message.Client
                    .web-title

الأهداف الرسالية من البعثة النبوية

 إن من أهم الأحداث في التأريخ الإسلامي منذ بدايته هو التحول النوعي الذي أوجدته البعثة النبوية للبشرية من حالة إلى أخرى، أي من الظلمة الى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن عبادة الأوثان إلى عبادة الله سبحانه وتعالى. وهذا ما أشارت إليه السيدة الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها في خطبتها المعروفة بـ (الخطبة الفدكية)، وقد أجادت سلام الله عليها في تصوير الحالة التي كانت عليها العرب قبل البعثة، والتحول الجذري الذي طرأ عليهم بعد البعثة، حيث قالت: ﴿کُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، مُذْقَةَ الشَّارِبِ، وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ، وَقُبْسَةَ الْعِجْلانِ، وَمَوْطِی‏ءَ الْاَقْدامِ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ، وَتَقْتاتُونَ الْقِدَّ، أَذِلَّةً خاسِئینَ، تَخافُونَ أَنْ یَتَخَطَّفَکُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِکُمْ، فَأَنْقَذَکُمُ اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَآلِهِ، بَعْدَ اللَّتَیَّا وَالتی، وَبَعْدَ اَنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ وَذُؤبانِ العَرَبِ وَمَرَدَةِ أَهْلِ الْکِتابِ، کُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾[2].

ومن هذا المنطلق ينبغي علينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة العظيمة، وهي نعمة بعثة الأنبياء إلى بني آدم عليه السلام بشكل عام، وبعثة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلينا وإلى العالمين بشكل خاص. قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[3]. والشكر العملي الذي رسمه الباري عز وجل لنا هو أن نؤدي أجر الرسالة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث جعل أجر الرسالة هو المودة لأهل البيت عليهم السلام، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[4].

وكانت هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها على عباده هي استجابة لدعاء نبيه إبراهيم عليه السلام لأهل مكة أن يبعث فيهم رسولا منهم. بعد أن انتهى إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام من بناء الكعبة المشرفة دعا لهم كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[5]. فاستجاب الله سبحانه وتعالى  لنبيه إبراهيم عليه السلام إذ بعث فيهم نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ﴿أنا دعوة إبراهيم﴾[6]. مع أن الله سبحانه وتعالى منح بني آدم نعمة العقل حتى يتمكنوا من خلاله تحقيق الكمال والوصول إلى السعادة، إلا أن عقل الإنسان يبقى محدودًا في دائرة مداركه الحسية، وما يملك من علم ومعرفة. لهذا يحتاج العقل إلى الدعم المستمر من قبل المدبر المطلق وهو الله سبحانه وتعالى.

لذلك وجود الأنبياء بين الناس ضروري من أجل كمال الإنسان وسعادته. فالأنبياء هم الحبل الممدود بين الله سبحانه وتعالى وبين عباده ليقوموا بإيصال العلم والمعرفة والتعاليم الدينية ومكارم الأخلاق. ولاستمرار هذه المعادلة الإلهية بعث الله سبحانه وتعالى 124 ألف نبي كما تشير إليه بعض الروايات. وقد شاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يختم النبوة بأفضل الخلق وأكفئهم وأقربهم إليه وهو النبي الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم لتكون رسالته وشريعته خاتمة الرسالات والشرائع.

  •  الأهداف الرسالية:

الأهداف الرسالية من بعثة الأنبياء عليهم السلام بشكل عام، ومن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بشكل خاص، كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، وهي:

  •  أولا: التوحيد:

الهدف الرسالي الرئيسي من بعثة الأنبياء هو توحيد الله سبحانه وتعالى، فالأنبياء جميعًا يدعون إلى الله الواحد الأحد، ولم يأت نبي قط يدعو إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى أو يدعو إلى آلهة أخرى. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾[7].

  •  ثانيًا: العبادة واجتناب الطاغوت:

من أهداف الرسالة أيضًا العبادة واتخاذ الموقف من الطغاة والظالمين، وهذا الهدف يمثل علاقة الإنسان مع ربه، ويمثل علاقة الإنسان مع المجتمع بكل أطيافه. أما الموقف في الواقع الاجتماعي والسياسي الذي ينبغي على الإنسان المؤمن أن يتخذه هو الوقوف ضد الظلم والانتصار للحق. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[8]. وبالتالي من لم يلتزم بهذا الهدف الرسالي ليس عقابه في يوم القيامة فحسب وإنما أيضا سيجد آثاره في الدنيا.

  •  ثالثًا: العدالة:

العدالة الاجتماعية هي مطلب عقلي ومطلب أخلاقي ومطلب إنساني. والعدالة الاجتماعية هي مهمة رسالية وهدف رسالي بُعث الأنبياء والرسل عليهم السلام من أجل تحقيق العدالة على أرض الواقع. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[9].

  •  رابعًا: إلقاء الحجة على العباد:

من البديهيات العقلية أنه لا عقاب ينزل على أي إنسان أو يُطبق عليه إلا بعد إقامة الحجة عليه من خلال بعثة الأنبياء والرسل، وبيان الأحكام، وتنوير العقل بالعلم والمعرفة، وبيان ما يُوجب الثواب والعقاب. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾[10]. ولهذا إلقاء الحجة على العباد من الأهداف الرسالية من بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام.

  •  خامسًا: البشارة والإنذار:

       ومن الأهداف الرسالية البشارة بالجنة والرضوان والنعيم الدائم لمن يلتزم، والإنذار بالنار والوعيد والعقاب الدائم لمن يتمرد. قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾[11].

  •  سادسًا: حل الاختلاف بين الناس:

       الحكم في موارد الاختلاف وحل الخلافات بين الناس هو هدف هام من الأهداف الرسالية من بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام، سواء كانت هذه الاختلافات دينية أو دنيوية. ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾[12].

  •  سابعًا: التقوى:

       ومن الأهداف الرسالية الهامة من بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام هو حث بني آدم على التزود بالتقوى، وحثهم على الإصلاح في الدنيا. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[13]. وقد بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة الأجر الذي ينتظر المتقين في يوم القيامة إذ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

  •  ثامنًا: بيان الحق وشرح الحقيقة للناس:

حتى ترتفع الغشاوة عن أعين الناس وعن قلوبهم وعقولهم بعث الله الأنبياء والرسل عليهم السلام ليبينوا للناس الحق ويشرحون لهم الحقيقة وهذه المهمة من الأهداف الرسالية التي جاء من أجلها الأنبياء والرسل عليهم السلام. قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[14].

  •  تاسعًا: مكارم لخلاق:

       في الآية التي بدأنا بها المقال وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[15]. فيها بيان أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدد أهداف بعثته الكبرى بالتزكية، وهي تحظى بالأهمية الفائقة. وقد ذكر العلامة الشيخ حسين العايش في موضوع له عن "دور الأخلاق الاجتماعية في حصانة المجتمع" حيث قال: أكد بعض علمائنا عليها عندما سئل عن سبب استمراره في التذكير بالتزكية فأجاب إنها إحدى الأسس العظيمة التي بُعث لأجلها النبي صلى الله عليه وآله، وتترتب عليها مكارم الأخلاق، باعتبارها هدف الرسالة: ﴿إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق﴾[16].

 هذه بعض أهداف الرسالة الواسعة التي استطاعت البعثة النبوية أن تحقق بها إنجازًا كبيرًا. وتمكنت من تحويل الأمة من الحالة الوثنية إلى خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله واليوم الآخر.

 

http://almoterfy.com/post/الأهداف-الرسالية-من-البعثة-النبوية