2007/08/25 | 0 | 849
العدل بين النظريات الحديثة وشمولية الإسلام
معنى العدل
العدل أو العدالة عندما تطلق فمفهومها واضح لدى الناس جميعاً، فهو ضد الجور والظلم، فالإنسان العادل هو الذي لا يظلم غيره ولا يظلم نفسه، فالعدالة من ناحية المفهوم هي أمر بديهي يدركه كل الناس، فإذا كان لديّ مال وصُرت مسؤولاً عن توزيعه فإنْ كنتُ عادلاً قسمته بالسوية، أما إذا كنت ظالماً ومجحفاً فإنني سأُعمل الهوى في هذه القسمة، فأعطي قسماً من الناس أكثر من آخرين، وهذا يتنافى مع العدالة التي أوضحها القرآن، فمفهوم العدالة الذي ألمحت إليه من الناحية الاقتصادية في توزيع الثروة، لا يعني أنّ العدل مقتصر على هذا المعنى، وإنما هو مفهوم عام يشمل الصعيد العلمي والثقافي والفكري وهلم جرا، ففي كل مفردة من المفردات يمكن للإنسان أن يمارس جوراً وظلماً، ويمكن أن يمثل العدل في العمل الذي يقوم به ويصدر عنه.
النظريات المختلفة في العدل
أشرنا آنفاً إلى أنّ هناك اختلافاً لدى الناس في العدل، ويمكن أن نوجز هذا الاختلاف في أربع نظريات:
- الأولى: العدل في الآراء المحمودة
الفلاسفة والمفكرون لديهم نظريتهم الخاصة في مفردة العدل، فبعضهم يقول: إنّ العدل هو من الآراء المحمودة، والرأي المحمود، هو الذي يستحسنه الناس، كالآداب العامة، فالصغير لابد أن يحترم الكبير ويُقدره، وكذلك، الكبير لابد أن يعطف على الصغير، فهذا النحو من الآداب العامة يصطلح عليها بأنها آراء محمودة.
- الثاني: العدل معنى مختلق لا واقع له
قسم آخر من المفكرين يقول: إنّ العدل مفهوم مختلق، لا واقعية له، وليس من الآراء المحمودة، وإنما هو من جملة المطالب التي ابتكرها الضعفاء لأجل جلب العطف من لدن الأقوياء، فالعدل أشبه بالخدعة التي ابتُكرت من قبل الضعفاء لجلب الأقوياء كي يعطوهم حفنة مما يمتلكون، وإلاّ لو نظرنا إلى العدل كمفهوم، لا يتسم بأي واقعية من الواقعيات، وهذه النظرية يتبناها بعض المفكرين والفلاسفة في أوروبا وعلى رأسهم - فردريك نيتشه - الفيلسوف الألماني، الذي يقول: (طالما أضحكتني بعض الكلمات التي تتردد على ألسنة بعض الناس ومن جملتها العدالة، التي لا واقعية لها أصلاً وإنما هي مفهوم مختلق)، فالعدل مفهوم ابتكره واصطنعه الضعفاء لكي يعطفوا قلوب الأغنياء والزعماء والأقوياء عليهم فيعطوهم بعض ما يملكون، وإلاّ فالعدل لا واقعية له.
- الثالث: العدل في تطبيق القانون فقط
بعض الفلاسفة في العصر الحديث - برتراند رسل - يعتبر العدل لا واقع له، وأنّ الحاجة إليه في تطبيق القانون فقط، وأما إذا كان القانون يسري ولو بالقوة، فلا حاجة للعدل، فالحاجة إلى العدل ناشئة من طبيعة الناس، ففي الغالب نجد الناس يتساوون في القدرات، فقُدرتي مساوية لقدرتك، فلا تتفوق عليّ في القدرات التي تمتلكها، وأنا أيضاً لا أتفوق عليك، فإذا لم نُحكِم العدل بيني وبينك كقانون متفق عليه، فإنّ شريعة الغاب هي التي تحكمنا، فلو جاء شخص واعتدى على سيارتك فأخذها، وأنت بالمقابل، جئت وأخذت سيارته، وهكذا، سوف يُفتح الباب مشرعاً لاعتداء بعض الناس على البعض الآخر، فتصبح الحياة غير منضبطة، ويكثر فيها الهرج والمرج، فلأجل الانضباط في الحياة لا بد من العدل، وإلا فالعدل في نفسه لا يتصف بالواقعية، لكن الحاجة للعدل من أجل الانضباط في القانون، ولو لم يكن هناك قانون وانضباط أصلاً فلا نحتاج إلى قضية العدل، فلو كان هناك أحد الأقوياء الذين لا يمكن أن يُتعدى عليهم استولى على سيارتي دون رضاي، فالنظرية تقول: لا حاجة للعدل هنا، لأنّ العدل يكون بين من يتساوون في القدرات، كالدولة التي تتساوى مع دولة أخرى في قدراتها، أو الأفراد المتساوون في القدرات، فهؤلاء يحتاجون إلى تحكيم وإجراء قانون العدل، لكن عندما يكون القوي قوياً مطلقاً بحيث لا يستطيع أحد أن يمس حرمته، فلا يحتاج إلى تحكيم قانون العدل، لأنّ جميع ما يصدر منه وفق الأمور الطبيعية، التي تسري على الضعيف شاء أم أبى.
الرابع: العدل هو من فطرة الإنسان.
العدل في الإسلام جسده أهل البيت عليهم السلام فكراً وسلوكاً، بدءاً بالنبي صلى الله عليه وآله ومروراً بالإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى الإمام المهدي عليه السلام، فهذا العدل يختلف عن العدل في النظريات التي استعرضناها، إذ أنّ العدل هنا فطرة فطر الله تعالى الناس عليها، كما فطر البشرية على حب العلم والمعرفة، فتجد كل الناس يبحثون ويتطلعون للتعرف على الواقع المجهول، وكذلك، الباري تعالى فطرهم على مجموعة من الغرائز، كالجوع فيحتاجون للأكل أو الجنس، الذي يتطلب إشباعاً، فهذه الغرائز فطرية، والله تعالى كما يظهر من آي الذكر الحكيم والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام فطر الخلائق على العدل كما فطرهم على مجموعة من الغرائز، فكل إنسان إذا خُليَّ وفطرته يُحب العدالة.
العدل بين النظرية والتطبيق
فالإنسان بفطرته محب للعدل بقلبه، لكنه لا يطبقه في عمله وسلوكه، وهذه المشكلة والمفارقة تعود إلى انحراف الفطرة، إذ أنّ الإنسان في عالم الطبيعة دائماً يحاول أن يسير نحو الكمال فيظن أنّ الكمال هو التفوق على الغير ولا يتحقق إلاّ بالظلم، فإذا ظلمت الغير واغتصبت حقوقه فأنت أقوى منه، وكان هذا مبدأً في المجتمع القرشي، من خلال شعار، ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ﴾(طه:64)، وهو شعار فرعوني يرى أنّ العلو والاستكبار على الآخرين يُمثل الجمال والكمال. وصحيح أنّ العلو يمثل جمالاً إذا لم يكن ناشئاً من ظلم الغير، وإنما كان بتفعيل قدرات الإنسان الذاتية التي يشير إليها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾(الحجرات:13)، فهذا العلو والتفوق يمثل جمالاً بالتقوى، وليس بالظلم، الذي يمثل تسافلاً وسقوطاً من الناحية الإنسانية.
الحاجة إلى العدل
العدل في الفكر الإسلامي - خصوصاً - المستنبط من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، الذي تبلور بشكل كامل هو فطرة الله تعالى، التي فطر الناس عليها، وهناك عشرات بل مئات الأحاديث التي تتحدث عن العدالة، على الصعيد الفقهي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فإمام الجماعة الذي نصلي خلفه في فكر أهل البيت عليهم السلام لابد أن يكون عادلاً ومنضبطاً سلوكياً وفق القانون الإلهي، وكذلك مرجع التقليد والقاضي لا بد من توافر العدالة لديهما، وهذا جزء من فهمنا للإسلام كدين للفطرة، وهناك العديد من المفردات التي نحتاج فيها إلى العدالة كجزء من تطبيق القانون عبادياً أو سلوكياً.
العدل في عصر الإمام المهدي عليه السلام
إذا تعرفنا على العدل كفطرة أُودعت في كل أفراد البشرية، فالإنسان لو خُلي مع طبعه سوف يميل بفطرته إلى العدالة، التي تحكم كل المجتمع البشري، لذا، نرى قسماً كبيراً من الأحاديث الواردة في الإمام المهدي عليه السلام تقول: ‹‹يملأ الأرض قسطاً وعدلاًَ››، فهو عليه السلام مطبق العدالة، ليس في المجال الاقتصادي، الذي قد يقوم به أي شخص، وإنما سوف تكون عدالته في جميع المجالات، كالإعلامية والثقافية والفكرية والعلمية والاجتماعية، فتطبيق العدالة في عصر الإمام المهدي عليه السلام يكون في كل مفردات الحياة، فكلمة (يملأ) في الأحاديث لا تعني صعيداً أو مجالاً واحداً، بل تشمل جميع الأصعدة وفي جميع المجالات، ‹‹يملأ الأرض قسطاً وعدلاًَ››، فلا يبقى للظلم معنى في عصر ظهوره عليه السلام ، بل، سوف يقوم بتبديل المفاهيم الخاطئة، وترسيخ العدالة كفطرة للإنسانية ومطلب سماوي يحقق الهدف والغاية من جميع الرسالات التي جاء بها أنبياء الله تعالى عبر التأريخ الطويل للإنسان، ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ - القانون والدستور الواضح - وَالْمِيزَانَ - الذي يزنون ويقيسون به - لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾، فالميزان يمثل القانون، الذي يهدف إلى إيصال المجتمع البشري، ويجسد هذه الطبيعة الكامنة في ذاته، وهذا ما أبانه إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام في كلمته الرائعة التي تشير إلى الغاية من بعث الأنبياء والرسل، ‹‹ليثيروا دفائن العقول››، أي، أنّ هناك ركاماً حدث بسبب الظلم والإجحاف الذي اجتاح المجتمع البشري من خلال الأهواء والنظريات والتطبيقات الخاطئة للعدل، فيأتي الأنبياء والرسل، ‹‹ليثيروا دفائن العقول››، فيزيلوا تلك الشوائب والركام، ليرجع العقل إلى نوره ورؤيته للحقائق.
نقد النظريات في العدل
فالنظرية التي جاء بها (نيتشة) أو (برتراند رسل) ليست صحيحة، فهي لا تُرسخ الظلم والإجحاف بين الشعوب فحسب، بل تؤدي إلى امتصاص دماء الشعوب المستضعفة على حساب شعوب أخرى مستكبرة ومستعلية.
العدل الحقيقي في الإسلام
العدالة التي طرحها الإسلام تجسيد للعدل الحقيقي، المستقى من فكر أهل البيت عليهم السلام، فليس الإسلام هو الذي يتشدق به بعض الظالمين دون تطبيق من الناحية العملية، وإنما الإسلام والعدل، ما يجسده الإمام المهدي عليه السلام في دولته المباركة، وهو المطلب السماوي، الذي جاء به الأنبياء، ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾(التوبة:33).
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء