2010/04/19 | 0 | 910
اسس التقدم والنجاح ق2
قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}(الإسراء:٧) صدق الله العلي العظيم.
استعرضنا بعض اللفتات العامة التي يتمكن بها الإنسان من تطوير شخصيته، والكلام في هذا الأمر يحتاج إلى إسهاب وإطالة إلاّ أننا قد اختصرناه رغم أهميته لكونه يلازم الإنسان مسار حياته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}(الانشقاق:6)، فالشريعة الإسلامية كلها برامج عمل تطور الإنسان وترتقي به، غير أنّ علماء الأخلاق والعرفاء أكدوا على أمور:
الأول: معرفة النفس.
فمن أراد أن يطور شخصيته في المجال المادي والمعنوي فعليه أن يعرف نفسه، وقد وردت آيات في القرآن الكريم وروايات عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام تؤكد ذلك، قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}(الذاريات:21)، وهناك أهمية كبيرة لالتفات الإنسان لنفسه ومعرفته لها.
معرفة النفس طريق معرفة الرب.
أبانت الروايات أنّ معرفة النفس تلازم معرفة الحق تعالى، والتعبير بالملازمة يكشف عن أهمية ذلك، مع أنّ معرفة الحق لها طرق أخرى مختلفة عن معرفة النفس إلاّ أنّ التلازم بين المعرفتين ذُكر في الروايات، قال النبي صلى الله عليه وآله: ‹‹من عرف نفسه فقد عرف ربه››([1]، فمعرفة الحق تعالى يراد بها الوصول إلى الغاية من الخلق، أي أنّ الله تعالى خلق الإنسان ليعرفه، وجعل سعادته في معرفته لربه، ويستطيع الإنسان اختصار طريق معرفته لله إذا عرف نفسه.
معرفة النفس توجب السعادة.
إنّ معرفة النفس توجب معرفة الله تعالى، وتؤدي إلى السعادة، والأمر واضح في المنظور الإسلامي، فالغاية من الخلق هي معرفة الحق، قال تعالى: {الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}(الطلاق:12)، أي أن يصل الإنسان إلى معرفة الله تعالى بأنه على كل شيء قدير، وأنه يحيط بكل شيء علماً، وهذه الغاية أفصح عنها القرآن الكريم، ويتضح بها أنّ من عرف نفسه عرف ربه.
معرفة النفس غاية الخلق.
إنّ المعرفة توصل الإنسان إلى غاية الخلق وإذا حصل على معرفة الله تعالى سعد ووصل إلى الكمال، ولا يراد بالمعرفة المعرفة النظرية، بل العملية، أي الموجبة للتعامل الإيجابي معها.
حقيقة معرفة النفس.
معرفة النفس معناها أن يدرك الإنسان أنه لم يكن فكان، وهذا بدهي فلا أحد يعتقد بقدم وجوده وأزليته، بل كلنا لم نكن ثم أوجدنا الله تعالى عبر سلسلة من العوامل الطبيعية، فمعرفتها بإدراك حاجتها إلى الغني، ومن خلال ذلك يُعرف مصدر الوجود أنه الغني تعالى، فوجودنا كله حاجة، ولا يستطيع أحد أن يستغني عن الهواء أو عن الماء والطعام، وللإنسان حاجات كثيرة، والله تعالى أوجد الأشياء وسخرها له ليستفيد منها في استمرار وجوده ورقي شخصيته، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}(لقمان:٢٠)، أي أنّه تعالى أوجد النعم وسخرها للإنسان ليستفيد منها، وهي نِعَم ظاهرة وباطنة، وكثير منها خفية لا تدركها عقولنا وكلها مسخرة لخدمة الإنسان.
فائدة معرفة النفس.
إنّ معرفة النفس خطوة أولى توصل إلى مفردات جدُّ هامة منها: معرفة الله تعالى، ومعرفته تعالى تتأتى عبر معرفتنا لاحتياجنا وبمعرفتنا لله تعالى نصل إلى السعادة، وإدراك أنه تعالى مصدر الوجود وهو الذي أمر بالسير في الصراط السوي وأداء التكليف ليصل الإنسان بذلك إلى سعادته.
الثاني: مبدأ الاختيار منطلق التقدم.
لقد أبان القرآن الكريم حرية الاختيار للإنسان، قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}(البلد:10) إلاّ أنه قد ذُكر في بعض الآيات ما يبدو في الوهلة الأولى خلاف ذلك، قال تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}(هود:105) أي أنّ الناس على قسمين شقي وسعيد، ويظهر من ذلك أنّ الشقاء والسعادة بتقدير منه تعالى.
حقيقة اختيارية الإنسان.
غير أنّ الإنسان ليس بمجبور، بل باستطاعته أن يختار الوسائل والآليات التي تؤدي به إلى السعادة والخير بإرادته، فالتقدم والرقي في عالمي الدنيا والآخرة يرتبط بإرادته واختياره، أي أنّ الله تعالى لم يقسره ولم يجبره بل جعل له الاختيار، وذلك بحث واسع وكبير غير أنّ العلماء أكدوا على مدخلية الإيمان بالاختيار في تطوير الإنسان ورقيه، ومن قال إنه لن يفر من المقدور، ورأى أنّ المقادير تجري عليه قسراً وجبراً لن يتقدم.
أهمية الوعي بمبدأ الاختيار.
إنّ من آمن أنّ باستطاعته أن يغير حاله أسهم ذلك في رقيه، أما من اعتقد أنه لن يستطيع التغيير فلن يتقدم، ومهما يُقَدّم له من نصائح وأفكار فهو باقٍ على حاله، ومن الضروري أن يعي الإنسان مبدأ الاختيار بنحو عام أي أنّه كل مفردات الكون أو بنحو خاص أي أنه في بعضها خاصة، وذلك أنّ مجموعة من الأشياء نرى أننا لا دخل لنا باختيارها كالطول والقصر ولون البشرة وما ورثناه من آبائنا، فلا دخل لنا للاختيار فيها غير أنّ العرفاء لهم رأي آخر هو أنّ الأمور وإنْ تراءت لنا أنه لا اختيار لنا فيها إلاّ أنّ عالم الواقع يفرض وجود اختيارٍ متقدم على عالم النشأة المادية، وهذا بحث علمي لسنا بصدده، فكون الإنسان يختار طوله وقصره ولونه في عوالم متقدمة أمر يصعب التصديق به، إذْ أنّ الإنسان يختار الأفضل فكيف اختار الأقل في تلك العوالم، وإنْ قيل إنّ الأمر يرتبط بسلسلة عوالم غير مرتبطة بعالم المادة فحسب، بل بعوالم قبل النشأة المادية لها ارتباط وثيق بعالم المادة، وفي تلك العوالم اختار الإنسان بعض الأمور التي رأى أنها تتناسب مع تكليفه ولا نريد إثبات صحة وخطأ هذا الرأي، فما يهمنا الإيمان بمبدأ الاختيار الخاص.
مبدأ الاختيار من أسس النجاح.
إنّ من أراد التقدم فعليه أن يؤمن باختياره وقدرته على تغيير مساره، وأنّ كل إنسان يستطيع أن يطور نفسه مادياً ومعنوياً إذا آمن بذلك، وقد لا يتطور مادياً في بعض الأحيان لكنه يتطور معنوياً، والظروف القاسرة لن تستطيع أن تؤثر على فكره، وبذلك يتمكن من الأخذ بالأحسن.
العلاقة بين عالمي المادة والمعنى.
هناك تناسب بين عالمي المادة والمعنى، ويمكن لإنسانٍ أن لا يتقدم في عالم المادة ويتقدم في عالم المعنى، ومن ذا الذي لا يستطيع الاستفادة من نِعَم الله تعالى التي منحه إياها، وحتى أنّ من فقد نعمة يعوض بأخرى، ففاقد البصر تقوى لديه حاسة السمع.
التطور المعنوي في حركة الإنسان.
إنّ بعض الناس يستطيع أن يتقدم من خلال ذكر الله، فيرتقي معنوياً، فلو قُسر في المجالات الأخرى ولم يستطع الحركة فيها يذكر الله تعالى، ليجد نفسه قد وصل إلى ما يبتغيه، فبعض العلماء وصل إلى درجاتٍ عالية بالذكر، فمن عجز عن الحركة يستطيع أن يبقى مستغرقاً في العبادة والتأمل، وقد شاهدت صاحب الميزان العلامة الطباطبائي (رحمه الله) يجلس في صحن السيدة المعصومة عليها السلام عصراً إلى قبيل الغروب ويشتغل بالذكر والتأمل في حالة من العروج المعنوي والانقطاع إلى الله تعالى، فالإنسان قد لا يستطيع أن يتقدم في طريق ويتقدم في آخر.
أسس النجاح في الاستفادة من النعم.
إنّ على من أراد تطوير ذاته أن يؤمن أنه ليس بمقهور ومُسيّر، بل أنّ الله تعالى أعطاه نِعَماً ظاهرة وباطنة وأسبغها عليه، ومكنه من الاستفادة منها ليصل إلى درجات رفيعة، ومن قال إنه مقسور لن يتقدم، والظروف وإنْ صعبت تسهل صعوبتها بالصبر والجهاد وللإنسان القدرة على تخطي الصعاب والعقبات.
مبدأ الاختيار وشبهات الجبر.
قد يتوهم بعض أنّ قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(القصص:56)، يدل على الجبر إلاّ أنّ الضمير في الآية فيه احتمالان:
الأول: أن يرجع إلى الإنسان، ومعنى ذلك أنّ الله تعالى يهدي من يشاء الهداية.
الثاني: أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، ومع ذلك لا يدل على الجبر لأنّ هداية الحق تعالى لبعض الخلق لها عوامل منها السير على الصراط السوي وعندئذ يتكفل الباري تعالى بالهداية، ولعل المعنى الأدق هو أنّ الآية تشير إلى أنّ ملكوت الأشياء بيده تعالى فله الخلق والأمر وليست بصدد سلب الاختيار من الإنسان.
محور الرقي في الأديان السماوية.
والأهم لمن يريد الرقي والتقدم هو المجال المعنوي، ذلك هو الأهم في منطق القرآن الكريم والأديان السماوية، لأنّ الإنسان يعيش فترة محدودة في عالم المادة، أما العيش في عالم المعنى فلا نهاية له، وقد أفصح الباري عن ذلك، قال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(العنكبوت:64)، وذكر ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: ‹‹لا عيش إلاّ عيش الآخرة››(2)، فعالم المادة بسيط رغم أهميته، والحض الأكيد في الشرائع السماوية على الآخرة وعدم نسيان الدنيا لتكون وسيلة لنيل درجات الآخرة، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ الله الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}(القصص:٧٧)، والدنيا ليس لها منظور مستقل والنظرة إليها ليست لذاتها، بل من أجل المستقبل الأخروي، ذلك ما جاء به الأنبياء والرسل لرقي الإنسان ورفع درجاته، إذ أنّ الإنسان مأمور باعمار الكون، ليس لأجله كشخص، بل من أجل سعادة البشرية كلها، كي تتفرغ لمعرفة ربه، وتقترب منه معنوياً، قال تعالى: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ}(التوبة:38) فإذا قيست الدنيا إلى الآخرة التي لا حدود لها فهي قليل، جاء في الموعظة اعمل ما شئت فإنك ميت، أي لن يستطيع أحد أن يبقى في الحياة الدنيا بلا نهاية، وقد أكد النبي صلى الله عليه وآله فقال: ‹‹لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد››، وهذه إلفاتة جميلة منه صلى الله عليه وآله لأصحابه.
وصلى الله وسلم وزاد وبارك على سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين.
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء