2026/03/16 | 0 | 245
الاعتكاف فرارٌ إلى الله
يمرّ الزمان بما يحمل من أيامٍ وشهورٍ وسنوات، وهي تُحسب بالثواني والدقائق والساعات، وتمتلئ بما تحمله من أشغالٍ وظروفٍ على مستوى الفرد والعائلة والمجتمع والعالم. وقد أصبح العالم، كما يقال، قريةً واحدةً بسبب برامج التواصل الاجتماعي؛ فالعلم في كفّك.
ومع تسارع الزمان يجد الإنسان نفسه وقد هلَّ شهر رمضان المبارك، وقد سبقه شهر رجب الأصبّ الذي زُرعت فيه بعض التوجهات، وخلال شهر شعبان يجد أنها قد نمت وتهيأت نفسه لتلقّي الفيوضات، فيستمع إلى المناجاة الشعبانية المروية عن الإمام علي (عليه السلام):
«إلهي، وقد أفنيتُ عمري في شِرَّةِ السهو عنك، وأبليتُ شبابي في سكرة التباعد منك. إلهي، فلم استيقظ أيام اغتراري بك وركوني إلى سبيل سخطك».
ومع إعلان نهاية شهر شعبان ودخول شهر رمضان المبارك يطرق سمعه خطاب النبي (صلى الله عليه وآله) في آخر جمعة من شهر شعبان:
«أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة؛ شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات. هو شهر دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله».
وهنا يتغيّر الزمن، وتتبدل الأيام والليالي، فتهبّ نسمات التوجه إلى الله، وتجعل الأيام أكثر قربًا منه سبحانه، في قراءة القرآن الكريم.
روي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) قال: «لِكُلِّ شيء ربيع وربيع الْقُرْآن شَهْرُ رَمَضَانَ»، والدعاء، وحضور مجالس الذكر، ودعوات الإفطار، والعطف على الأسر والأيتام والأقربين، طلبًا لنيل رضا الله.
كما يتبادل الجيران الأطباق فيما بينهم، وتوضع في المساجد الخيرات من تمرٍ وماءٍ ولبنٍ لتسدّ رمق الجوع، وتهيّئ المصلين وأصحاب الأمراض المزمنة كي لا يتأخروا عن الإفطار.
ومع ذلك، قد يمرّ الشهر على بعض الناس وهم في وظائف أو أعمال خارج مناطقهم، فيُحرمون من بركة العائلة والالتحاق بالبرامج المتوفرة منذ بداية الشهر. ولذلك تم توفير برنامج الاعتكاف على مستوى المنطقة في العشر الأواخر، وتُحدَّد ثلاثة أيام كأقل مدة.
ونتذكر وصية النبي (صلى الله عليه وآله) للإمام علي (عليه السلام): «يا علي، ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا: لقاء الإخوان. وتفطير الصائم. والتهجد في آخر الليل».
ومن يجد في نفسه القدرة ويستطيع تهيئة الظروف يلتحق ببرنامج الاعتكاف في أي مسجد، فيجد لقاء الإخوان، وتتحقق المساهمة في الإفطار والسحور، ويعيش أجواء التهجد والذكر. ويتذكر الذكر اليونسي، وهو الدعاء المقتبس من الآية (87) في سورة الأنبياء: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
كما يتذكر عبارة من دعاء الصباح لأمير المؤمنين (عليه السلام): «إلهي، كيف تطرد مسكينًا التجأ إليك من الذنوب هاربًا؟ أم كيف تخيب مسترشدًا قصد إلى جنابك ساعيًا؟ أم كيف تردّ ظمآن ورد إلى حياضك شاربًا؟».
ويتحقق القرب والتوجه إلى الله بكل الجوارح من عبادةٍ وصلاةٍ وتسبيحٍ وتهليلٍ ودعاء، ولا يفتر اللسان عن الصلاة على محمد وآل محمد. ومن مناجاة المريدين المروية عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «سبحانك، ما أضيق الطرق على من لم تكن دليله، وما أوضح الحق عند من هديته سبيله. إلهي فاسلك بنا سبل الوصول إليك، وسيرنا في أقرب الطرق للوفود عليك، قرّب علينا البعيد، وسهّل علينا العسير الشديد، وألحقنا بعبادك الذين هم بالبدار إليك يسارعون، وبابك على الدوام يطرقون، وإياك في الليل والنهار يعبدون».
وعلينا أيضًا أن نتذكر فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي المروي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني، وإن كنت بطيئًا حين يدعوني. والحمد لله الذي أسأله فيعطيني، وإن كنت بخيلًا حين يستقرضني. والحمد لله الذي أناديه كلما شئت لحاجتي، وأخلو به حيث شئت لسرّي بغير شفيع، فيقضي لي حاجتي».
وهنا يحلو الحديث مع الخالق عز وجل، ويبدأ حديث الوجدان، ويتكلم القلب بالعاطفة والمحبة والقرب من الله رغم كثرة الأخطاء والذنوب: «إلهي وسيدي، إن كنت لا تغفر إلا لأوليائك وأهل طاعتك، فإلى من يفزع المذنبون؟ وإن كنت لا تكرم إلا أهل الوفاء بك، فبمن يستغيث المسيئون؟ إلهي، إن أدخلتني النار ففي ذلك سرور عدوك، وإن أدخلتني الجنة ففي ذلك سرور نبيك، وأنا والله أعلم أن سرور نبيك أحب إليك من سرور عدوك».
وأخيرًا، يحقق الاعتكاف برامج ثقافية وتوعوية، ويتيح التعرف على أصحاب التخصصات الطبية والهندسية والطلاب من مختلف الأعمار والتجارب في الحياة، مما يزيد علمًا ومعرفة، ويمنح خريطة طريق لبعض التجارب. كما تجد محبّي القرآن الكريم والدعاء والصلاة.
ويأخذ بعض المعتكفين زاوية من المسجد أو ركنًا بعيدًا عن الأنظار، فلا يفتر عن الذكر والتسبيح، ويجعل من وقته ميزانًا يضبط به ساعاته، فكل دقيقة وثانية مملوءة بما يرضي ربه.
ويترك خلفه همومه وظروفه، كأنه يقول:
توقّف يا زمن، دعني أشحن طاقة روحية ونفسية، وأتعرف على أهل الفضل. ويقوم القائمون على الاعتكاف بتوفير الأجواء المريحة للمعتكفين، فيقولون له: دع عنك همّ الطعام والشراب ومكان النوم، فسنوفر لك كل أسباب الراحة، وما نريده منك فقط أن تتوجه إلى الله بكل جوارحك، وألا تنسانا والمؤمنين والمؤمنات من الدعاء.
وتمضي الأيام الثلاثة كأنها برق خاطف.
فهل شُحنت الروح حقًا؟ أم فرّط الإنسان فيها بما يعكّر صفو العبادة؟ وتذكّر أن الفرص تمر مرَّ السحاب. والله يحفظ الجميع ويحمي العباد والبلاد. والسلام ختام، نحو برامج التغيير والحفاظ على مكتسبات الاعتكاف من الصلاة في وقتها، وقراءة القرآن الكريم، والدعاء والذكر، والصلاة على محمد وآل محمد.
جديد الموقع
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية
- 2026-04-01 لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
- 2026-04-01 أفراح الخميس والثواب تهانينا
- 2026-04-01 كيف وصف روائي بدقة الهبوط على القمر