2008/02/04 | 0 | 841
أسس التقدم الحضاري للبشرية
التكريم الإلهي للإنسان.
جعل الله تعالى الإنسان مركز الكون، وكرمه واستخلفه، فجعل مقاليد الأمور بيده، وأمر الملائكة بالسجود له، ونفخ فيه من روحه، وخلقه في أحسن تقويم، وجعل الغاية والهدف من خلقه إيصاله إلى السعادة والرفاهية، ولا يتأتى تحقق ذلك إلاّ من خلال الارتباط به تعالى عبر العبادة والسير على المنهاج الإلهي.
سبب الانتكاسات الإنسانية.
غير أنّ الإنسان ظلم نفسه وسار في طرق أخرى لا تؤدي به إلى السعادة، ولا توصله إلى الأمان، وهذا سبب المآسي والانتكاسات المتكررة للإنسانية عبر تأريخها الطويل، فكل انتكاسة كانت بسبب الانحراف عن الطريق الإلهي واتباع الهوى، ونظرة بسيطة يُدرَك منها أنّ ما تحقق من مآسٍ للإنسانية يرجع إلى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، فالكوارث التي مرت على الإنسان لم توجب تخلفاً له كما حصل من ظلم الإنسان لأخيه، وإذا ألقينا نظرة بسيطة على العالم العربي والإسلامي نرى النصيب الوافر من التخلف وإهدار حقوق الإنسان، فالتعذيب والقتل للأبرياء واختفاء المعارضين والسجن بلا سبب والمحاكمات الصورية، أنماط متعددة أوجبت التخلف وجعلت الإنسان يرزح تحت ظلم أخيه.
تقدُم الإنسان حضارياً
إنّ من بحث الأسباب المؤدية إلى تقدم الإنسان أدرك أنّ الأساس الأول للتقدم احترام الإنسان، فإذا احتُرِمَ الإنسان فالتقدم المطرد سيحدث وإذا انتُهكت حقوقه وظُلِم فالنتيجة هي التخلف والتقهقر إلى الوراء.
أهمية التكريم الإنساني
وقد أبان القرآن الكريم الكرامة للإنسان، ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ ﴾(الإسراء:70)، كما أنّ النبي (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) أولوا الكرامة والتكريم عناية كبيرة.
مظاهر تكريم الإنسان
قال إمامنا أمير المؤمنين (ع): «واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم، وعهد وصيته إليهم في الإذعان والسجود له، والخشوع لتكرمته، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ اسْجُدُواْ لآدَمَ ﴾(البقرة:34)» ويشير الإمام (ع) إلى معنى في غاية العمق، فالملائكة - الذين هم ﴿ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ*لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون ﴾(الأنبياء:26،27) - أقل رتبة من الإنسان، لأنّ الله تعالى جعلهم وعهد إليهم بوصية في الخضوع والإذعان والسجود لتكريم الإنسان، فسجود الملائكة في القرآن كناية تُفصح عن مستوى الإنسان عند الله تعالى.
سبب تكريم الإنسان
فالكرامة التي جعل الله تعالى الملائكة تسجد للإنسان لم تأتي عبثاً واعتباطاً بل لكون الإنسان خليفة له تعالى، والخليفة يقوم مقام المُستخلِف، والباري تعالى له العظمة والجلال فأسبغ عظمته وجلاله على الوجود الإنساني، وقوله تعالى: ﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾(السجدة:9)،كناية عن جعل الإنسان بمستوى من الكمال يستحق به التجلة والاحترام حتى من الملائكة، غير أنّ ظلم الإنسان لنفسه بتخطي المنهاج الإلهي واختيار المنهاج المخالف لم يُؤدِ به إلى السعادة، واتباع الصراط المستقيم، ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾(الأنعام:153)، فالسير في الصراط المستقيم هو سير في طريق الحق تعالى، غير أنّ الإنسان تصور أنّ إتباع الهوى والأخذ بما لديه هو الموصل للسعادة، وهذه نظرة محدودة أدت إلى عبودية الإنسان لأخيه الإنسان، والعبودية الحقة في معناها الواسع أن يتبع الإنسان القانون الإلهي، وأما العبودية لغير الله تعالى فهي الإتباع للنظم والقوانين الوضعية، فالقانون إنْ كان مستقىً من شرع الله فالإنسان خاضع للقانون الإلهي وإنْ كان مستقىً من نظم ٍ لا تتلاقى مع المنهاج الإلهي فقد تحول الإنسان من عبادة الله إلى عبادة غيره، والله تعالى كما نهى عن عبادة الأصنام والأوثان فقد نهى عن إتباع الإنسان فيما ابتدعه واختلقه بما لا يرجع إليه تعالى، فالإنسان إذن هو مركز الكون في القرآن الكريم والروايات، وكرامة الإنسان هي الطريق المؤدي إلى تقدم الإنسانية والكون، والحَط من كرامته يؤدي إلى التقهقر والرجوع إلى الوراء.
موجبات تخلف الإنسان
إنّ من أكثر موجبات التخلف لدى الإنسان طريقين أساسين:
الأول: ترك السير في الصراط الإلهي:
فالإنسان الذي لا يتبع ما أمره الله ولا يسير في الصراط الإلهي ويتبع طريقاً آخر سيتخلف، وهناك سواقٍ متعددة تُقوي ذلك:
• الأولى - السلطة: إنّ من أعظم السواقي التي تمد الانحراف في مجال التعدي على حقوق الإنسان السلطة التي لا تحكم بالقانون، فتتحول إلى سبُع ضارٍ يغتنم أكل الناس ويستحوذ على ما عندهم، فيصبح الناس قُطعاناً من الماشية يُستثمرون لصالح ذلك السبع الضاري، قال إمامنا أمير المؤمنين (ع): «ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق»، فالزيغ بالخروج عن القانون الإلهي واتباع الإنسان للسلطة.
• الثاني - الترفع الاجتماعي: قد يكون الخلل في السلطة ليس آتياً من ناحية التغول غير أنه يتأتى بالترفع بالموقع الاجتماعي، وهو انحراف في تطبيق القانون بمعنى أنّ التطبيق له على بعضٍ دون أخر، والإمام أمير المؤمنين (ع) كتب إلى أحد عماله، يوصيه بعدم الترفع، فقال (ع): «لا يُرغب عنهم - الناس - تفضلاً بالإمارة عليهم»، أي لا تكن أرفع من الآخرين إذا أصبحت أميراً عليهم فتظنَّ أنّ مستواك أكبر من سائر الناس.
الثاني: الأنانية وبخس جهود الآخرين.
إنّ السلطة والمسؤولية ليست تكريماً للإنسان بقدر ما هي تكليف إلهي، فمن وصل إلى سُدَّة الإمارة في المشروع الإلهي وصل للأهلية والجدارة وبقدر ما يُجسد هذه الأهلية والجدارة يُصبح محلاً للأمانة، وبقدر ما يُقصر في تطبيقه لمسؤوليته يصبح مطروداً مذموماً لأنه لم يطبق القانون الإلهي، قال (ع): «ولا يرغب عنهم تفضلاً بالإمارة عليهم فإنهم الإخوان في الدين والأعوان على استخراج الحقوق»، الناس إخوان في الدين، وإذا لم يكونوا من دين واحد فهم كما قال الإمام (ع): «وإما نظير لك في الخلق»، فالإنسانية قاسم مشترك في الوجود الإنساني، وقد اهتم النبي (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) خصوصاً الإمام أمير المؤمنين بهذا الجانب، وله تطبيقات متعددة من لدن الإمام (ع)، فقوله: «والأعوان على استخراج الحقوق»، تأكيد منه (ع) على مسألة جِدُّ هامة، فمن وصل إلى رتبة اجتماعية في المجتمع قد يتصور أنه وصل إليها بجدارته، وأنّ المجتمع لم يسهم في إيصاله إلى هذه الرتبة، وهذه النظرية مغلوطة في الفكر الإسلامي، وقد شجب القرآن الكريم هذه النظرية في حديثه عن قارون ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾(القصص:78)، فالصحيح أنّ من وهبه الله تعالى وتفضل عليه لم يكن ذلك بجهد مستقل، يرجع إلى الذات فحسب دون عوامل متعددة، كانت روافد أوصلته إلى ذلك، ولعل من أهم الروافد في إيصال الإنسان إلى الرقي والتفوق أخوه الإنسان، الذي شاركه في المنظومة العامة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية، أي أنّ من العوامل الإلهية للإنسان في تقدمه مشاركة الغير، فالتقدم الذي أُحرز وحصل، لم يكن بمجهوده الشخصي فقط، وإنما لإسهام الناس دخلٌ فيه، وهذه النظرية في غاية الأهمية، وقد توصل إليها علماء الاجتماع في العصر الحديث.
نظرية التنمية المستدامة
ذكر العلماء نظرية حديثة في التنمية، وسُميت التنمية المستدامة، ويُعنى بها التطوير المستمر الذي لا يتوقف عند حدود، فقد أعطى الله تعالى الإنسان القدرة في التقدم والتطور دون حد، وكل مجتمع يحصل على تقدم بقدر سعيه وما يخطو من خطوات، ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾(النجم:39).
عوامل التقدم الإنساني
وأفضل عوامل التقدم لدى الإنسان ما يصب في رفع مستوى الإنسان على الأصعدة المختلفة، فالتنمية المستدامة التي بحثها العلماء موضوعها الإنسان، فتطور أي بلدٍ أو مجتمع مرتبط بتقدم الإنسان، وبقدر تقدمه في أي مجال من المجالات يتقدم المجتمع، فإذا حصل تقدم اقتصادي لبعض أفراده أسهم في تقدم المجتمع اقتصادياً، وإن حصل تقدم ثقافي تطور المجتمع ثقافياً، وهكذا الحال في جميع المجالات الأخرى، فالإسهام في التنمية المستدامة تنعكس آثاره الإيجابية على منظومة المجتمع ككل، وذلك لأنّ الإنسان بدؤها وانتهاؤها، فإنشاء المباني الكبيرة وإنفاق الأموال على تعليم الإنسان يحدث رفاهية له، ويُحافظ عليها من خلال القوانين التي تُشرّع لتطويرها وتنميتها.
الإنسان محور التطور
فالإنسان هو المحور في كل تطور ونماء، وقد أبان القرآن والروايات الواردة عن النبي (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) هذا الشأن، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾(الإسراء:70)، فنسق السير التكاملي للإنسان ينصب على مسألة التكريم والاحترام والحفاظ على حقوقه وتطوره الدائم، وهي منشأ الاختلاف في النهج بين من يعتدي على القيم ويظلم الإنسان وبين من يحافظ على الحقوق.
مخالفة القانون تنافي التكريم
وتتجسد مخالفة القانون في شخصية معاوية، فعندما استولى جيشه على الماء منع الإمام أمير المؤمنين (ع) وجيشه منه في صفين، فقال الإمام (ع) كلمته المشهورة «رووا السيوف من الدماء تُرووا من الماء»، فمنطق القوة يقابل بمنطق القوة عندما لا تجدي قوة المنطق، وهو ما فعله الإمام (ع)، وبعد أن استولى على الماء، طلب بعض أصحابه منه أن يعاملهم بالمثل فيمنعهم الماء، فرفض (ع) طلبهم، فهذا قانون إلهي لا يمكن التعدي عليه، والناس والحيوان سواء في القانون، ومخالفة القانون قد توجب الغلبة على الخصم، لكن تُحول الإنسان من خليفة لله تعالى في الأرض إلى إنسان برغماتي يُحافظ على مصالحه وتحقيق أهدافه دون مراعاة لكرامة الإنسان في القانون الإلهي.
حفظ كرامة الإنسان
والحق تعالى يريد من خليفته الحفاظ على القانون وكرامة الإنسان من الانتهاك وإنْ اعتُدي عليه، وهذا مستوى عال في الحفاظ على كرامة الإنسان، وبذلك يصل إلى تطور دون انقطاع بالمحافظة على القانون، والتطوير المستمر، وهذا نهج عام في سيرة النبي (ص) والأئمة من أهل البيت (ع)
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء