
وتلبية لطلبه النبيل كتبت هذا الموضوع،الذي تحدثت فيه عما أشيع في التاريخ المشوه المزور من أن الإمام الحسن عليه السلام كان كثير الطلاق كثير الزواج،وقمت بنشره في ذلك المنتدى في حلقات متتالية،لكنني للأسف فقدت بقية الحلقات،ولم أجد سوى هذه الحلقة التي أضعها بين أياديكم الكريمة، آملا أن يكون فيها شيء من الفائدة والمتعة،سائلا من العلي القدير أن تتاح لي فرصة التوفيق لإكمال هذا البحث من جديد في مستقبل الأيام :
إننا حين نحتفل بالإمام أبي محمد الحسن عليه السلام، فهذا يعني أننا لا نحتفل بإنسان عادي،عاش على هذا الكوكب الأرضي حفنة من السنين،ثم مات ودُس في التراب دون أن يكون له أي أثر في الحياة،بل ولا نحتفل فقط بعظيم من عظماء التاريخ،وفذ من أفذاذ البشرية،وعملاق من عمالقة العالم...إذ لا شك ولا ريب أن الإمام الحسن عليه السلام هو فوق كل هؤلاء بكثير،إذ ليس له بين الخلق من شبيه ولا نظير، لأنه صلوات الله وسلامه عليه،من الشجرة الطيبة، التي أصلها ثابت وفرعها في السماء،ومن أهل بيت لا يقاس بهم أحد،ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه،فصغيرهم لا يقاس،وكبيرهم جمرة لا تداس.
فقد حلّق الإمام الحسن في سماء المجد والعظمة حتى بلغ القمة منها،ووصل إلى مرتبة لم يصل إليها من قبله أحد،ولن يصل إليها من بعده أحد،إذ أنها ليست متاحة لكل أحد،وغير ممكنة لكل أحد،إلاّ للذين انتخبهم الله من خلقه، واصطفاهم من بريته، وجعلهم فوق الناس أجمعين...أعني محمدا وآله الطيبين الطاهرين،صلوات الله عليهم أجمعين.
فالإمام الحسن عليه السلام هو من هؤلاء المنتجبين الأخيار، المصطفين الأطهار، لأنه صلوات الله وسلامه عليه فرع من شجرة النبوة، وغصن من أغصانها الشامخة،فهو سبط النبي، وشبل الوصي،وأخو الشهيد،وعم الأئمة،وابن البتول الزاكية،فله من سمو المنزلة والمنزلة السامية،ورفعة المقام والمقام الرفيع،وعظمة المكانة والمكانة العظيمة، وقدس الجلالة وجلال القداسة...ما ليس لأحد غيره من البشر،لا في الحاضر ولا في من غبر.
فقد تجسدت في شخصيته العظيمة الطاهرة،كل القيم الفاضلة، والآداب الحسنة، والمثل العليا،والأخلاق الكريمة، والسجايا العظيمة...من إيمان وتقى،وزهد وورع، وعفة وسداد،وجد واجتهاد، وعزم وحزم،وجود وسخاء، وعلم وحلم،وصفاء ونقاء، وعصمة وطهارة،وبطولة وشجاعة،وفصاحة وبراعة...وإلى ما هنالك من فضائل ومناقب ومآثر ومكرمات، تجسدت في شخصه الطاهر،وتجلت للناس بأجلى المظاهر،وبوأته صلوات الله وسلامه عليه المقام الأسمى،والمنزلة العظمى،عند الله ورسوله والميامين من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين في كل آن وحين.
فهل ترى أو تجد،بعد كل هذا من يباريه فضلا؟!،أو يجاريه فخرا؟!.
من يباريهم وفي الشمـس معـنى
مــتـعـب مـجـهـد لـمـن بـاراهـا؟!
فنحن حين نحتفل بهذا الإمام العظيم،عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فإننا ـ حقيقة وواقعا ـ نحتفل بهيكل القداسة وسيد الكائنات،رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله،إذا لا شك ولا ريب أن الإمام الحسن عليه السلام،قد خلق من نور جده الذي خلق من نور الله عز وجل،وأنه وسائر الأئمة المعصومين الامتداد الطبيعي لخط النبوة والرسالة،إذ اصطفاهم الله من عباده،وجعلهم خلفاءه في بلاده،وفرض على الخلق مودتهم،وأوجب عليهم ولايتهم....ولقد قرنهم رسول الله بالكتاب، وجعلهم قدوة لأولي الألباب،وشبههم بسفينة نوح يأمن من ركبها ويغرق من تركها،وباب حطة يغفر لم دخلها،فالمتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق ،واللازم لهم لاحق،و من تمسك بهم واعتصم بحبلهم فقد اعتصم بحبل الله المتين،وتمسك بعروته الوثقى التي لا انفصام لها والله سمع عليم.
فهم حلقة الوصل بين الأرض والسماء،والرابطة القوية بين الخالق والمخلوق،وباب الله الذي منه يؤتى،فمن أراد الله بدأ بهم،ومن وحده قبل عنهم.
ولكن المؤسف حقا أن الأمة جهلت مقامهم،ولم تعرف قدرهم،فانتهكت حرمتهم،وغصبتهم حقوقهم،ودفعتهم عن مقامهم،وشردتهم عن بلادهم،وتتبعتهم ظلما وقتلا وتشريدا...
وإني لأقسم بجلال الله العظيم،وقدس نبيه المصطفى الكريم،لو أن النبي أوصى بظلمهم وقتلهم والاعتداء عليهم،لما استطاعت الأمة أن تفعل أكثر مما فعلت بهم من الظلم لهم والاعتداء عليهم!.
ولم يقتصر ظلم الأمة لأهل بيت العصمة والطهارة على القتل والسبي والتشريد...بل تعدى ذلك إلى الكذب والافتراء عليهم،والاتهام بالباطل لهم،فرموهم بكل طامة، ووصفوهم بكل شين وقبيح ...فكم في التاريخ من أمور مخزية، وأكاذيب ملفقة،نسبها البعض - بكل جرأة وكل وقاحة ـ لأهل البيت صلوات عليهم أجمعين.
ولم يسلم الإمام الحسن من هذه التهم والأكاذيب الباطلة،فقد حاول التاريخ الظالم أن يشوّه صورة هذا الإمام العظيم،وأن يلصق به من التهم الكبيرة، والافتراءات العظيمة، ما هو منه بريء براءة الذئب من دم يوسف،وما تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض،وتخر الجبال هدا!.
ولعل من أبشع الأكاذيب على هذا الإمام المظلوم، هو اتهامه بأنه (رجل جنسي!) لا يفكر إلا في إشباع غريزته،ولا يهتم إلا بإرضاء شهوته!،فهو صلوات الله وسلامه عليه (زير نساء!) و (رجل مطلاق!) يتزوج المرأة ليلا ليطلقها نهارا!،ثم يعقبها بأخرى ليفعل بها ما فعله بالأولى،بل ربما طلق أربعا وعقد على أربع في مجلس واحد!.
حتى ادعى البعض أن الإمام الحسن تزوج من ثلاثمائة امرأة!،وأن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ضاق ذرعا بولده وتصرفاته غير الأخلاقية!،والتي تنافي روح الإسلام وتعاليمه،مما جعل الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه يعلن في الناس : أن الحسن رجل كثير الزواج كثير الطلاق، طالبا منهم أن لا يزوجوه إذا خطب!.
والعجب العجاب أن البعض يحاول أن يصحح هذه الأكاذيب الباطلة،وأن يضع لها المبررات،ويختلق للإمام الحسن فيها الأعذار، بل ويعتبرها من مظاهر الشبه بينه وبين جده رسول الله،وكأنه بذلك لا يكتفي بالقدح في الإمام الحسن بل يتعداه ليصف جده المصطفى بهذا الوصف المشين!
كيف نشأت أكذوبة القول بأن الإمام الحسن عليه السلام رجل مطلاق؟!،وما هي أدلة القائلين بذلك؟!،وكيف نرد هذه الأكذوبة ونفندها؟!.
هذا ما سنحاول أن نتناوله في هذا البحث بشيء من التفصيل،سائلين من الله التوفيق والتسديد.
الواقع إن الذين يذهبون إلى أن الإمام الحسن عليه السلام كثير الزواج كثير الطلاق ،لم يأتوا في ذلك بحجة بينة،أو برهان متين، وإنما اعتمدوا على روايات ضعيفة السند،معتلة المتن، مروية عن أناس عُرفوا بانحرافهم عن العترة الطاهرة،وولائهم للشجرة الملعونة في القرآن الكريم !.
وسترى حين نأتي إلى ذكر هذه الروايات،ونسلط الضوء عليها،أنها لا تسمن ولا تغني من جوع،وأنها أعجز من أن تصمد أمام البحث العلمي،والمناقشة الجادة،التي ترتكز على قرع الحجة بنظيرتها، ومواجهة الدليل بمثله،إلى أن يبان الصبح لذي عينين، وتسفر الحقيقة عن وجهها (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)
والمهم الذي يجب أن نعرفه الآن،هو أن هذه الروايات المكذوبة،قد بالغت كثيرا في عدد نساء الإمام الحسن عليه السلام ،كما أنها تضاربت تضاربا عجيبا،وتناقضت تناقضت غريبا جدا جدا في تحديد هذا العدد المزعوم!.
فهناك من يقول : أن الإمام الحسن عليه السلام تزوج من سبعين!.
وهناك من قال : من تسعين!.
وهناك من قال : من مائتين وخمسين!.
وهناك من قال : من ثلاثمائة!.
ومع أن هذا التناقض الفاضح،والتضارب الصارخ في العدد،يكفي في إسقاط هذه الأقاويل،وعدم الركون إليها،والاعتماد عليها،إلاّ أن هناك ـ بكل أسف ـ من صدق بهذه الأكذوبة،وآمن بها،وراح يسوقها في مؤلفاته سوق المسلمات،وكأنها حقيقة ثابتة، غير قابلة للنقاش!.
ولعمري إن هذا مما فتح الباب على مصراعيه أمام غير المنصفين،من المستشرقين وأذنابهم من المتعصبين،للطعن في قادة الإسلام وأئمة المسلمين، ومحاولة النيل منهم، والحط من كرامتهم!
فالذين اعتمدوا هذه الأباطيل وذكروها في مؤلفاتهم دون تحقيق أو تمحيص،هم من فتح الباب أمام المستشرق الحاقد (لا منس) ليسخر من الإمام الحسن،ويتطاول على شخصه المقدس،وينال من كرامته التي لا تنال!.
فقد قال هذا المستشرق عن السبط الأول للنبي العظيم،الإمام الحسن بن علي عليه السلام : (وقد أنفق خير شبابه في الزواج والطلاق!،فأحصي له حوالي المائة زوجة! ،وألصقت به هذه الأخلاق السائبة لقب المطلاق، وأوقعت عليا في خصومات عنيفة، وأثبت الحسن كذلك أنه مبذر!،كثير السرف!، وقد خصص لكل واحدة من زوجاته مسكنا ذا خدم وحشم!،وهكذا نرى كيف يبعثر المال أيام خلافة أبيه علي التي اشتد عليها الفقر...!)
أرأيتم إلى أي حد تمادى هذا المستشرق في غيّه؟! ،وإلى أي مدى وصل تطاوله على سيد شباب أهل الجنة؟!،وكيف لم يترك صفة معيبة إلاّ وحاول أن يلصقها فيه، ويرميه بها؟!.
كل ذلك بقصد انتقاصه، ومحاولة الحط من قدره العالي،ومكانته الرفيعة، ومن أجل تشويه صورته المشرقة!،إنه يصفه وبكل جرأة ووقاحة : بصاحب الأخلاق السائبة!، والمطلاق،والمسرف والمبذر،ومسبب المشاكل لأبيه أمير المؤمنين، وصاحب القصور الفارهة، والخدم والحشم،ومبعثر الأموال على شهواته وغرائزه...
والواقع إننا لا نستغرب مثل هذا من مثل هؤلاء!، فهذا هو شأن المستشرقين وديدنهم!، وكذا دأبهم وطريقتهم،أثناء تعرضهم للإسلام ورموزه العظام،عليهم أفصل الصلاة وأزكى السلام!.
فالإمام الحسن ليس الوحيد الذي لم يسلم من شرهم واعتدائهم،بل أن تطاولهم قد نال حتى جده سيد الكائنات رسول الله،وأمير المؤمنين، والبضعة الطاهرة فاطمة سيدة نساء العامين،وسيد الشهداء أبي الضيم الإمام الحسين...وغيرهم من سادة الخلق، وعظماء الإسلام،كما نال نقدهم وتطاولهم الإسلام وتشريعاته الخالدة، وتعاليمه القيمة ،ودساتيره الحكيمة،وقوانينه الرشيدة، مما يؤكد لنا الحقد الدفين في قلوب المستشرقين على الإسلام وأئمة المسلمين،إلا ما رحم ربي!.
وقد سبق أن تعرضت إلى الحديث عن المستشرقين،ونهجهم في الحديث عن الإسلام وتعاليمه ورجاله ونسائه، في كتابي (عقيلة الوحي) فكان مما قلته في ص 72 ـ 74 (...وليس المستشرقين بأعرف منا بتاريخنا وتراثنا الإسلامي المجيد،لنقدم رأيهم على رأينا!.
ومتى صدقت نوايا المستشرقين نحو الدين الإسلامي،ونزّهوا أنفسهم عن الحقد والعصبية أثناء بحوثهم عنه،حتى نثق بهم، ونطمئن إلى تحليلاتهم ونتائجهم؟!.
أليس هم الذين يحاولون نقد القرآن الكريم،وتشكيك المسلمين في صحة ما ورد فيه، وإيهامهم بأن الصحيح فيه ليس جديداً،والجديد ليس صحيحاً؟!،لأنهم يعلمون بأنهم لا سبيل لهم إلى إخضاع المسلمين ما دام القرآن بين أيديهم يتلى ويتبع!.
أليس هم الذين يتهمون رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه لا يتحرج عن الاختصاص ببعض النسوة الأسيرات في كل غزوة يغزوها عليه وآله أفضل الصلاة وأزكى السلام؟!
أليس هم الذين يرون الإسلام ديناً إرهابياً،أسس على القوة،وقام على أشد أنواع التعصب؟!.
أليس هم الذين يصفون المسلمين بأنهم لا يفهمون الأديان،ولا يقدرونها قدرها ،وإنهم لصوص وقتلة ومتأخرون؟!.
أليس هم الذين يقولون عن سيدة النساء،فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها بأنها لم يكن شأنها في بيت والدها خطيراً ظاهر الأثر بادي الخطورة،بل لقد كان خطره أقل من خطر عائشة وزينب وحفصة!،ولقد كانت تعامل في بيت والدها معاملة عادية!،وأن جهازها المتواضع الذي أمر به النبي صلى الله عليه وآله حين زواجها،هو دليل الكراهية التي في نفس محمد لا بنته فاطمة وزوجها،وكانت كراهيته له لا تقل عن كراهيته لها،كما يقول (( لا منس ))
وهاهو العقاد يحدّثنا عن المستشرقين ونهجهم في بحوثهم المتعلقة بالإسلام فيقول : (...أما العبرة في تاريخنا العصري،فمرجعها إلى كتابة طائفة من العصريين،يزعمون أنهم يطبقون علم العصر على تاريخها القديم،وأنهم يصححونه بهذا التطبيق ،وليس أعجز منهم عن تحقيق هذه الدعوى،لأنهم أثبتوا فيما كتبوه أنهم يزنون بميزانين،وينظرون بعينين،ويختلقون أسباب التشويه والتحريف!.
أولئك هم طائفة المستشرقين،الذين يجمعون بين الاستشراق والتبشير،فمن هؤلاء من يطالع في الكتب الدينية التي يصدقها،فيقرأ فيها من أخبار الدعاة والأدعياء، أموراً لا شك أنها من العيوب،فلا يحسبها عيوباً، ولا يتأفف منها،بل يعنت فكره ويعنتها تخريجاً وتعويجاً،حتى يقبلها ويفرض قبولها على الناس!.
فإذا طالع كتباً عن أصحاب دين غير دينه،لم يأخذ نفسه بمثل هذا التحسين والتزيين،بل يأخذه على النقيض من ذلك، بالمسخ والتشويه،وتحويل المحاسن إلى عيوب!،أو بالتنقيب في كل مكان عما يعاب،إن لم يجد ما يعيبه في ظاهر السطور والحروف!.
وما من شيء يمسخ الدين ويمسخ العلم معاً، كما يمسخهما هذا الخلق الذميم،فإن الدين لا يعلّم الإنسان شيئاً،إن لم يعلمه حب الصدق،واجتناب التمحل والافتراء،وأن العلم شر من الجهل،إن كان يسوم الإنسان أن يغمض عينيه لكيلا يرى،ويوصد أذنيه لكيلا يسمع!.
فليس هذا جهلاً يزول بكشف الحقيقة،ولكنه مرض يتعمد حجب الحقيقة عن صاحبه ،وهي مكشوفة لديه،فهو شر من الجهل بلا مراء!)
ثم ضرب لنا العقاد مثلاً على مرض المستشرقين، الذي هو شر من الجهل، فقال : ( يؤلف رجل من رجال الدين المستشرقين ،الذين عاشوا زمناً في الشرق،كتاباً عن الزهراء ليرضي فيه ذلك العلم العصري المقلوب،ويبحث عن العيوب حيث لا عيوب ،فإذا العيب هو الإسفاف، وكم في الإسفاف من عيوب،بل من ذنوب!.
ومن تفاهاته وسفاسفه، أنه يحاول جهده أن يثبت أن السيدة فاطمة لم تتزوج قبل الثامنة عشرة،لأنها كانت محرومة من الجمال! ،ولم تُصدّق أن أحداً يخطبها بعد تلك السن!...ولما عرض عليها النبي الزواج من علي،سكتت هنيهة، ولكنها لم تسكت خجلاً،بل دهشة من أن يخطبها خاطب!... )
وفي الوقت الذي يؤسفنا أن يصدر هذا عن المستشرقين،إلاّ أننا لا نعتب عليهم،بل ولا نعيرهم وزنا،ولا نعطي كلامهم أي قيمة،ولكننا ـ حقيقة وواقعا ـ نعتب أشد العتب على المسلمين،الذين مهدوا الطريق لهؤلاء المستشرقين،وفتحوا لهم الباب على مصراعيه للطعن في الإسلام،والنيل من قادته الكرام،والهتك لمقدساته العظيمة، بروايتهم لتلك الأقاويل والأباطيل،التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومحاولتهم تصحيحها وتنزيهها عن كل شين وقبيح!.
ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك،ما سبق أن نقلناه لك من كلام (لامنس) عن الإمام الحسن عليه السلام، إذ لولا تلك الروايات الضعيفة،والأقوال المكذوبة عليه،والتي تتهمه بكثرة الزواج والطلاق، والتي استغلها لامنس أبشع وأسوأ استغلال، واتخذها ذريعة للطعن في الإمام الحسن،والنيل منه، والحط من قدره....وإلا لما تمكن أن يتفوه بما تفوه به من هذيان.
فاللوم على من يروي هذه الأكاذيب،وعلى من يصححها،ويؤمن بها،أما الخصوم فلا لوم عليهم،إذا كنا نسلمهم حبل المشنقة بأيدينا.
دعونا الآن من المستشرقين،وتعالوا معي لنرى على ماذا يعتمد القائلون أن الإمام الحسن عليه السلام رجل مطلاق؟.
فهم يعتمدون على عدة أمور من بينها :
1/ وجود بعض الروايات الدالة على ذلك.
فهناك مجموعة من الروايات،تدل على كثرة زواج الإمام الحسن وكثرة طلاقه،حتى التصق لقب المطلاق به صلوات الله وسلامه عليه.
ومن بين هذه الروايات، الرواية التي انفرد (الشبلنجي) بروايتها في كتابه (نور الأبصار) وهي رواية ضعيفة،لأنها مرسلة، فلا يعتد بها،ولا يعول عليها،فهي غير قابلة للاحتجاج لضعفها،بسبب إرسالها.
كما يعتمدون أيضا على رواية أخرى،ذكرها (ابن أبي الحديد) في (شرح نهج البلاغة) عن علي بن عبد الله البصري،المعروف (بالمدائني) المتوفى سنة 225هـ
وأيضا لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية،وذلك أن المدائني،هو مولى لسمرة بن حبيب الأموي،والموالي أتباع لمواليهم،وعلى خطهم يسيرون،ولهذا فقد كانت في المدائني نزعة أموية شديدة،وميل وانحراف عن أهل البيت كثيرو كبير.
ومن دلائل ميله إلى الأمويين،وانحرافه عن العلويين،كثرة إشادته ببني أمية،وإكثاره من الثناء عليهم.
وإذا كان الأمر كذلك،فمن الطبيعي جدا،أن ينتقص المدائني أهل البيت،ويشوه صورتهم،ويحاول الحط من قدرهم ومكانتهم،بالكذب والافتراء عليهم،بغضا لهم، وحقدا عليهم،ومن أجل إرضاء أسياده من بني أمية،الذين عُرف عنهم شراء الضمائر بالأموال،من أجل الافتراء على آل رسول الله،والنيل منهم صلوات الله عليهم.
وكان المدائني من الذين اشتراهم بنو أمية بالدرهم والدينار،كما أنه من الضعفاء الذين لا يعتد بهم،ولا يحتج بحديثهم، ولهذا لم يحتج به (مسلم) ولا روى عنه شيئا في (صحيحه) كما نص على ضعفه (ابن عدي) في (الكامل) بقوله عنه : (ليس بالقوي في الحديث، وهو صاحب الأخبار ،وقلّ ما له من الروايات المسندة)
كما يستندون أيضا إلى الرواية الواردة عن محمد بن عمر الواقدي،وهو لا يقل ضعفا عن المدائني، فقد ضعفه أئمة الحديث، حتى قال عنه الحافظ ابن حجر : (متروك مع سعة علمه)
ويحتجون أيضا بما ذكره (أبو طالب المكي) في كتابه (قوت القلوب) ونصه : (تزوج الحسن من مائتين وخمسين،وقيل ثلاثمائة، وكان علي يضجر من ذلك ويكرهه حياء من أهلهلهن إذا طلقهن!.
وكان يقول : إن الحسن مطلاق،فلا تُنكحوه!.
فقال له رجل من همدان : والله يا أمير المؤمنين، لننكحنه ما شاء،فمن أحب أمسك، ومن كره فارق.
فسرّ علي بذلك وقال :
ولو كنت بوابا على باب جنة
لقلت لهمدان : ادخلوا بسـلام
وهذا أحد ما كان الحسن يشبه رسول الله فيه،وكان يشبه في الخلق والخلق.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أشبهت خلقي وخلقي.
وقال : حسن مني، وحسين من علي.
وكان الحسن ربما عُقد له على أربعة وفارق أربعة!) انتهى.
وقبل أن نسلط الضوء على بعض فقرات هذا النص،دعونا نتعرف أولا على مؤلف كتاب (قوت القلوب) وكيف كانت حالته حين تأليفه لكتابه هذا.
فقد كان وقت تأليفه لهذا الكتاب مصابا (بالهستيريا) حتى أثر عليه ذلك تأثيرا كبيرا، وجعله يصاب (بالهجر) في القول والفعل،إلى درجة أنه جاء إلى بغداد واعظا،فانفض الناس من حوله،ولم يستمعوا لوعظه،لما رأوا في كلامه من الهجر والهذيان.
ومن هذيانه الذي يُعد من الطرائف المضحكة المبكية في آن واحد،قوله : ليس على المخلوق أضر من الخالق!.
أرأيت إلى أي حدّ هذا الرجل قد خولط في عقله، حتى لم يعد يدري ما يقول؟!.
كما أنه كان فاسقا،كما كان يسمع ويجيز سماع (الغناء) حتى عاتبه على ذلك عبد الصمد بن علي، فأجابه أبو طالب بقوله منشدا :
فيا ليل كم فيـك مـن متعـة
ويا صبح لـيتك لـم تقـرب
وهو يشير بمتعة الليل، إلى الاستمتاع بسماع الغناء والطرب،حتى تركه عبد الصمد غاضبا منه،داعيا عليه.
على كل حال لقد ألف أبو طالب كتابه (قوت القلوب) في وقت هو أشبه فيه بالمجانين،الذين لا يعقلون،ولا يدرون ما يقولون ولا ما يفعلون،فهل يبقى بعد كل هذا مجال للاحتجاج بهذا الكتاب وما جاء فيه؟!
ويجب أن تلاحظ أيضا أن ما ذكره أبو طالب عن كثرة زواج الإمام الحسن في كتابه هذا،لم يسنده إلى أحد،وإنما ساقه على عواهنه،وأرسله إرسال المسلمات،دون بينة أو برهان،وقد أكد المترجمون لأبي طالب المكي،أن كتابه هذا يحتوي على أحاديث لا أصل لها.
ولا شك أن من بين هذه الأحاديث التي لا أصل لها ولا فصل،هو ما يتعلق بكثرة زواج الإمام الحسن وكثرة طلاقه.
هذا عمدة ما يعتمد عليه الذاهبون إلى أن الإمام الحسن عليه السلام رجل مطلاق،قد أوقفناك عليه،وبينا لك ضعفه وزيفه وبطلانه.
ومع هذا فلنا عودة أخرى لنتناول هذه الأحاديث الموضوعة المكذوبة بالنقد من زاوية أخرى،كما سنتوسع في تناول هذا الموضوع من عدة جهات، إلى أن نوقفك على كل تفاصيله،ونبين لك مدى تهافته،بل ووزيفه وبطلانه.
هذا ما قلته في الجزأين الأول والثاني من هذا البحث،ولكني ـ كما قلت ـ وللأسف فقد فقدت بقية الأجزاء،وإلا فهناك أمور أخرى كثيرة متعلقة بالموضوع،ولكني للأسف الشديد إلى الآن لم أحاول كتابته من جديد،وأسأل من الله أن يوفقني لإكماله وإخراجه في كتيب مستقل.