2007/12/02 | 0 | 903
الاستقامة والأمن الاجتماعي في نسك الحج
الغاية من تشريع الحج
الحج عبادة من العبادات التي بُنيت عليها الشريعة الإسلامية في الجنبة العبادية، إذ أنّ العبادات بأجمعها شُرِّعت لربط الإنسان بالمبدأ المتعال من خلال الرؤية السليمة التي تجعل العبد ينظر إلى الله تعالى في جميع أعماله وأقواله، فيصبح على تقوى من الله تعالى، خصوصاً في الحج كما أبانت ذلك الآية المباركة التي أوردناها بالتركيز على أمرين:
الأول: الانضباط في السلوك
الحج فريضة تؤكد على جنبة هامة هي، ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾، فالآية تبين الانضباط السلوكي من لدن الحاج، وهذا هو تقوى الله تعالى، ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ ﴾، فالله عليم ومحيط بكل شيء، والعاقل يسعى للارتقاء في عالم المبادئ والقيم، ولإيضاح هذا المطلب نشير إلى أنّ العلماء يؤكدون وجود أزمة بين الإنسان وأخيه الإنسان من ناحية، وأزمة بين الإنسان والطبيعة من ناحية أخرى، وإذا استطاعت الإنسانية أن تتحلى بالقيم سوف تزول الأزمة ويتلاشى الجانب الذي يمثل الشر في الإنسان تجاه أخيه الإنسان أو تجاه الطبيعة.
الثانية:الحج دافع نحو الاستقامة
والإنسان لا يمكن أن يستقيم إلاّ من خلال العقل والارتباط بالحق تعالى، وهذا ما يحققه الحج، فالعبادة تصبح سبيلاً للوصول إلى عالم تسوده القيم باعتبار أنّ هذه العبادة عبادة جماعية، فالحاج لا يرتبط بالتقوى من الناحية الفردية مع نفسه فحسب، بل يكون تقياً مع المجتمع الذي يعيش فيه، ومع الناس الذين يتعامل وإياهم، وبذلك تزول أزمة القيم، وهذا ما ركّز عليه العلماء عندما قالوا: إنّ الإنسان يحتاج إلى انتماء اجتماعي، فلا يمكن أن يعيش بمفرده، غير أنّ هذا الانتماء تارةً يكون ضيقاً وأخرى يكون واسعاً، والانتماء الضيق هو الذي يمثله الإنسان بارتباطه بمبدأ خاص يدعوه إلى التمحور حول ذاته أو فئته، وهذا هو الانتماء الضيق، أما الانتماء الواسع فهو الانتماء إلى الباري تعالى باعتباره الخالق للكون والراعي لشؤونه.
نفع الآخرين من خلال الحج
وقد أشارت أحاديث متعددة وردت عن النبي (ص) والأئمة (ع) إلى أهمية نفع الآخرين وإيصال الخير لهم، قال النبي (ص): «الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله»، أي، يكون لدى الإنسان توجه في نفع العباد، ولن يتحقق ذلك إلاّ بأن يتحول إلى معتقد لدى الإنسان ولا يتحول إلى معتقد إلاّ بالعبادة فهي السير العملي في السلوك إلى الله تعالى، وهذا ما أوضحته الآية المباركة، ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾«البقرة:197»، فالآية تبين معنى عظيماً إذا أدركه الحاج استطاع أن يحقق ما يريده الله تعالى منه بالعبادة، فمن يأتي بالعبادة دون أن يفقه معناها لن يستفيد منها، والعكس من ذلك، فمن يأتي بالعبادة وهو يعي معنى تشريعها فسوف يغير سلوكه وواقعه، وعندئذ يعلم ما يريده الله تعالى منه.
الحج والأمن الاجتماعي
التغيير الأول في السلوك من خلال الأمن ولا يراد هنا بالأمن الأمن الشخصي وإنما يراد به الأمن الجماعي لكل المجتمع الإنساني، ويبدأ ذلك في دائرة أضيق، هي دائرة المجتمع الإسلامي، لذا نجد في آيات متعددة من القرآن الكريم تأكيداً على الأمن الاجتماعي، منها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴾«آل عمران:96»، فالقرآن بعد أن يطرح المَعْلَم الأول وهو أنّ الحج أشهر معلومات ينبثق منه تغيير السلوك النفسي والتوجه في مسار الإنسان.
الإنسان والأمن الاجتماعي
إذن فأول تغيير يتحقق للإنسان هو توافر الأمن للمجتمع الإسلامي بانتماءاته المتعددة وأفكاره المختلفة وثقافته المتنوعة، وهذا بدوره يتيح للمجتمع أن يكون مسهماً في السلم والأمن للإنسانية جمعاء، وذلك من خلال الحج، الذي ينبثق منه تقوى الله تعالى، فينطلق سلوكاً يحقق الأمن الاجتماعي والنفسي للمجتمع الإسلامي، ومن ثَمّ تغيير الأمن كسلوك حضاري يسهم به الإنسان المسلم في المجتمع الإنساني، ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴾«آل عمران:96».
البيت الحرام بركة وهداية
وهنا ندرك معنى البركة والهداية للعالمين، وليس للعالم الإسلامي وحده، بل لكل العالمين، وذلك من خلال ما يحققه البيت الحرام من مكاسب وفوائد نوجزها في الآتي:
الأول: الأمن والبركة
الحاج المسلم مسؤول عن أمن المجتمع الإسلامي بل عن أمن المجتمع الإنساني، وعندئذ يمكنه أن يستوعب معنى الحج، ويعي ما يريده الله تعالى، ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ﴾، والبركة هي الزيادة والنماء.
الثاني: الهداية العامة
البيت الحرام هداية لكل العالمين، فالهداية تأخذ طابعاً أشمل من الهداية للمجتمع الإنساني بمعنى أن يتقاطع المجتمع الإنساني مع بقية المجتمعات التي تعيش حتى مع عالم الحيوان في علاقة يسودها الوئام، وقد أشارت بعض الروايات إلى تحقق هذا في عصر الإمام المهدي (ع) فعندما يخرج يسود الأمن كل عوالم الوجود حتى عالم الحيوان، وهذا وإن كان يبدو عجيباً، غير أنّ الأمن والعدل كفيلان بتحقيق الوئام، وينبثق مما طرحه القرآن الكريم، ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾، فالأمن هدف وغاية من تشريع الحج.
القرآن والأمن الاجتماعي
وهناك آيات تركز على الأمن للمجتمع الإسلامي أولاً ومن ثَمَّ للمجتمع الإنساني بأكمله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾«المائدة:2»، فالآية مرتبطة بالحج وتوضح أنّ التعاون بين أفراد المجتمع على البر والتقوى، ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ والمسلم عندما ينظر إلى معطيات الحج سيرى أنّ من أهم ما يترتب على الحج الأمن في المجتمع الإسلامي، ومن ثَم الإسهام بتحقيق الأمن بين أفراد المجتمع الإنساني.
الجهاد وأمن المجتمع
وحتى الجهاد في الشريعة الإسلامية شُرع لتحقيق الأمن فبعض الفقهاء في مدرسة أهل البيت (ع) يشير إلى أنّ الجهاد شُرع دفاعاً عن مبادئها، فالجهاد دفاعي كله، وعليه لا يحق لأحد أن يهجم على الغير، وإنما يحق له الذود والدفاع عن نفسه فحسب، والله تعالى يريد للمجتمع الإنساني أن يعيش الأمن والأمان ويتعاون على البر والتقوى، ليتحقق التعاضد بين أفراد المجتمعات الإنسانية جمعاء، فالتعاون على البر - العطاء الواسع - لم يُقيد في الآية، وهذا يسهم في بناء المجتمع الإسلامي، ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ﴾، ثم أبانت الآية نهي الباري تعالى عن التعاون على الإثم والعدوان، وهذا معطىً من معطيات الحج، إذ أنّ الحج يُبين لنا ماذا يريده الله تعالى من الحاج، وقد أُكِد معنى الأمن في آية أخرى قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾«النمل:91»، فالآية تبين مقاصد الحج من كون العبادة لله تعالى الذي جعل الأمن والأمان لهذا البلد الطيب مكة، وهو المالك لملكوت السماوات والأرض، ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾، والأمر بأن يكون من المسلمين يقصد به الاستسلام لله تعالى بالمعنى الواسع، ولا يختص بالإسلام بمعناه العقدي وهو التشهد بالشهادتين.
الفهم السليم للحج
الحج في جانبه المعنوي يحمل روح التغيير على المستوى النفسي والسلوكي، وينعكس على فهم الحاج فتجد البعض يعي ذلك فيقول: أنا حججت ولن أفعل حراماً أو أقترف قبيحاً، مما يعني أنّ مكونه العقدي قد شكّل له فهماً سليماً، يمكنه من العيش بوئام مع الآخرين، والسير في صراط عبودية الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يحج البيت الحرام ويحقق مقاصد هذه العبادة العظيمة في تغيير سلوكه إلى تقوى الله تعالى، والإسهام بالأمن والأمان لمجتمعنا الإسلامي أولاً وللإنسانية جمعاء، وصلى الله وسلم وزاد وبارك على سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء