
يقسم المتأخرون من علماء الدراية الحديث إلى أربعة أقسام :
القسم الأول : الصحيح ، وعرفه الشهيد الثاني في الدراية ص 19بأنه الذي :( اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات ).
القسم الثاني : الحسن ،وعرفه الشهيد الثاني في الدراية ص 21 بقوله : (الحسن ما اتصل سنده إلى المعصوم بامامي ممدوح من غير نص على عدالته ، مع تحقق ذلك في جميع مراتبه أو في بعضها مع كون الباقي من رجال الصحيح).
القسم الثالث : الموثق وهو كما في المعالم ص 367 : (ما دخل في طريقه من ليس بإمامي ، ولكن منصوص على وثاقته بين الأصحاب).
القسم الرابع : الضعيف ، وهو الذي لا تجتمع فيه الشروط المعتبرة في الحديث الصحيح والحسن والموثق ككونه مشتمل على راوٍ مجهول أو مهمل أو مضعف بإحدى طرق التضعيف المقررة عند علماء الجرح والتعديل .
والحديث الضعيف ينقسم إلى قسمين أساسيين :
1ـ المقبول : وهو ما يعتمد عليه كدليل في عملية الاستدلال والاستنباط ، ومن ذلك ما احتف بقرائن تفيد الوثوق بصدوره وهو الحديث الصحيح باصطلاح المتقدمين ، قال المحقق الشيخ أبو الحسن المشكيني (ره) في كتاب الوجيزة ص 90: (والصحيح الحجة منه ما كان الرجال ثقات مع عدم الوثوق بكذبه ، . . . إلى أن قال في الحديث الذي وقع في سنده غير الثقة: (نعم لو وثق بصدوره من جهة من الجهات لكان حجة ، والضعيف كالحسن بل أولى بالعدم إلا إذا حصل الوثوق بالصدور والملاك في ذلك كله كون ملاك الحجية الموثوق أو كون الراوي ثقة في الحديث بشرط عدم الوثوق الفعلي بالخلاف).
ويقول الشهيد الثاني (رحمه الله) في مقبولة عمر بن حنظلة التي هي بحسب اصطلاح علم الدراية حديث ضعيفة (ومع ما ترى في هذا الاسناد قد قبل الأصحاب متنه ، وعملوا بمضمونه ، بل جعلوه عمدة التفقه ، واستنبطوا منه شرائطه كلها وسموه مقبولاً ، ومثله في تضاعيف أحاديث الفقه كثير )راجع الدراية ص 44.
2ـ المردود وهو الحديث الذي رده العلماء ومنعوا الاعتماد عليه ، وهو ينقسم إلى أقسام منها المرسل والمرفوع غير المحتف بما يوجب الوثوق بصدوره ، ومنها الحديث الموضوع .
والحديث الموضوع : هو المكذوب والمخترع ففي المعجم الوسيط في مادة (وضع) : وضع الرجل الحديث : افتراه وكذبه واختلقه .
أقول : وبهذا يتضح أن هنالك فرق بين الحديث الضعيف ـ باصطلاح المتأخرين ـ وبين الموضوع ، وذلك من عدة جهات :
1ـ أن الضعيف شامل للموضوع وغيره .
2ـ أن الضعيف قد يكون مقبولاً ، بخلاف الموضوع فإنه مرفوض مردود البتة.
3ـ أن الضعيف ليس بالضرورة معلوم الكذب و الوضع والتزوير ، وهذا بخلاف الموضوع . ويترتب على هذا الفرق أثران مهمان :
الأثر الأول : هو حرمة رد وتكذيب الخبر الضعيف ما لم يعلم بكذبه ووضعه ، وهذه الحرمة ثابتة بروايات متواترة ، موضوعها كما يقول شيخنا المحقق محمد سند (حفظه الله) في كتاب بحوث في مباني علم الرجال ص 34: (كل رواية لم يعلم ولم يقطع بوضعها ولا تتناقض مع ضروريات الكتاب والسنة ، وهذه الحرمة المسلمة بين علماء الامامية موضوعها كل من الخبر الصحيح والضعيف ).
الأثر الثاني : هو إمكانية تراكم احتمال صدور الخبر الضعيف ومعاضدته للصحيح ، وذلك وفقاً لقانون حساب الاحتمال الرياضي ، وبهذا يتشكل عندنا الخبر المستفيض والمتواتر ، و قيمتهما في عملية الاستدلال والاستنباط أرفع من قيمة خبر الواحد الصحيح بحسب اصطلاح المتأخرين كما هو واضح.
فإن الخبر الضعيف مادام يحتمل الصدور ، فإن احتمال صدوره يرتفع بتعدد طرقه (العامل الكمي) و احتفافه بالقرائن السندية و المضمونية (العامل الكيفي) إلى أن يتحقق التواتر اللفظي أو المعنوي.
ولهذا لم يهتم العلماء الأعلام بجمع خصوص الروايات الصحيحة وفرزها فالتدوين والنقل عن الضعيف ، وذلك لأن في مثل هذه الخطوة ـ التي هي موجودة عند بعض سلفنا واهتم بها بعض المتأخرين ـ تضييع للتراث الذي به تتحقق الاستفاضة و التواتر على بعض المضامين .
لقد قامت سيرة العقلاء على العمل بالاطمئنان إذا كان له منشأ عقلائي ، ولهذا جرت طريقة العقلاء على العمل بالخبر المفيد للوثوق والاطمئنان لاحتفافه بالقرائن المفيدة لذلك ، فلو أُخبر موظف بمواعيد الدوام الوظيفي لا يعمل بموجب الإخبار إن أفاده الاحتمال والشك ، إلا بعد تبين الأمر ، ولكنه يعمل إن حصل له الوثوق و الاطمئنان ، و إن لم يحصل له يقين تام .
وليس هذا إلا من جهة معاملة العقلاء للوثوق معاملة اليقين والقطع من حيث الآثار المترتبة عليه ، و الشارع المقدس لم يردع عن هذه الطريقة العقلائية ، فهي مقبولة عنده ، إذ لو كانت غير مرضية لردع عنها ، كما يقول علماء الأصول .
ونتيجة ذلك حجية كل خبر مفيد للوثوق والاطمئنان عند الشارع المقدس فيما إذا كان منشأ الاطمئنان عقلائياً ، وهذه النتيجة الكبرى والكلية تنطبق على حديث الكساء ، فإنه توجد عدة قرائن تحف بهذا الحديث الشريف وهي بلا مبالغة تفيد الوثوق بالصدور :
القرينة الأولى : رواية الحديث بأكثر من طريق (العامل الكمي).
فقد نقله الشيخ عبد الله بن نور البحراني الاصفهاني (رحمه الله) في عوالم العلوم بسند معتبر . قال (رحمه الله): رأيت بخط الشيخ الجليل السيد هاشم البحراني ، عن شيخه الجليل السيد ماجد البحراني ، عن الشيخ الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني ، عن شيخه المقدس الأردبيلي ، عن شيخه علي بن عبد العالي الكركي ، عن الشيخ علي بن الهلال الجزائري ، عن الشيخ أحمد بن فهد الحلي ، عن الشيخ علي بن الخازن الحائري ، عن الشيخ ضياء الدين علي بن الشهيد الأول ، عن أبيه ، عن فخر المحققين ، عن شيخه ووالده العلامة الحلي ، عن شيخه المحقق ، عن شيخه ابن نما الحلي ، عن شيخه الجليل الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي ، عن أبيه شيخ الطائفة الحقة ، عن شيخه المفيد ، عن شيخه ابن قولويه القمي ، عن شيخه الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن هاشم ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، عن قاسم بن يحيى الجلاء الكوفي ، عن أبي بصير ، عن أبان بن تغلب ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري - رحمة الله عليهم أجمعين - قال : سمعت فاطمة الزهراء - سلام الله عليها - . . . إلخ.
وهذا السند ، وإن ورد فيه ( قاسم بن يحيى الجلاء الكوفي ) وهو بهذا العنوان لم يُنص على وثاقته ، إلا أن الراوي عنه (أحمد بن محمد بن أبي نصر) وهو على المشهور ممن لا يرسل ولا يروي إلا عن ثقة .
قال الشيخ الطوسي رحمه الله في عدة الأصول ج1 ص 386 : (وإذا كان أحد الراويين مستندا والآخر مرسلاً نظر في حال المرسل فإن كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره ، ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عمن يوثق به ، وبين ما أسنده غيرهم ).
وقد قال المحقق الطهراني في الذريعة ج16 ص 36: (غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب الأطهار للشيخ أبي محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي من أهل آخر المائة السابعة وبعدها إلى أواسط الثامنة له (الارشاد) و(أعلام الدين) وقد نقل عن تصانيفه الشيخ أحمد بن فهد الحلي في (العدة) و(الغرر) هذا ينقل عنه المجلسي في أول (البحار) وأيضاً ينقل عن (الغرر) المولى محمد حسين الكرهرودي المعاصر المتوفى بالكاظمية 1314 في تأليفاته كثيراً منها حديث الكساء بالترتيب الموجود في (منتخب الطريحي) باختلاف يسير جدا بأسانيد متعددة ).
وقال المرحوم السيد محمد بن السيد مهدي الشيرازي في فقه الزهراء ص 9: (أما سند حديث الكساء فقد رواه والدي (رحمه الله) في رسالة مخطوطة له بسند صحيح متصل الاسناد ، وكل واحد منهم من الأعلام ) والظاهر أن سند السيد الشيرازي يختلف عن ما في عوالم العلوم ، لأن السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) أشار في الهامش إلى وجود أسناد كثيرة ، ووعد أنه سوف ينقل بعض المصادر في هامش أول الفصل الأول ، وقد نقل هنالك سند الشيخ البحراني في العوالم .
القرينة الثانية : اشتمال سند الحديث على أوتاد المذهب وكبراء الشيعة ، وعنايتهم بنقله وتدوينه ، ويتجلى لنا ذلك في السند الذي نقله صاحب عوالم العلوم.
وقد نقل هذا الحديث جمله من العلماء منهم :
1ـ العلامة الثقة فخر الدين الطريحي (رحمه الله)في كتاب (المنتخب الكبير).
2ـ الشيخ أبي محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي في كتاب (غرر الأخبار).
3ـ الشيخ عبد الله البحراني في كتاب (عوالم العلوم).
4ـ و في إحقاق الحق للسيد المرعشي (رحمه الله )ج2 ص 553 :
( لنختم الكلام بإيراد نسخة من حديث الكساء سائرة دائرة في مجالس المؤمنين شيعة آل رسول الله صلى الله عليه وآله يستشفي بقرائته عند المرضى ويطلب قضاء الحاجات أنقلها من رسالة العالم الجليل الحجة الزاهد الحاج الشيخ محمد تقي بن الحاج الشيخ محمد باقر اليزدي البافقي نزيل قم والمتوفى مظلوما في الأسارة أخذ الله بحقه ممن ظلمه وأجلاه عن وطنه ثم نشير إلى ما وصلت إلينا من سائر النسخ بعونه وكرمه فنقول قال طاب ثراه بعد الحمد والصلاة لأهلهما ما لفظه. . . إلى أن قال : انتهى ما وجدته بخط المرحوم العالم الزاهد البافقي المذكور . ثم طلبت من الفاضل الجليل الحجة الشيخ محمد الصدوقي اليزدي أن يستكتب من نسخة العوالم سند الحديث ومتنه فاسعف مأمولي دام توفيقه فأتاني بالمرجو فقابلته مع نسخة المرحوم البافقي فوجدتهما متطابقتين حرفا بحرف ولم يكن بينهما فرق بنحو من الانحاء غير أن الصدوقي ذكر في كتابه أنه وجد الحديث وسنده مكتوبا في هامش العوالم . وممن نقل المتن العلامة الجليل الثقة الثبت شيخنا فخر الدين محمد العلي الطريحي الأسدي النجفي صاحب مجمع البحرين في كتاب المنتخب الكبير ولا فرق بينه وبين المنقول عن العوالم إلا زيادة أجوبة التسليمات وجملة قوله (ص) اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي الخ . وممن يوجد في كلماته هذا المتن العلامة الجليل الديلمي صاحب الارشاد في كتابه الغرر والدرر فيوجد ما يقرب من نصف الخير . وكذا الحسين العلوي الدمشقي الحنفي من أسرة نقباء الشام وقدر ابنه بخطه ونقل العالم الجليل الحجة خازن روضة العظيم بالري الحاج الشيخ محمد جواد الرازي الكنى في كتابه ( نور الآفاق ص 4 طبع طهران ) المتن الذي نقلناه بواسطة المرحوم البافقي عينا حرفا بحرف وقال ما لفظه : وسمعت عن شيخي الثقة الحاج الشيخ محمد حسين السيستاني في سند هذا الحديث الشريف قال سمعت عن السيد حسن بن السيد مرتضى اليزدي قال روى صاحب العوالم إلى آخر السند الذي نقلناه ويظهر من كلامه أن الحديث مذكور في موردين في المجلد الحادي عشر والمجلد الثاني والستين فلاحظ .
وقد نظم هذا الحديث الشريف عدة من نوابغ الأدب وفرسان الشعر من أصحابنا وغيرهم ( فمن أجلهم العلامة الفقيه الأديب آية الله أبو المعز السيد محمد ابن العلامة السيد مهدي القزويني الحلي المتوفى 1335 وكان في غاية الجلالة والنبالة من أصدقاء والدي العلامة طاب ثراهما وننقل المنظومة من كتاب البابليات للفاضل المعاصر الجليل الأستاد الشيخ علي الخاقاني النجفي نشر مجلة (البيان ) أدام الله بركته وكثر بيننا أمثاله قال في ( ج 5 ص 252 ط النجف الأشرف ) في ترجمة الناظم ما لفظه : وله ناظما حديث الكساء بهذه الأرجوزة قوله :
انتهى. وممن نظمه العلامة الجليل المعاصر السيد هاشم بن المحسن اللعيبي الموسوي المتوفى سنة 1371 قال طاب ثراه وحشره الله مع الخمسة الثاوين تحت الكساء :
إلى آخر تلك المنظومة الشريفة الراقية .
وممن نظم العلامة مروج المذهب في الأقطار السورية آية الله شيخنا في الرواية الفقيد المرحوم السيد محسن الأمين الحسيني العاملي صاحب كتاب أعيان الشيعة حيث يقول (قدس سره) في قصيدته الشهيرة التي أنشدنيها ببلدة قم المشرفة عام مجيئه إلى بلاد إيران حيث يقول :
القرينة الثالثة : مناسبة لغة الحديث و انسجام أسلوبه مع الأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) .
قال السيد السيستاني (حفظه الله) في قاعدة لا ضر ص 214: فإنه كلما كانت هناك مجموعتان منسوبتان إلى شخص أو جهة وكانت إحداهما مقطوعة الانتساب والأخرى مشكوكة ، فإنه لا بد في الوثوق بالمجموعة الثانية من الرجوع إلى المجموعة الأولى باعتبارها السند الثابت في الموضوع .
وملاحظة روحها وخصائصها العامة ، ثم عرض تلك المجموعة على تلك المبادئ المستنبطة فما وافقها قبل وما خالفها رد . وربما تداول إجراء مثل هذه الطريقة في تحقيق الكتب أو الأشعار المشكوكة النسبة ونحوها فإنها تقارن بما ثبت عن الشخص ثبوتا قطعيا ، بعد درس مميزاته وخصائصه ثم يحكم فيها على ضوء ذلك فلو فرضنا إن شعرا نسب إلى مثل الرضي أو مهيار الديلمي أو إلى حافظ أو سعدي ، وهو لا ينسجم مع ما عرف به من أسلوب ومن صفات نفسية ومميزات فكرية فإنه لا تقبل النسبة لان كان الذي نسبه إليه رجل ثقة . وبمثل ذلك أبطل بعضهم دعوى قوم أن بعض نهج البلاغة مصنوع ومختلق ، ففي شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة عن مصدق بن شبيب الواسطي إنه قال قلت لأبي محمد عبد الله ابن احمد المعروف بابن الخشاب - في كلام عن الخطبة الشقشقية - : ( أتقول : إنها منحولة ! فقال : لا والله ، وإني لاعلم أنها كلامه كما أعلم أنك مصدق . قال فقلت له : إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضي (رحمه الله ) فقال : إن للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب . قد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر ) .
وقال ابن أبي الحديد نفسه في إبطال هذه الدعوى : ( إن من أنس بالكلام والخطابة وشدا طرفا من علم البيان وصار له ذوق في هذا الباب لا بد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح وبين الف