نقد أي قضية من القضايا سواء كانت شعرية قصيدة أو فكرية في قضية من القضايا أو أو أو... ينبغي أن يتحرك بناءً على النظر لتلك القضية التي يراد أن يسلط عليها جانب النقد، أحياناً يحدث دمج بين المفكر والفكرة، بين الشاعر والقصيدة، وهذا فيه تجنٍ واضح حتى على مدرسة النقد بما هي مدرسة نقد، لذا ينبغي أن نفصل بين المسارات، الشاعر يختلف عن القصيدة في مورد النقد وكذلك المفكر يختلف عن الفكرة في مورد نقد الفكرة، فلابد أن نتعامل مع الفكرة بما هي هي والقصيدة بما هي هي، مولد بين أيدينا علينا أن نقرأ معالم هذا المولد.
* إذاً كيف يستطيع الشاعر أن يفصل بين نفسيته التي تستشعر بأن دوافع هذا الناقد هي دوافع نفسية كالحسد والحقد ووو... بمعنى أن دوافع النقد بعيدة كل البعد عن القصيدة، وبين النقد البناء؟
اعتقد أن هناك أمارات كثيرة يمكن أن تساعد الإنسان على استجلاء الأمر منها إن قولبة الألفاظ المستخدمة في إيصال النقد إلى الطرف المقابل ربما تحمل لوناً من ألوان التجريح وهذا مستخدم أيضاً عند بعض النقاد فيبتعد عن دائرة النقد السليم.
* ما تفضلتم به بالنسبة إلى النقد المفضوح، لكن مقصودنا أن هناك بعض النقاد يبطنون نقدهم الذي يبتني على الدوافع الشخصية بعبارات نقدية أدبية.
هذه أحياناً لا ترجع إلى الأدب بما هو أدب بقدر أنها ترجع إلى المسارات بما هي مسارات، عندما يتشخص المسار اعتقد أنه ينحل على ذلك تشخص الإنسان الناقد وقتئذٍ يستطيع الإنسان أن يحكم أن هذا الناقد أراد الخير أو أراد عكس ذلك.
* طوال هذه المسيرة التي عشتموها في أروقة الشعر، هل كان النقد السلبي لكم أكثر من النقد الإيجابي أم العكس؟ سواء كان في المحافل أو من خلال الكتابات.
*باعتبار أن معظم القصائد التي شاركت من خلالها في الكثير من الملتقيات أو المنتديات أو الأمسيات تحمل في طابعها المناسبات المذهبية فعادةً لا يخضع مثل هذا الشعر للنقد الغير المباشر ناهيك بالمباشر، أما في الجلسات الخاصة فقد يتعرض الإنسان لحالات النقد، ويبقى الإنسان مع الإنسان الناقد، وعلى كل حال الإنسان الناقد بالنسبة للإنسان الشاعر كالمرآة ينبغي أن يعرض نفسه عليها، المرآة لا تتحرك من الحائط في اتجاه الإنسان بل العكس على الإنسان أن يتجه في الزاوية التي تشغل المرآة جانباً منها كي يعرض نفسه عليها.
* الملاحظ سماحة السيد أنك أحياناً تبدأ القصيدة بالغزل الشبه صريح، وأنا كنت حاضراً في بعض المناسبات، واستمعت إلى نقد لهذا الأسلوب باعتبار أن هذه المحافل محافل دينية لا ينبغي لسماحة السيد أن يتطرق فيها لهذا الأسلوب من الغزل الشبه الصريح إن لم يكن صريحاً، سؤالي سماحة السيد أنه هل أن هذا النقد ترونه موفقاً إلى حدٍ ما؟
حتى لا أكون قاسياً - وإن كان أحياناً في القسوة رغم مرارتها مس من الحلاوة- أنا اعتقد أن الإنسان الذي يفصل بين الغزل كمطلع للقصيدة وبين ما يتخلص به الشاعر في نهاية المطاف من مدح لأهل البيت^ أو رثاء، هو في الواقع يفصل بين الإنسان الناقد وبين الموروث، الموروث سواء قرأناه من صدر الإسلام الأول في القصيدة الخالدة: بانت سعاد... الذي تغزل فيها الشاعر وأبحر بعيداً، أو ما كان في العصر العباسي وما لحقه من عصور وإلى آخر هذه الفترة التي نعايشها، نجد أن الشاعر في هذه الزوايا ومنهم قمم في الفقاهة، وقسم منهم قمم في المرجعيات.الكلام في النقد من جهة الغزل الصريح لا من جهة مطلق الغزل، فإن الغزل العذري لا إشكال فيه لدى هؤلاء النقاد لأنه يعطي للقصيدة لمسة جمال...على كل حال إذا كان الوقوف على حد القد والنهد فهذا يبحر فيه الكثيرون.
*سماحة السيد: أنت شاعر، وأستاذ في الحوزة العلمية، وإمام جماعة، ووكيل عن بعض المراجع حفظهم الله، ولك مساهمات في العمل الاجتماعي... كيف تستطيع أن توفق بين كل هذه الأمور.... وإذا تعارض الشعر مع أحد هذه الأعمال فأيها أحب إلى نفسك؟
أولاً لا أتصور وجود حالة من التعارض بين هذه الأمور، لأن الشعر أساساً هو في كينونة الإنسان نفسه ليس أمراً عارضاً عليه فهو معه في يقظته ومنامه وفي ذهابه وإيابه، على العكس من ذلك تماماً في بقية الموارد المذكورة كلها مسارات ربما تصب كروافد لصالح ذلك الإنسان الشاعر لتوسع من مداركه تارة وربما في استنتاجاته أحياناً أخرى.
* يعني لم يمر عليك في يوم من الأيام أن تعارض عمل اجتماعي مثلاً مع التهيء النفسي لكتابة قصيدة، بمعنى أنك ذهنياً ونفسياً مشغول في بناء هيكلية لقصيدة ما لمناسبة دينية مثلاً أو أن وحي الشعر طرق بابك، وطُلب منك التدخل لحل قضية اجتماعية.
أنا لا أستطيع أن أُحكّم القاعدة الأصولية القائلة يقدم الأهم على المهم في بعض القضايا ربما هذا له مناشئُه وله تطبيقاته في عالم الفقاهة أما في عالمين متغايرين عالم مجتمع يعني مادي صرف، وعالم شعر يعني عالم معنى خاص، اعتقد أن الشاعر لا يستطيع أن ينسلخ من وجدانه.
* القصيدة عند سماحة السيد... كيف تبذر نطفتها؟ وكيف توافيك ثم كيف تجافيك؟ وبعبارة أخرى من يكتب الآخر أنت أم القصيدة؟
الشعر الصادق هو الذي يكتب صاحبه.
* يعني القصيدة هي التي تبدأ مع الشاعر...
نعم إذا كانت صادقة لذا نجد مجموعة من الشعراء العمالقة خلدوا من خلال قصائد معدودة على أصابع اليد الواحدة ربما حتى لا يصل، لأن القصيدة كتبت الشاعر أما إذا تحرك الشاعر ليكتب القصيدة أتصور أن لا يُكتبْ لها الخلود، يعني كالإنسان الذي يتبنى وليداً ليس من صلبه ولذا نجد الأثر واضح في اختيار المعاني، فنجد يقولون هذا شعر وهذا نظم.... النظم هو النثر ولكنه مقفى خلاف الشعر، الشاعرية شيء آخر.
*الملاحظ من خلال الدواوين التي طُبعت لسماحتكم أن هناك ابتعاد عن كتابة الشعر السياسي مع العلم أنك اقتربت من السياسة في بعض قصائدك خصوصاً في بداية الثورة، وإذا لاحظنا أن مجتمعاتنا تعيش حراكاً سياسياً نابعاً من داخلها أو مفروضاً عليها من الخارج، فهل أن هذا الحراك لم يؤثر في شاعرية سماحة السيد؟
هناك فرق بين أن نقول أن الشاعر قطع علقته بعالم السياسة أو دعني أقول غابت القصيدة السياسية في شعر الشاعر وبين أن الإنسان فعلاً لا يكتب القصيدة في مساحة السياسة، فباعتقادي أن كتابة القصيدة في عالم السياسة قدر مرتبط بكينونة الشاعر غاية ما في الأمر أن المشاركات ربما تكون غابت والسر في ذلك عوامل كثيرة، منها ربما عامل وجود السيد الإمام رحمة الله عليه كان يشكل جذوة وكانت ترتبط بتلك الشخصية أحداث كثيرة وكثيرة، أيضاً قبل نضوج الإنسان في كثير من مساراته الفكرية أو العلمية أو التجربية حتى ربما تكون هي التي كانت تدفع بالمسار أما اليوم فاعتقد أن معظم القضايا السياسية - إذا ما استثنينا المشهد العراقي - لا تشكل جذوة دافعة للشاعر في هذا المسار.أنا أكتب القصيدة السياسية ولا زلت أكتب القصيدة السياسية وكتبت في العراق أكثر من قصيدة وربما لو أفردت بمجموعة ربما تقوم بذاتها وهي كلها خلال السنوات الأخيرة، نعم أنا لم أشارك بالقصيدة السياسية وشبه انقطاع موجود ربما تصور البعض أن السيد جانب السياسة أو شيء من هذا القبيل، أنا لست سياسياً ولكن أتعاطى المشهد السياسي ليس أكثر.
الأحداث بما هي أحداث تستدعي نظم قصيدة سياسية، وأما أن الإنسان لا يستطيع أن يتعاطى لوجود أمور، بالعكس تماماً المكتبات في داخل المملكة وخارج المملكة مملوءة بالكثير من الشعر السياسي الموجه.
* سماحة السيد هذا يولد لنا سؤالاً أنه ما هي المحفزات التي تغويك لتواصل تناسجك وتواشجك معها؟ وكيف تلتقط مفردات الواقع بحميميته لتستعر نار الشعر ونار الحياة اليومية؟ سواء السياسية أو الاجتماعية أو حتى الاقتصادية كما تعيشه المنطقة في هذه الأيام.
قلت لك منذ الوهلة الأولى وفي بدايات الحديث أن الشاعر لا يفرض نفسه على قصيدة بقدر ما تفرض القصيدة نفسها على الشاعر فإذاً لابد لهذه القصيدة حين التكون من نواة على أساس منها تنقسم على نفسها وتتشكل في النهاية أبيات وتنتظم في قصيدة متكاملة، فقوة الحدث، ضعف الحدث، قرب الإنسان من الحدث، وبعد الإنسان عن الحدث، نظر الإنسان إلى الحدث في أي درجة من درجات الأهمية، ربما تكون هذه النواة الأولى.
* وهذه تتفاوت من شاعر لآخر....
حتماً تتفاوت وإلاَّ لكان جميع الشعراء أشبه بمجسمات منحوته توضع على الطرقات.
* الحلم الإنساني، والحلم الثوري الديني، ماذا كانت ملامحه؟ سماته؟ وكيف عمقت ورسخت رؤيتك الشعرية في الجذور؟
الحلم الثوري مرحلة لابد وأن يجتازها الإنسان، حتى ذلك الإنسان الذي ينأى بنفسه عن هذا المسمى أو ربما يجد في نفسه حرجية من تعاطي هذه المفردة الثورة الثورية وما إلى ذلك - إلا أنها تواكب مسيرة الإنسان، عند بلوغ الإنسان هناك حالة من الثورة الجسدية وهناك ثورة على مستوى النفس هذه تصرف في عدة مسارات يعتمد على الموجه أو على الرمز الذي يتعلق به ذلك الإنسان عند تكامل هذه القوى في داخله فإذا تمت بعض العوامل ربما تأخذ هذا الإنسان إلى المسار.أما في تأطير الحلم الثوري بالديني أو إيجاد حالة من دمج بين الثورية وبين الحراك الديني اعتقد أن الدين منذ يومه الأول وهو يحمل نزعة الإنسان الثائر فعندما يتحرك النبي9 في وسط مجتمع معادي ويصر على إبلاغ الرسالة الموكلة وأيضاً القرآن يؤكد بأن حالة التوثب للتخلص من الرسول تواكبه إلى آخر أيام حياته {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}([1]) رغم ذلك النبي9 تحرك بناء على هذا البعد وهو الثورة على أساس مشربها الديني فأي إنسان يمكن أن يتحرك بناء على هذا الأساس أما أننا هل فعلاً نحمل نزغ الثوار كما يعبر عنه اعتقد أنه إذا قلنا أن الثورة هي تجسيد لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الإنسان لا يكون مسلماً حتى يكون ثورياً وأما إذا أخذنا الثورة بمعنى آخر وهو عنوان قلب الأنظمة فللحديث مجال طويل عريض. الإنسان بها في يوم من الأيام.
* هل الظروف تعنونك؟ وهل تؤطرك؟
حتماً العنوان يؤطر، وأنا اعتقد أن الشاعر ينبغي أن تتجسد فيه الإنسانية ليكون شاعراً إنسانياً وليس شاعر قضية ضيقة زواياها، ولا اعتقد أن إنساناً راشداً يقبل لنفسه أن يؤطر في زاوية معينة أياً كانت تلك الزاوية وأياً كان ذلك العنوان لأن مسارات ومشارب ومساحات الحياة لم تعد محصورة في زاوية من الزوايا، فنحن نريد رجل الدين المحلق في عوالم متكثرة من حوله، ونريد الأديب الذي له مشاركة في عوالم متكثرة من حوله، ونريد الإنسان القارئ، ونريد الإنسان الإنسان وهكذا.
* هل تشعر بأن الشعر يعطي مساحة أوسع من الوسائل الأخرى كالمنبر
نعم بالنسبة لي أنا اعتقد أنه في فترة من الفترات كان للحس الثوري مدخلية في توجيه مسار بعض القصائد، وهذه تجربة نافعة للقصيدة وإن عنون والمحراب ووو...؟
لا اعتقد ذلك، إذا جئنا إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام أو مساحة أبناء الطائفة لا إشكال أنها ارتبطت مصيرياً بالمنبر الحسيني حصراً لأنه لا يوجد إلا هذا المنبر كقناة إعلام، والمنبر الحسيني هو الذي أوصل صوت الشاعر في الكثير من الحالات فالمنبر معلول للشاعر ولم يكن الشاعر معلولاً للمنبر ولكن اليوم مع وجود هذه الطفرة التقنية العالية جداً التي بات بمقدور الإنسان أن يبث ما شاء من بيته وربما يصل إلى آخر الآفاق في الدنيا يمكن أن يمارس الشاعر رسالته في دور أوسع مما كانت عليه في الفترة السابقة.
* ننتقل إلى محور آخر سماحة السيد نتناول فيه الشعر العربي على مختلف ساحاته، ما رأيك بالشعر الذاتي الذي يعبّر عن ذات الشاعر فقط؟
هذه مساحات تتجلى فيها روح الشاعر، فإذا أردنا أن نقرأ الشاعر بما هو، علينا أن نقرأ القصيدة التي كتبت لتحكي ذات الشاعر.
* يعني لا ضير أن تكون شاعرية الشاعر ذاتية؟
لا ضير في ذلك، أصدق الشعر أن يتحرك الإنسان بناء على ذاته.
* هناك صيحات ترتفع من هنا وهناك تنادي بالتجديد في الساحة الأدبية، برأيك سماحة السيد هل أن الخروج عن مألوف القصيدة الكلاسيكية يعتبر تجديداً؟
الشعر العمودي هو الذي ولد في أحضان الشعر ولم يولد الشعر في أحضان العمود، ويخطأ من يجعل العمود أصل وما خرج عنه فهو شاذ عن عالم الشعر، الشعر الشعور، الشعر ليس مستفعلٌ فاعلٌ فعولُ أبداً، الشعر هو عبارة عن مشاعر في داخل الإنسان تبرز للخارج ضمن قولبة معينة فيها جرس موسيقي أكثر من هذا ليس مطلوباً، فمن يحاول أو يصر على أن الشعر ما كان مقولباً ضمن إطار العمود، اعتقد أن فيه تجنياً وإلا ما عسانا أن نتعامل مع من تقدم على عروض الخليل أو من تبعه وتمرد على عروضه وهم قمم في الشعر، والخليل في حد ذاته تم الاستدراك عليه في مجموعة خصوصاً إذا دخلنا في دائرة التدوير والتقطيع وما إلى ذلك. وبالتالي الشاعرية تنصب في أي قالب يختاره الشاعر، المهم أن يوصل إلى الهدف والنتيجة المرجوة من القصيدة... أحياناً الإنسان يجد نفسه أمام مقطوعة نثرية تقطر من المعاني التي يعجز حتى صاحب العمود أن يصل لذلك المعنى من خلال عموده إلى ما وصلت إليه في القصيدة النثرية، هناك اختزلت مجموعة من القضايا الكبيرة جداً في قوالب يسيرة جداً لشعراء عمالقة وكانوا بعيدين جداً سواء كانت تلك القضية تعنى بجانب إنساني أو سياسي أو...* سماحة السيد نلاحظ أن هناك شعراء يكتبون مستخدمين جملاً قوية إلا أنها لا تملك دلالة، ماذا تقول في هذا النوع من الشعراء؟ فهل أن قوة الألفاظ تولد قوة القصيدة أم أن السبك العام للألفاظ هو الذي يولد تلك القوة؟
المدارس الشعرية متعددة، قسم منهم يعتمد في قراءته للقصيدة على سلاسة البناء للقصيدة وقسم منهم على دقة المعاني في القصيدة وقسم منهم على الترابط بين أبيات القصيدة وقسم منهم على قوة اللفظ وجزالة الألفاظ المستخدمة في داخل القصيدة فالكل يبني اتكاءً على زاوية من الزوايا على أساسها يبني معالم مدرسته لذلك يسهل على البعض منا أن يحكم على أن هذه القصيدة لزيد من الناس وتلك لعمرو وووو... بمجرد السماع، وأنا أتصور أنه إذا تعمق الشاعر في انتقائيته للألفاظ سوف يسلخ الشاعرية من الشعر فيعود إلى النظم وربما حتى دون ذلك.
* أنتم لا تمانعون أن يستخدم الشاعر ألفاظ قوية لكن ينبغي له أن يحافظ على السبك للمعاني التي توصله إلى هدفه؟
عندما يتكلم الشاعر يريد أن يوصل قضية فإذا تعمقت وتبحرت ورجعت سواء إلى مخزوني من المفردات الجزلة والقوية أو بالاستعانة ببعض المصادر اللغوية لبناء قصيدة فأنا كالإنسان الذي أجهد نفسه في إظهار المنزل الذي يود السكنى فيه بمظهر ليست لديه القناعة به بمعنى أنه يأخذ فيه جانب القيمة المادية ولكن لا يأخذ فيه التقاطع في الخطوط والنواحي الجمالية والتشابك في الألوان وما إلى ذلك من الأمور، فالشاعر إذا اعتنى باللفظ فمعنى ذلك أنه سوف يجبر ذلك المعنى في الدخول ضمن بوتقة هذا اللفظ والحال أن اللفظ آلة لإيصال المعنى وفي هذه الحالة يصدق القول بأنه تساوى السجان والمسجون بينما يفترض أن المسجون يسعى لخلاص نفس السجان الذي هو في الواقع يعتبر مسجون معه.
* ولذا لعل الشاعر الذي ينتقي الألفاظ القوية والجزلة دون أن ينظر إلى جانب المعنى يعيش الغربة لأن مجتمعه لا يفهم هذه اللغة.
حتماً كلما سلس الشعر كلما قرب من ذهنية المتلقي ووجد له من يبحث عنه في أكثر من مكان ومكان، لذلك نجد البعض من هواة الأدب أو من متذوقي الأدب يقطعون المسافات في سبيل أن يحضروا أمسية لشخص من الأشخاص وربما يضحون بكثير من أموالهم وأوقاتهم في سبيل أن يستمعوا لشخص يتكأ على هذا الجانب يعني الاستغراق في الشاعرية مع سلاسة التركيب، هذه موهبة.
* ما رأيك سماحة السيد فيمن يقول أن الشاعر يكتب قصيدة واحدة في كل حياته الإبداعية بتنويعات مختلفة؟
كلام غير صحيح وإلا لما تعددت أغراض الشاعر، نعم ربما تكون للإنسان أم القصائد أو أن تكون هناك قصيدة واحدة واعتقد أن هذا مجانبة للواقع تماماً، لذا أستطيع أن أقول - إذا ما سلمنا بهذه المقولة - أن الشاعر قبل لنفسه أن يعيش في ضمن حدود زنزانة محكمة الإغلاق.
* نريد أن نتحدث سماحة السيد عن أزمة المثقف العربي والإحباط الذي يعبر عنه دائماً سواء في شعره أو في مقالاته أو في ندواته أو حتى في المنتديات الثقافية، ما هي أسبابه، وهل من مخرج من هذا المستنقع؟
أتصور أن هناك أزمة متبادلة بين وشائج المجتمع أو أجزاء المجتمع العربي.
* كيف؟
هناك أزمة حاكم ومحكوم، وهناك أزمة الإنسان الغني والفقير وهناك أزمة الإنسان العالم والجاهل وهناك أزمة المثقف وغير المثقف، في كل المجتمعات منذ العصور المتقدمة المثقف يشغل الساحة دائماً وأبداً لأنه يجد في نفسه الإنسان الذي أمسك بمعظم أطراف المشهد من حوله هكذا يفترض ربما يكون لهذا الكلام ما يؤكده وربما لا يكون ولكن هذه الحالة التي تخالج ذهنية الكثير من أبناء الطبقة المثقفة لذلك هم لا يقبلون لأنفسهم حتى منطقة الوسط بين مسارات الأمة وإنما لابد وأن يشغلوا الطليعة في الركب فهذه الأزمة لا يمكن أن تُحصر في ضمن حدود جهة معينة، فالوطن العربي- ما دمنا في حدود الوطن العربي - مذاقاته متعددة مدارسه متعددة شعوب العرب كانت نائمة لفترة طويلة من الزمن شعوب العرب اليوم تتوثب للتغيير في كافة المساحات وأحياناً تتأمل التغيير من رأس الهرم وأحياناً ربما تتحرك من أجل التغيير من قاعدة الهرم وربما قسم منهم يناور من الوسط فينتحر فيذبح ويُذبح في نفس الوقت.
*الحياة السلبية كالبكاء على الماضي والبكاء على الأطلال، والوقوف في ساحات الأزمات دون محاولة التغيير، هذا النمط السلبي لدى بعض المثقفين في حين أننا نعيش عصر العولمة والانفتاح على الآخر وتطوّر وسائل نقل الثقافة من مجتمع إلى آخر، فيفترض أن مثل هذه الأزمة منحلة.
رغم أن المثقف العربي قطع مشواراً لا بأس به في قراءاته واستنتاجاته وحاكى مجموعة من المدارس الحداثية الموجودة في أوربا وبعض دول الجوار ولكن يبقى أسير واقع لذلك اعتقد أن المثقف العربي في كثير من حالالته يعيش انشطار الشخصية بين مورث ضاغط وبين حالة من الانفتاح لا يمكن أن يصمد أمامها أي كان، ما يعبر عنه بالغزو الثقافي أو ما يعبر عنه بالعولمة التي يراد لها أن تسود جميع المواقع وأعتقد أن مسألة العولمة أيضاً باتت هي أقرب للتراث منها إلى الواقع فالعالم الغربي الآن يتحدث عما وراء الحداثة، في يوم من الأيام كانت هنالك عولمة ثم جاءت حداثة ـ الحداثة هي الغزو الثقافي ـ والآن ما بعد الغزو الثقافي لا يمكن لسماحة السيد عبد الله أن يقول: أنا استطعت أن أضع سداً منيعاً أمام الغزو الثقافي حتى لا يتسلل إلى داخل منزلي، لا، تسلل معك ويدخل معك في أضيق الدوائر.
* حتى إلى غرف النوم كما يقولون.....
حتى لما هو أضيق من غرف النوم فإذا كان الأمر وصل إلى هذه المرحلة اعتقد أن القراءات لا زالت متأخرة وبهذه المناسبة آمل أن يترك للمثقف مساحة من الحرية التي على أساس منها يقرأ ويعاود القراءة ويستخلص النتائج ربما تكون رافداً سليماً أعني أن هناك أحكاماً مسبقة ضد المثقفين اعتقد أن فيها جناية على هؤلاء الأفراد وعلى الطائفة وعلى الدين وعلى الإنسانية في صورة أشمل لا يمكن أن تتحمّل.
* وبالتالي الأسير لابد له أن يحلم...
حتماً...
* بماذا تحلم في عصر العولمة أو الكونية؟ وما السبيل لاستنقاذ الكينونة العربية من ظلامية الشوفينية؟
هناك أحلام وردية يعيشها الإنسان عندما يخلد للراحة مع نفسه ولكن سرعان ما تتبخر هذه الأحلام عندما تصطدم بكثير من الصخور الصماء، في الأعم الأغلب هذه الصخور هي عبارة عن أفراد يتحركون بين جنبات المجتمع صخور متحركة يتحطم عليها الكثير من الأحلام، أحياناً أنت تندفع باتجاهها لتخيل حالة من الحالات المعينة أو أحياناً على العكس من ذلك تجد نفسك مستغرقاً في عالم الخيال حتى يتقدم لك ذلك...
*نرجع إلى القصيدة العمودية، أو ما يعبر عنها بالقصيدة التراثية، هناك بعض النقاد وبعض الشعراء الحداثيين يقولون إن ازدهار القصيدة العمودية ارتبط بفترة المد الثوري، وإن هذه القصيدة كانت عبارة عن صوت إعلامي مباشر للخطاب السياسي، ويطرح أن الخطاب السياسي صارت له منابره أو قنواته الخاصة المعبّرة عنه، وبالتالي أدى هذا إلى تجدد الأشكال الفنية مع تحولات الأزمنة، فيلاحظ عالمياً أن الشعر تراجعت مكانته عند الجمهور الذي صار يتجه نحو الصورة بتقنياتها السينمائية والتلفزيونية، فأصبح هذا العصر يوصف بعصر الصورة، فكيف تعتقدون أن القصيدة العمودية ما زالت صامدة رغم التحوّلات؟
سبق أن قلت في سؤال تقدم أن الشعر لا يختزل في هذه الزاوية إنما أيضاً هناك الجانب الآخر وهو الشعر الحر أو...
* نحن لا نقول بالاختزال وإنما هناك أصوات تنادي بفصل القصيدة العمودية من جذورها لأنها لم تعد صوتاً إعلامياً مؤثراً.
أنا أعتقد أن غياب القصيدة كان بسبب غياب المساحة الأدبية في داخل المجتمع العربي، يعني هناك هموم يومية ربما صادرت الكثير من مساحات الفراغ التي كان يتحرك الشاعر على أساسها في واقع المجتمع، الإنسان العربي الآن يخرج من بيته لاهثاً وراء لقمة العيش ليعود ويستسلم لحالة من التعب والعناء ثم ما بعد ذلك إلا أن يخلد لنوم ليعاود يومه الآخر، على العكس تماماً في الفترة السابقة كانت المساحات كثيرة وكانت القراءة تشغل مساحات كبيرة وعلى أساس منها يمكن أن يتابع ذلك الشاعر في ذلك المكان والمربد هنا وعكاظ في بلد آخر فهنالك همّ، أما القصيدة هل لا زلت صامدة أم تخلت عن دورها؟ بالعكس هناك قصائد غيرت المسار في كثير من القضايا هناك قصائد لها....
* خصوصاً العمودية....
* طبعاً أيضاً العمودية، نزار قباني وهو الشاعر الذي يحاول البعض أن يختزله في مساحة الغزل، وهذا فيه تجنٍ كبير على حياة هذا الشاعر الكبير، لقد ألقى قصيدة واحدة من أروع قصائده وهي مثبته أيضاً في مجموعته الكاملة في جامعة الدول العربية عام 1973 أو 1974م وكانت واحدة من أروع القصائد أثرت على مسار مؤتمر الجامعة العربية المنعقد في تونس وقتئذٍ، وعندما ألقى الشاعر المرحوم السيد مصطفى جمال الدين غديريته التي ألهبت مشاعر الكثير حتى تبنى البعض أو حاكي أو ادعى أن مشروع القصيدة كان له، ممن لا يعتقد بالمدرسة التي ينتمي إليها السيد مصطفى جمال الدين وهي: ضمأ الشعر أم جفاك الشعور....وما إلى ذلك يعني هناك قصائد واقعاً هي ملاحم ولو كانت في العصر الذي يقنن القصيدة أو توصف أو تعلق القصيدة ثم تأخذ مسار الخلود في الحراك الأدبي الإنساني وهذا مما صدق عليها عنوان المعلقات وهي مؤثرة بطبيعة الحال.
* إذاً أنتم لستم مع من يقول بأن القصيدة العمودية أصبحت قطعت أثرية يزين بها زاوية من زوايا البيت.
تماماً هذا فيه تجنٍ على الشاعر وعلى الشاعرية.
* المشكلة أننا نعيش صراعاً بين الحداثيين والماضويين، لذا ثمة من يقول - من أصحاب مدرسة الحداثة - أن المتتبع يلاحظ أن أكثر كتّاب القصيدة العمودية ينطلقون من رؤية ماضوية لمجمل قضايا العصر، فنجد أنهم لا يعادون الأشكال الأدبية الحديثة فحسب، بل يعادون أيضاً كل ما هو حديث اجتماعياً، هل هذا الانطلاق امتداد لما كان يعلنه المحافظون خصوصاً في الخمسينيات أو الستينيات من أن كُتّاب الشعر الحر عملاء للثقافة الغربية أم أنه ناتج عن عوامل ثقافية أخرى؟
هو ناتج عن عوامل ثقافية أخرى وخير دليل على ذلك أن مقولة لا تكن ملكياً أكثر من الملك هي كانت أيضاً، هناك توجس ربما يكون أحد عوامل هذا التوجس والحذر هو أن يصادر هذا الموروث وحتى نحمل من تقدم ممن تحفّظ على هذا المسار الحداثي على محمل حسن نقول هؤلاء كانت لديهم خشية كبيرة أن يصادر الموروث أن يضيع أن يميع أن يؤخذ به إلى مسارات غير محمودة أو لا أقل غير مقروءه العواقب...
* وبالتالي لا تكون هناك ضوابط لكتابة الشعر
حتماً ولكن اعتقد أن السيد مصطفى جمال الدين رحمة الله عليه في مقدمته لديوانه الديوان أوجد حالة من التوافق بين المسارين الكلاسيكي التقليدي الموروث وبين الحداثي الموجود، القصيدة الحداثية أيضاً لها أهميتها يعني لا يمكن أن يقلل من شعر مظفر النواب الثائر الذي ألهب مشاعر القوميين في فترة من الفترات ومثله أمثال.
* سماحة السيد: ماذا يحدث عندما يتقمّص الشاعر التقليدي دور الخطيب محاولاً إقناع جمهوره بفكرة أو قضية أو دعوة يرتبط بها، أو يتقمّص دور المعلم الذي يحرص على توصيل المعلومات إلى تلاميذه؟
لغة الشاعر ليست في هذا النسق تماماً، عندما يكون الشاعر هو الأستاذ وعندما يكون الشاعر هو المرشد وعندما يكون الشاعر هو الموجه اعتقد يوجد فصل بين شخصيته وبين شاعريته.
* وبالتالي تنقلب صورة الشاعر عما هي عليه....
حتماً يتحول إلى همزة وصل لا يمكن أن يصل لأكثر من هذا، ولا اعتقد أن شاعراً يقبل لنفسه فقط أن يشغل هذه المفردة المحدودة، ولا أجد مبرراً أن يوصف هذا الإنسان بأنه شاعر أصلاً.
* ننتقل إلى محور آخر وهو يرتبط بالحالة الأدبية في منطقة الاحساء والقطيف، سماحة السيد ما هو تقييمكم للحراك الأدبي في منطقة الاحساء والقطيف، وهل سيتمخض هذا الحراك عن ولادة شاعر كابن المقرب، وأمرؤ القيس، وووو....؟
بالنسبة لي المشهد الأدبي في منطقة القطيف ربما لا أكون على قراءة واسعة بحيثيات هذه المنطقة على الرغم من القراءات البسيطة فقد قرأت لبعضهم وقرأت بعضهم وسمعت أيضاً ولكن تبقى الصورة غير متكاملة لعدم تكامل المادة بين يدي أما فيما يرجع إلى منطقة الأحساء حيث أني ابن الأحساء اعتقد ولا زلت أصر على أن في وجدان كل فردٍ أحسائي مشروع شاعر.
* هذا الإحساس أو الاعتقاد وليد ماذا؟
أعتقد أنه وليد الواقع لأننا لا نجد إنساناً في الأحساء عندما يستمع إلى الشعر إلا وينصت للشاعر انصات المتلقي وتركيز المتلقي على حركات الشاعر وعلى نبرات صوت الشاعر وعلى إشاراته المرسلة يميناً ويساراً..
É وهذا مما يدلل على أن المنبر الحسيني له تأثيره على سليقة المستمع الأحسائي في استذواقه للشعر باعتبار كثرة المجالس التي لا تكاد تنقطع طوال العام. حتماً لذلك لو نفتش عن أي طائفة من طوائف بني البشر لا نجد طائفة مهيئة لقولبة الإنسان الشاعر كهذه الطائفة لأنه عندما يكون الطفل في سن الثلاث أو الأربع سنوات وهو مصطحباً بيد والده إلى مثل هذه المنتديات هذا في الأعم الأغلب لا يتأتى لأي مجموعة بل نقول أكثر من ذلك حتى للإنسان الشاعر والمجتمع الذي يعيش دائرة منتدى ضيقة في الأعم الأغلب هم لا يصطحبون أولادهم ولا يندفع الأبناء في اتجاه الحضور والمشاركة على العكس من ذلك عندما ننظر إلى الحسينية وهي المنتدى الأدبي الأوسع لأبناء الطائفة الطفل في حدود ثلاث سنوات وأربع سنوات يأتي إلى الحسينية بكل إصغاء وبكل توجه وكلنا يعلم بأن للشعر وقع السحر على المتلقي فإذا كان الطفل يتابع حركات ذلك الخطيب الذي يتغنى بأروع القصائد التي نظمت مدحاً أورثاءً في أهل البيت^ بطبيعة الحال تبرمج ذهنيته، وهذا ينجر على جميع أبناء الطائفة لا خصوص أبناء منطقة الأحساء ولكن قلت أنني أعيش هذا الواقع عن قرب ويرفده الكثير من الموروث الذي مع شديد الأسف لم يغربل لحد الآن أولم يرى عالم النور حتى يغربل، ولكن هذا الشيء موجود، الفلاح يتغنى بالشعر في مزرعته وحتى الناس الذين هم ربما لديهم شيء من التمرد على الإلتزام الديني أيضاً نجد أن هؤلاء يستظهرون مقاطع وإن كانت تحمل معاني الغناء واللهو إذاً هم يتغنون إذاً هناك مشاريع شعراء تتحرك في كل الشوارع الموجودة في هذه المدينة.
*إذاً ما هو سر التهجم على دور المنبر من قبل بعض المثقفين، إذا كان له هذا الأثر كما تفضلتم حتى على المستوى الأدبي؟
أنا اعتقد أنه يكمن في زاوية واحدة أن هؤلاء لم تترك لهم المساحة الكافية التي يتحركون على أساسها وأن هذه المساحة مجزئة ومصادرة من قبل رجال الدين فيما يعني المحراب ومنهم من يرى أيضاً أنّ الخطيب الحسيني ربما يمتلك آليات كافية للتغيير ولكن يجد أن المساحة أمامه واسعة بينما ذلك الإنسان الذي يفترض في نفسه مخزوناً ثقافياً وقدرة على التغيير يجد أمامه أبواباً موصدة فأقصر الطرق لا يمكن أن يسلكها هذا الإنسان إلا من خلال ارتداء لباس الدين ليصل لمثل هذه المواقع، اعتقد أنهم فقط ينطلقون من هذه الزاوية أنه لا توجد مساحات متحركة، لذلك أنا أقول أن بإمكان هؤلاء الأخوة المثقفين أن يوجدوا حالة الثقة بينهم وبين رجال الدين الذين هم يمتلكون القرار ولو بالموروث أفضل من أن ينأوا بأنفسهم وبالنتيجة تبقى المساحة لهؤلاء يعني كأنك أنت أعطيت النتيجة الغير المطلوب الوصول إليها بيدك تسليم يد بيد وهذا ما يقعون فيه لذلك نجد البعض من هؤلاء يبحثون عن الأماكن تحت ظلام الليل وفي أماكن ربما تكون أبعد عن المساس بالواقع الاجتماعي الذي يرغبون أن يحدثوا حالة التغيير فيه التغيير لا يتم من خلال الجلسات الليلية المغلقة المحصورة في ضمن بوتقة معينة أسماء وصور مكررة ومألوفة ثم بعد ذلك ماذا، أقول على هؤلاء أن ينزلوا للساحة أن يتقربوا أن يوجدوا حالة من الثقة التي ربما انعدمت بعض خيوطها في بعض الأحيان.
* هل نفهم من كلامكم سماحة السيد أن هذا اللوم أو النقد اللاذع من بعض المثقفين تجاه دور المنبر يجب أن يتوجه إلى المجتمع وليس إلى المنبر بما هو منبر، بمعنى أن المجتمع ينبغي أن يساهم في إعطاء مساحة لهؤلاء المثقفين لإبراز طاقاتهم.
قطعاً، وأنا لست مع من يحكم على هؤلاء بالأحكام التي وصف في الكثير منها قسماً من هؤلاء بالخروج من حظيرة الدين بلا مبرر، منْ نحن حتى نقول أن فلاناً إنسان متدين أو أن فلاناً متمرد من نحن حتى نصدر أحكاماً، اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل، وأبواب الجنان بيد رب الجنان وأبواب النيران أيضاً بيد رب النيران ولا نملك من مفاتيحها شيئاً.فالإنسان المثقف لا يغيب عن المشهد الحسيني غاية ما في الأمر لديه ملاحظات على مسار المشهد الحسيني باعتبار أن هذا الإنسان المثقف يعتقد في داخله أنه يمتلك من الثقافة ما لا يمتلكه ذلك الخطيب فهو يعيش حالة من المزاوجة ربما لا تنتج ولادة حميدة، هذا ربما يحصل قلنا ربما يحصل لا على إطلاقه ولكن ربما يحصل، ويحصل هنالك نفرة وربما أكثر من النفرة ربما اشغال موقع هجوم على من يعبر عنهم بالملتزمين أو الأئمة وما إلى غير ذلك، أقول أن خير دليل وخير شاهد على أننا لا نعيش انحرافاً فكرياً بسبب الحداثة في داخل مجتمعاتنا أن من يشار إليهم بالبنان على أنهم يحركون المشهد الثقافي في بعض مساراته لم ينفصلوا عن المسجد ولم ينفصلوا عن الحسينية ولم ينفصلوا عن المراسم التي تأخذ طابعاً دينياً في الداخل بل هم في عمق القضية غاية الأمر أنهم ينأون بأنفسهم عن التعاطي في بعض القضايا الفكرية التي يرون أنهم سوف يحاسبون ويعاتبون عليها وربما ينزل في حقهم الكثير من الأحكام التعسطية وإلا فهم لا يزالون في نفس الحظيرة يعني عندما نقيس نخبة من المثقفين الموجودين في داخل البلاد وفي داخل المجتمع الذي نعيش دائرته الضيقة بمثل الحداثيين الموجودين في إيران أيام الدكتور شريعتي وما لهم امتداد إلى اليوم أو نقيس هؤلاء بالحداثيين الموجودين في العراق الذين واكبوا المدرسة الشيوعية تارة وما ترتب عليها من الدعوة إلى القومية وما إلى ذلك اعتقد أن في هذا تجنٍ وظلم وفيه أحكام تعسفية لا أتصور كيف يواجه الإنسان منا اللهI على فرض أننا أصدرنا أحكاماً من هذا القبيل، ماذا عسى أن يقول الإنسان بين يدي الله؟
*هنالك من يتساءل عن دور الحوزة سواء في منطقة القطيف أو الأحساء، خصوصاً بعدما يشاع بأن هناك تعدد في الحوزات في المنطقة في تبني الساحة الأدبية على مستوى الوسط الحوزوي، بحيث نعيش سجال الشعر والأدب كما كان يعيشه طلاب المنطقة في النجف الأشرف.
اعتقد أن المشهد الأدبي في حدود رجال الدين كالحوزة أو أوسع من دائرة الحوزة هو أشبه بانعكاس الحالة الموجودة في النجف الأشرف فهو يقوى بها ويضعف بضعفها، يقال أن فاقد الشيء لا يعطيه وعلى ما أتصور أننا إذا أردنا أن نقرأ الشعراء في الوسط الحوزوي فهم اليوم قلة ومع شديد الأسف هم في تراجع أكثر بدليل أن البعض ممن يحسب على هذا المسار باتوا ينأون بأنفسهم لتقدم في السن أو لتقدم في مقام أو ربما يجد أن الشعر قد يكون دون...
* يعني هل وصلت الحالة في المنطقة إلى هذا المستوى، بحيث أن الشاعر يتجرد من شاعريته خوفاً من وصمه بأنه أديب....
هناك كثير من علمائنا يحملون شاعرية ويتسترون بألف ستار، ولهم شعرهم المكشوف وربما يتصور البعض أن السيد محمد رضا أكثر شعراء الحوزة انفتاحاً على هذا الجانب على العكس إن الفارق بيني وبين الآخرين يكمن في هذه الزاوية أنني لا أتحرج في أن أقرأ الشعر في أي منتدى ما دمت كتبت هذا الشعر، الإنسان لا ينكر أبناءه أنهم أبناء صلبيون له القصيدة هي أيضاً من هذا القبيل يعني شعور الإنسان بالقصيدة وتلقيه لها حين نجاحها عيناً كما يتلقاه عند نجاح الابن أو تفوقه بنفس النتيجة، ميلاد ديوان شعر يعني ميلاد طفل جديد في البيت هكذا الشاعر الذي يأتي على مجموعة من الأبيات ليسقط منها أو يسقط قصائد أحياناً هذا الشاعر كالذي يئد بناته {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ2])، يعني كالإنسان الذي يئد واحداً من أبنائه الشرعيين، أقول الذي يغيب في الساحة فقط عدم القدرة على عرض الإنسان لنفسه كما هي عليه يعني أن أقبل أن يقال عني العلامة كذا ولكن لا أقبل أن يقال عني أني أديب لأن عبارة أديب لا ترقى إلى عبارة العلامة بينما أنا أقول أن الإنسان العالم والأديب هو في موقع أفضل من الإنسان العالم؛ لأن الأديب يعني نظر الإنسان الفقيه من خلال زاوية الأدب يعادلها نظر الإنسان إلى السماء بالآليات الحديثة التي تستطيع أن تسلط الإنسان على أبعد المجرات الإنسان الفقيه غير الأديب لا يتعاطى حدود النص إلا في حدود قولبة ظاهرية بخلاف الفقيه الأديب الذي يمكن أن يسبر غوره كما يسبر الإنسان حركة الفلك من خلال هذا المسبار.
* إذا كان الأدب له هذا التأثير في التعاطي مع النصوص الشرعية فلماذا هذا التنصل من البعض في المجتمع الحوزوي عن الشاعرية؟
عدم الثقة في النفس عامل من العوامل وهذا ربما يكون مترتباً على أن الشاعر لا يعرف هويته وإلا عندما يشخص الإنسان هويته اعتقد أنه ينسلخ منها.
* إذا كنتم سماحة السيد ترون هذه الأهمية للشعر والأدب في تطوير مستوى الفقيه فما هو دوركم أنتم في ترسيخ هذا السجال سواء في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة ـ وأنتم ممن انتسب إليها ـ أو الحوزة العلمية في المنطقة؟
نحن بالنسبة للأحساء تصح المقولة القائلة: كيف [تبني]وخلفك ألف هادم، هذه العبارة بين قوسين كافية للإجابة على هذا السؤال.
* هذه النظرة السوداوية إن صح التعبير هل هي وليدة تجارب سابقة أم أنه قراءة لما بين السطور؟
لا اعتقد أن ثمة مكان أفضل مما هو موجود بل نحن لا نطمح في وجود مكان أفضل مما هو الموجود وأيضاً جميع الإمكانيات مسخرة والقدرات مهيئة غاية ما في الأمر رمزية المشهد في داخل الساحة ربما تمنع من لا يشغل الرمزية في جهات معينة من المشهد من الوصول إلى عمق المشهد يعني مثلاً أنا إنسان أرغب في إقامة أمسية شعرية في داخل أروقة الحوزة ربما أكون ملزماً أدبياً في أن أتقدم بالدعوة لمن يشغلون الساحة الأدبية بما هي ساحة أدبية ولهم اليد الطولى في هذا المجال أمثال الأستاذ الصحيح والأستاذ ناجي الحرز والأستاذ الحرابة وغيرهم ربما تكون هناك تقاطعات يعني المشكلة مشكلة تقاطعات، يعني المفارز التي توضع في الطرق، كان هناك سعي لإيجاد مشروع ملتقى أدبي ملتزم في المنطقة ولكن لم يكتب له النجاح.
*سماحة السيد أنتم كنتم من المسئولين في الحوزة خصوصاً في الجانب التعليمي فلماذا لم توجدوا المناخ الملائم للطلبة كإدخال بعض المواد في المنهج التعليمي بما يخدم الساحة الأدبية في المنطقة؟
الحوزة الآن تورمت من حيث المواد المطروحة فأنا اعتقد أن هناك حالة من التخمة في المواد وبالتالي فإن حشر عناوين جديدة في داخل برنامج الحوزة اعتقد أن فيه تضييع وتشتيت لجهود الطالب، الذي أراه مفيداً في الوقت الراهن هو إيجاد أمسيات في داخل الحوزة تتبناها الحوزة تستضيف رموز الأدب سواء كان من الأحساء أو من خارج الأحساء ويحصل هنالك تلاقح وعرض النتاج الشعري وقتئذٍ يمكن أن نصل، لكن مع الأسف أن أفضل حالة موجودة عندنا هو ما يتمثل بمهرجان الزهراء÷ السنوي وهو محصور على فئة من رجال الدين ولذا القصيدة تلقى وتنسى.
* ما هي مشاريعكم المستقبلية على مستوى الساحة الأدبية؟
أنا لا زلت مصراً على إقامة منتدى الأدب الملتزم وسوف أسعى جاهداً أيضاً لإقامة أمسيات ذات حراك ومساس مباشر بالساحة الأدبية وأيضاً إذا وفقنا اللهI سوف نوجد مكتبة تعنى بموروث الأحساء الأدبي سواء كان المخطوط الذي يعيش في جنبات بعض البيوتات أو في صدور بعض كبار السن الموجودين من علماء وغيرهم ومحاولة البحث والتنقيب عن بعض الإنتاج الأدبي الذي ما زال مطوياً عند بعض المعاصرين.
* تعدد الحوزات في المنطقة لماذا لا يكون لبنة في هذا الجانب بحيث نوجد حوزة متخصصة تعنى بالشأن الأدبي ومع مرور الزمن يصبح لدينا جيل حوزوي يحمل الشاعرية بين جوانبه.
طبعاً إيجاد أكثر من حوزة حالة صحية، ولكن أعود إلى ما تمت الإشارة إليه وهو أن نفس العامل يكون هو حاكم الموقف وهو أن فاقد الشيء لا يعطيه إن لم يكن على رأس الهرم ولا أقل ممن يتحركون ضمن دائرة رأس الهرم ممن يحملون الشاعرية وممن يميلون إلى جانب الأدب وممن يقرؤون الأدب قراءة صحيحة وإلا إذا كان الملاك هو قول الشافعي:
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
إذا كان هذا الهاجس يطارد المعممين ورجال الدين فاعتقد أن القافلة سوف تراوح مكانها ولن تأخذ مسارها بعيداً.
* صدى الذكريات، أنفاس القلب، أرقام خمينية، إشراقات فاطمية، وماذا بعد؟
بالنسبة لي اعتقد أن الأدب هي قضيتي الأولى، الكثير من الإخوان ربما يقول لماذا يغيب الوجه الآخر من السيد محمد رضا لصالح الأدب، أقول لماذا لا نقرأ هذه الزاوية من شخصية السيد محمد رضا كما ينبغي، لكل إنسان ميول وباعتقادي أن بقاء الإنسان في حدود أروقة الحوزة العلمية لتعاطي السعي بين الصفا والمروة من البيت إلى الدرس وبالعكس ر
جديد الموقع
- 2026-04-04 افراح العباد اتهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*