2011/02/03 | 0 | 900
الشيخ العمري عطاء لا ينفد
العلماء ورثة الأنبياء
العلماء ورثة الأنبياء، و قد أعطى الله تعالى بعضهم مزيداً من فضله وأغدق عليه وافر عطائه، فتميز بعلمه الواسع أو بخدماته التي قدمها فأثرت تأثيراً كبيراً فكانت له لمسات واضحة، ومن العلماء الذين حباهم الله بفضله وأغدق عليهم من عطائه وكانت لمساته واضحة العلامة الشيخ محمد علي العمري (يرحمه الله)، فدوره بارز وخدماته كبيرة.
السيرة العلمية للشيخ العمري.
هاجر الشيخ إلى النجف الأشرف منذ صغره، وتتلمذ على كثير من جهابذة المذهب، وعلماء الشريعة كالحجة السيد باقر الشخص، والعلامة الشيخ محمد تقي الفقيه، وآية الله الشيخ حسين الحلي، والمحقق النائيني وغيرهم، فهو من أتراب السيد الخوئي (قدس الله نفسه الزكية) في التلمذة على بعض الأفذاذ، غير أنّ الظروف لم تتح للشيخ العمري مواصلة مشواره العلمي.
التفرغ للخدمة الاجتماعية
إنّ بعض العلماء يتصدى للتبليغ ويمارس دوره الاجتماعي بينما يواصل بعضهم مساره العلمي، و يمزج بعضهم بين الجانبين فيتصدى للدور الاجتماعي دون انقطاع عن مساره العلمي، فالسيد الخوئي (يرحمه الله) تمحض للجانب العلمي، والشيخ العمري تمحض للجانب الاجتماعي وترك التحصيل العلمي واقفاً نفسه لخدمة مجتمعه.
الجانب الجهادي في حياة الشيخ
بينت الروايات أهمية العالم الذي يمحور نفسه لخدمة المجتمع كالشيخ العمري (يرحمه الله)، وبذلك كان مورداً للطف الله تعالى وتأييد الأئمة (عليهم السلام ) خصوصاً مولانا صاحب العصر (عجل الله فرجه) باعتبار أنّ الناس طيف متعدد ومن وضع نفسه في خدمتهم فهو في مرمى المدفع، يحتاج إلى صبر كبير كالأنبياء، لأنّ الناس يقرؤون شخصيته بقراءات مختلفة، وكل منهم يفسرها من زاوية تختلف عن التفسير الآخر.
عقبات في طريق الشيخ.
مَحّض الشيخ العمري (يرحمه الله) نفسه للجانب الاجتماعي في زمان احتاج إليه، عندما كان السلفيون في غاية التشدد في المدينة المنورة بالخصوص، فكان أكثرهم يؤمن بالرأي الواحد فقط، ولا زال قسم منهم يرى رأيه صواباً مطلقاً ورأي غيره خطأً مطلقاً، فتحمل الشيخ الكثير من تشددهم، وصبر على كثير من أذى الناس، وقد حُكِمَ عليه بالإبعاد أكثر من مرة إلى جزيرة فراسان -جزيرة في البحر الأحمر- فسجن وأبعد بسبب ما كتبه المتشددون من السلفيين عليه، وكانوا يصدقون لقربهم من الدولة .
دقة الشيخ في معالجة الأمور.
لقد تحمل الشيخ (يرحمه الله) العناء والعنت الكثير منهم، بصبر وحكمة ووضوح؛ أي بتبيان ما يقوم به من نشاط مذهبي فكان ما يفعله من أمور مذهبية واضحة كالشمس في رابعة النهار وكان مُصراً على مواقفه متصفاً بروح المسؤولية، وطالما أكّد على الوضوح والشفافية ونصح بذلك كثيراً، وقد نصحني شخصياً بإظهار القراءة الحسينية في بعض الفترات التي تتسم بالضيق، ويطغى فيها التعصب خصوصاً في أيام الحج، إذْ كانت الحملات يُقرَأُ فيها مأتمٌ على الحسين (عليه السلام ) وفي أوقات الشّدة كنا نوقف أو نخفي القراءة الحسينية، لئلا تحصل إشكالية من السلفيين المتشددين، غير أنّ الشيخ العمري (يرحمه الله) أكّد على إظهارها، وقال لي شخصياً "لتكونوا واضحين، فإذا كان لديكم مأتمٌ للحسين (عليه السلام ) فلا تتخفوا، واجعلوا القراءة واضحة بينة، فإنّ الحكومة إذا علمت أنّ القراءة واضحة لن تُعير اهتماماً بالتقريرات التي ينقلها المتشددون، وقد استفدنا من نصيحته وأصبحنا نقرأ علانية بوضوح، ودون تخفي.
المنهج الوسطي للشيخ.
كان الشيخ (يرحمه الله) يُسدي النصيحة مُركِزاً على المنهج الوسطي في التبليغ فيُذكِر طلبة العلم في الحملات أيام الحج والعمرة بأهمية الوسطية والوضوح والشفافية واحترام المُبلغ للرأي الآخر بالابتعاد عن النفس الطائفي، وكانت كلماته نبراساً يستضيء به الطلبة المبلغون، ورغم ذلك لم يسلم الشيخ فحُورِبَ كثيراً، غير أنّ الله تعالى أيده لإصراره وصبره حتى أنّ الدولة تفهمت مواقفه، ولم تُعِر اهتماماً بما يُكتب ضده من تقارير، بل أصبح مورداً لاحترام الجميع لمنهجه الوسطي (يرحمه الله)، وانتفع أتباع أهل البيت (عليهم السلام ) به، فلم يحدث تماس وتضاد بينهم وبين المتشددين يؤثر على الأمن في أوقات الحج أو العمرة، رغم ما يقوم به المتشددون من إيذاء غير أنّ حكمة الشيخ ومواقفه الوسطية، كانت سياجاً يمنع التماس.
نِعَم الله تعالى على الشيخ العمري.
لقد أنعم الله تعالى عليه وأصبح مورداً للطفه وتأييده تعالى، فأفاض عليه نعمه الظاهرة والباطنة، وسأذكر بعض النعم التي أغدقها تعالى عليه:
الأولى: طول العمر.
حباه الله تعالى بطول العمر فعاش أكثر من مائة سنة ونيف ، واقترن عمره الطويل بخدمة الناس، فكان (يرحمه الله) حتى في السنتين الأخيرتين من مرضه، بل في الأشهر الأخيرة من هذه السنة يجيب على المسائل الدينية، بل حَجَّ في عام (1430 هـ)، وكان يتمتع بذاكرةٍ قويةٍ على كِبَر سنه وتقدمه في العمر، يحفظ المسائل الفقهية ويجيب من يسأل عنها، مُبلغاً لرسالات الله تعالى، مع أنّ كثيراً من الناس إذا تقدم به السن لم يحتفظ بذاكرته، إلا أن الشيخ حباه الله بطول العمر والخدمة المتصلة الدائمة إلى مَقرُبةٍ من رحيله.
الثانية: الذرية الصالحة.
إنّ الله تعالى حباه بذرية كثيرة، كلهم من المتعلمين وبعضهم دكاترة، وحباه أيضاً بطالب من طلبة العلم - فضيلة الشيخ كاظم (يحفظه الله)- ليستمر العلم في نسله ويكون صدقة جارية له.
الثالثة: المحبة في قلوب المؤمنين.
إنّ من نِعَمِ الله تعالى عليه كونه محبوباً للناس، وذلك دليل إخلاصه في العمل وصدق توجهه، فما كان يريد إلاّ الله تعالى، لذا كان الطيف المتعدد من أبناء الطائفة ومن مختلف البلدان يُكِنُون له الاحترام والتقدير حتى أنّ شخصيات كبيرة زارته كالشيخ الرفسنجاني؛ فقد زاره وقبّل رأسه ويده تقديراً واحتراماً لشخصيته التي كانت مورد احترام أتباع أهل البيت (عليهم السلام ) في شتى أصقاع المعمورة، وليس شيعة المدينة هم الذين يُكنون له الاحترام والتقدير فحسب، بل الشيعة في دول الخليج والعراق وإيران والغرب، الجميع يحترمه، وقد أجمع على ذلك العلماء وطلبة العلم دون مبالغة، وتلك نعمة لا تتاح لكل أحد.
الرابعة: السعة في الرزق
من نِعَمِ الله تعالى عليه أن حباه بالسعة في الرزق، فقد عاش فترات ضيق، وذلك طبيعي للكثير، خصوصاً لطالب العلم، غير أنّ الله تعالى وفقه منذ البداية، فاتجر ببيع الأحجار الكريمة في فترات التعطيل، وكان يأخذ نيابات الحج والعمرة، ويكثر منهما نيابة عن غيره، ويضع جُلَّ ما يحصل عليه حتى من الهدايا في العقار، فيشتريه بثمن بخس إذْ كانت قيمته ضئيلة جداً، وقد نصح (يرحمه الله) أهل المدينة بشراء العقار ووضع أموالهم فيه، وله حكمة يكررها فيقول: "العقار ابني البار"، وعندما ارتفع سعر العقار أصبح الشيخ يمتلك الملايين.
أسباب السعة في الرزق.
إن السعة في الرزق وإن كانت من ألطاف الله على الشيخ (يرحمه الله) إلا أنّ لها مجموعة من الأسباب:
الأول: الإنفاق في سبيل الله.
كان (يرحمه الله) ينفق كثيراً فيُقَسِم أمواله قسم منها يضعه في العقار وآخر ينفقه في سبيل الله تعالى على طلبة العلم والفقراء، ومن أجلى صور الإنفاق قيام الشيخ (يرحمه الله) بوقف بعض المنازل للفقراء والمعوزين فبارك الله تعالى له في رزقه.
الثاني: الكرم والجود.
إنّ بعض العلماء يؤتيه الله تعالى سعة من المال، فهم كالأنبياء كداوود وسليمان (عليهما السلام ) وبعضهم يعيش قلة ذات اليد ويصعب عليه الحصول على قوت يومه، وكان (يرحمه الله) من النمط الأول، إذْ حباه الله تعالى بالوفرة من المال، فصرف الكثير في موارد البر والخير، إذْ كان جواداً كريماً، ومن زار المدينة المنورة في الأشهر الثلاثة -رجب وشعبان ورمضان- رأى المائدة المفتوحة له (يرحمه الله)، فكان الجميع يأكل منها ببركاته (قدس الله سره).
لقد أتاه الله تعالى بسطة في المال، فحباه بأموال كثيرة، وأصبح إنفاقه في سبيل الله تعالى كالسيل المنهمر والمطر الغزير على طلبة العلم والفقراء المعوزين، فله سُفرة ممدودة لمدة ثلاثة أشهر غير أيام المناسبات في السنة، يُطعِم فيها الجميع، وكان رافداً لطلبة العلم والفقراء ليس من أهل المدينة فحسب، بل لمن قصده منهم من أي مكان، فمن جاءه لا يرجع خائباً لجوده وكرمه، فأفاض عليه الحق تعالى الأموال الكثيرة، وأنفق في سبيله تعالى كثيراً.
الثالث: الصبر على الشدائد.
لقد كان (يرحمه الله) صبوراً على الشدائد، فلم تَفُتَّ المصائب في عضده، فتحمّل السجن والإبعاد أكثر من مرة وإساءة الجهلة من الناس إليه، وقابل الإساءة بالإحسان خصوصاً من الجهلة الذين لا يفقهون القيم، ومن أساء إليه غفر له، وكأنّ شيئاً لم يمر عليه، بل يدعو بالمغفرة والرحمة والرضوان لمن أساء إليه سالكاً مسلك أئمة أهل البيت (عليهم السلام ) منطلقاً من قوله تعالى: ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ () وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) (فصلت: 35،34) فكان صبره سمة بارزة من سماته (يرحمه الله).
حكمة الشيخ في التعامل.
كان حكيماً في تعامله مع الطيف المتعدد، فالمسلمون ككل ومنهم أتباع أهل البيت (عليهم السلام ) توجهاتهم مختلفة وكل طرف قد ينظر بمنظار يختلف عن الآخر، غير أنّ الشيخ (يرحمه الله) تعامل بالمنهج الوسطي، ورأى الوسطية هي السبيل الذي أكّده أهل البيت ع انطلاقاً من القرآن الكريم، قال تعالى:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (البقرة: ١٤٣) فلم يكن راديكالياً في توجهاته بل وسطياً يتعامل بحكمة وصبر وبذلك استطاع أن يضع بصماته وأن يؤثر تأثيراً بارزاً.
نسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته وأن يحشره مع محمد وآله وأن يخلف على ذويه خصوصاً ولده البار الشيخ كاظم (يحفظه الله) بالصبر والسلوان وأن يكون خير خلف لخير سلف كأبيه، ومن يشابه أبه فما ظلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وزاد وبارك على سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين.
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء