أقلام وكتابات
2007/09/01 | 0 | 780
شعبان شهر الرقي والكمال المعنوي
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا}(نوح:10) صدق الله العلي العظيم.
أثر أعمال شهر شعبان.
شهر شعبان شهر رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا بد أن نُذَكِّرَ أنفسنا بأهمية بعض الأعمال الواردة في هذا الشهر الفضيل، بفهم ٍركّز عليه أهل البيت عليهم السلام، يظهر من خلال الجمع بين الأعمال الواردة والتوجيهات الأخلاقية لهم عليهم السلام، وحتى نفهم التأثير الإيجابي لما ورد من أعمال لابد أن لا نَقرأ العمل وحده، وإنما ننظر إليه مع ما ورد من توجيه أخلاقي عن أهل البيت عليهم السلام.
أهم مستحبات شهر شعبان.
في شهر شعبان وردت مجموعة من الأعمال جدُ هامة، وذات تأثير عظيم على الإنسان، فرداً كان أو مجتمعاًً، أهمها أمران:
الأول: الاستغفار.
الاستغفار في اللغة: طلب المغفرة من الله بالستر على الذنوب والخطايا، ومعنى ذلك أنّ المستغفر يَجِدُ كادحاً في تغطية عيوبه طالباً من الله تعالى أن يغفر له، ويحاول أن يتلافى الأخطاء كي لا تصدر منه في المستقبل، ويقلل التأثير السلبي للذنوب التي صدرت منه في الماضي، ويتلافاها بأعمال تُغطي على تبعاتها، هذا معنى الاستغفار كما ورد في الروايات عن أهل البيت عليهم السلام.
الثاني: الصدقة.
وهي من الأعمال الواردة في شهر شعبان، فقد ورد أنّ الإمام الصادق عليه السلام سُئل عن أفضل الأعمال في هذا الشهر فأجاب عليه السلام: ‹‹الصدقة والاستغفار››، أما الاستغفار فقد أوضحنا معناه آنفاً، وأما الصدقة فهي الإحسان إلى الغير، كما أنّ الاستغفار إحسان إلى النفس.
الأعمال الشعبانية إصلاح للنفس والمجتمع.
ولفهم معنيي الصدقة والاستغفار يحسن أن نلتفت إلى المعروف والإحسان للنفس والغير، فالاستغفار إحسان إلى النفس بنحوٍ مباشر، فمن يستغفر يتلافى خطاياه وذنوبه بنحو مباشر، وبالتالي يُحسن إلى المجتمع بنحو غير مباشر، أما الصدقة فهي عكس الاستغفار، إحسان إلى الغير بنحو مباشر، وإحسان إلى النفس بنحو غير مباشر، وقد ربط الإمام الصادق عليه السلام بين الإحسانين، المباشر إلى النفس بالاستغفار وغير المباشر إلى الغير بالصدقة، وهما إحسانان إلى النفس وإحسانان إلى الغير، وجُلّ ما ورد في شعبان عندما يُنظر إليه بنظرة تأمل يصب في هذا المسار، بمعنى أنّ الإنسان يحسن إلى نفسه من ناحية، ويحسن إلى الغير من ناحية أخرى، فقد ورد في المناجاة الشعبانية ما يرتبط بالإحسان إلى النفس والإحسان إلى الغير.
في رحاب المناجاة الشعبانية.
والمناجاة الشعبانية دعاء لكل الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، فجميع الأئمة من أهل البيت عليهم السلام يناجون الله تعالى بهذه المناجاة، ‹‹إلهي قد جُرْتُ على نفسي في النظر لها، فلها الويل إن لم تغفر لها. إلهي لم يزل برك عليّ أيام حياتي فلا تقطع برك عني في مماتي. إلهي كيف آيس من حسن نظرك لي بعد مماتي. وأنت لم تُولني إلا الجميل في حياتي. إلهي تول من أمري ما أنت أهله. وعُد عليّ بفضلك على مذنب قد غمره جهله››، هذا المقطع في غاية الجمال والأهمية، فالداعي يقول: ‹‹إلهي قد جرت على نفسي في النظر لها››.
ظلم النفس مبدأ الظلم.
الإنسان عندما يظلم ويجور، فمركز ظلمه ينبثق من نظره إلى نفسه، فعندما ينظر إليها فذلك مصدر الجور على ذاته وعلى الآخرين، فإذا أراد أن لا يكون ظالماً عليه ألا ينظر إلى نفسه، وإنما ينظر إلى الله تعالى، حيث يجعل وجوده عبداً للحق تعالى، وفي نهاية المقطع نلحظ أنّ الداعي يقول: ‹‹إلهي تول من أمري ما أنت أهله، وعُد علي بفضلك على مذنب قد غمره جهله››.
أساس الظلم.
والجهل هو الأُس الذي يجعل الإنسان ينظر إلى نفسه، فينشأ لديه الكبر والغرور من نظره إلى نفسه، فإذا أراد أن لا يتكبر ولا يغتر فعليه أن لا ينظر إليها، وإنما ينظر إلى الباري تعالى، وحتى من وجد لنفسه كمالاً فعليه أن لا ينظر إليها، إذ منشأه الحق تعالى.
حقيقة الكمال المعنوي.
وحتى يتضح هذا ويرتبط بالمفردتين اللتين ذكرناهما، الصدقة والاستغفار، نشير إلى أنّ الفلاسفة ذكروا أنّ كمال كل شيء بظهور خواصه وآثاره، فكل شيء لا يكمل إلا بترتب آثاره عليه، وكمال الإنسان يتأتى بخاصتي الأُنس والمحبة، وأعظم ما يتنافى مع هاتين الخاصتين، الكبر والغرور، فمن نظر إلى نفسه ووجوده كوجود أفضل وأعظم من الغير، سوف يغتر ويتكبر، فيجور على الغير، ويتعدى على حقوقه، ويتاح للإنسان أن يظهر خواصه التي تحقق كمال ذاته بإظهار الأنس والمحبة، فيصبح لَبِنة في مجتمع متعاون يأخذ بعضه ببعضه الآخر، ويسوده السلام والمودة، ويصبح المجتمع - كما يقول العلماء - كمجتمع النمل والنحل في تعاونه، فهذان المجتمعان متعاونان، وتعاونهما غريزي، نشأ من الحب والأنس، والإنسان لديه الحب والأنس، وهما منحة إلهية، لكنه يغطي عليها بالتبعات، من الجور والكبر والغرور بنفسه، حتى يصبح غيره منظوراً إليه بنظرة دونية، ليس له كرامة عنده، وفي شهر شعبان هناك تركيز على الأعمال المُؤهِلة للإنسان للدخول في شهر رمضان، ليصبح محبوباً لله، ومحباً للغير، محسناً لنفسه ولغيره، غير ناظر إلى نفسه نظرة تقطع حبل المودة والأنس بينه وبين غيره، وهذا المعنى المشار إليه أكدته دراسات لكبار العلماء والأخصائيين، تشير إلى أنّ كمال الإنسان بأنسه ومحبته. وأنّ إحسانه إلى الغير ينبثق عن أنسه ومحبته، وما يؤثر سلباً على الأنس والمحبة هو الكبر والغرور، ولا يتحقق كماله الذاتي إلا بإدراكه لعيوبه، وتلافيه المستمر لها، فلدى الإنسان الاستعداد للكمال، لأنّ الله تعالى فطره عليه، وهو محب له في ذاته ومحب له عند الآخرين.
موانع الوصول إلى درجات الكمال.
وما يمنعه من الوصول إلى الكمال هو الكبر والغرور، ولإيضاح هذه الحيثية بالذات نلاحظ أنّ الإنسان إذا أخطأ ونُبِّه على خطئه بنحو مباشر لا يقبل ويدافع بضراوة عن ذاته، ويُورد العشرات من الأدلة والمبررات على أنّ ما صدر منه عين الصواب، ويحاول أن يُخطِّئ المنتقد له، ويعود السبب إلى وجود كبرياء شخصيته، فلا يسمح بتناول ذاته بالنقد، لغروره الذاتي، بينما لو جاءه من يحبه ويحسن إليه، فنقده وأبان له خطأه تجده على أتم الاستعداد ليُبدل ما صدر منه من خطأ إلى صواب، والفارق بين نقد من لا ينسجم معه وبين النقد الصادر ممن يحبه هو وجود الكبرياء في شخصيته وذاته، فلا يسمح بنقد من لا ينسجم وإياه ويحاول جاداً أن يتعدى على شخصيته ويكيل الصاع صاعين، فالكبرياء والغرور في الشخصية لا يسمحان بتلافي الخطأ وقبول النقد ممن لا يُحبه ولا يأنس به، والعكس من ذلك فمن يحبه يفتح قلبه عليه ويأنس به، وهذا الفارق أشار إليه بعض العلماء، كالبروفسور روبنسون في كلمة رائعة: (إننا كثيراً ما يتفق لنا أن نبدل كثيراً من أفكارنا أو أعمالنا من دون أي قلق أو اضطراب ولكننا إذا أطلعنا أحد على خطأ أو زلة وجدنا في أنفسنا ثورة توقفنا أمام هذه النسبة موقف الدفاع، إننا نتقبل العقائد بكل سهولة، ولكننا إذا أراد أحد أن يسلبنا عقيدتنا وقفنا أمامه موقف المدافع المتهور، بينما لا نجد علاقتنا بأصل عقائدنا بهذه المتانة والقوة، ولكننا نرى عواطفنا وأحاسيسنا إذ ذاك في خطر عظيم، لو قيل لنا: إنّ ساعتك تتأخر أو إنّ سيارتك قديمة الطراز نتألم تألماً لا نتألم بمثله فيما لو قيل لنا أنّ معلوماتك عن جداول المريخ أو نوعية حضارة الفراعنة في مصر خاطئة).
طريق الوصول إلى الكمال.
شهر شعبان مدرسة لكمال شخصية الإنسان بإحسانه إلى الغير من ناحية وإحسانه إلى نفسه من ناحية أخرى، وهذا يتوقف على أن لا ينظر إلى نفسه ليكون جائراً عليها، وينعكس بجوره على الآخرين، كما في المناجاة الشعبانية، ‹‹إلهي قد جرت على نفسي في النظر لها، فلها الويل إن لم تغفر لها››، فالعاقبة أن يكون مصير الإنسان إلى - الويل - وادٍ في جهنم، وفي المناجاة أيضاً ‹‹وعد علي بفضلك على مذنب قد غمره جهله››.
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء