
بالإمكان أنْ اِشْتَرَى ملك ملوك القدامى المصرين آمون قبل ألوف السنين ماسة جميلة براقة حينها وخزنها في مكان آمن ويتم اكتشافها اليوم أو المستقبل فلا تكون إلا فحمة سوداء! كِلَا الماس والفحم عبارة عن مركبات من الكربون، والماس البراق يتحول في نهاية مطافه إلى فحم أسود، وهذه حقيقة علمية، بل كل شيء في هذا الكون يتحول من صورة إلى أخرى بما فيها الذرات المستقرة. الكون قد ابتدأ من العدم وقد تكون نهايته إلى لا شيء.
الذرة كائن غريب وليست هي أصغر ما في الكون وسميت بهذا الاسم ليس لأنه لا يمكن تقسيمها إلى جزئيات أصغر، كما كان يَعتقده الفلاسفة الإغريق، ولكنها أصغر جزء من المادة يحمل صفات عنصر من العناصر، مثل الهيدروجين والأكسجين. بداخل الذرة ليس عالم بل عوالم وأبعاد وجسيمات وحركة دؤوبة لا تتوقف: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا «44» – الإسراء. كما أنه بالأمكان أن تتحول ذرة عنصر ما إلى ذرة عنصر آخر إما عن طريق الانشطار أو الاندماج النووي.
عُلّمنا في المراحل المتوسطة أن الذرة تتكون من ثلاثة جسيمات مختلفة وهي الپروتون و النيوترون و الإلكترون. وللذرة خصائص معينة لتكون عنصر ما ومن أهمها تساوي عدد الپروتونات مع عدد الإلكترونات لتستقر كهربائيا لأن الپروتون موجب والإلكترون سالب. النيترون متعادل الشحنه ولكن بإمكانه أن يتحول إلى بروتون إذا اكتسب شحنة أو أن الپروتون يتحول إلى نيوترون في حال فقدان شحنته؛ تقريبا، يتعادل النيوترون مع البروتون في الكتلة، بينما الإلكترون يكون أصغر منهما بكثير لأنه مجرد شحنة وليس جسما ذا ثقل يذكر. يجتمع الپروتونات والنيوترونات في مكان في مركز الذرة ويطلق عليه إصطلاحا النواة؛ بينما تدور الإلكترونات حول هذه النواة. نحن نعرف كيفية صعوبة شَبْكِ قطب مغناطيسي شمالي مع قطب آخر مشابه له إذ نرى التنافر بينهما، ومهما فعلنا وحاولنا فأنهما لابد أن يتنافرا ما لم نؤثر عليهما بقوة معينة لنتغلب على قوة التنافر بينهما التي تُسمى الطاقة الكهرومغناطيسية «electromagnetic force». نفس الأمر ينطبق على تجميع الپروتونات والنيوترونات في النواة إذ تحتاج لطاقة مهولة جدا لكي تستقر هذه الجسيمات، وتُسمى هذه القوة الطاقة العظيمة «strong interaction» وإذا حررت هذه الطاقة نتجت عنها طاقة مهولة جدا وتكون مدمرة لأقصى درجة وذلك كما حدث في الحرب العالمية الثانية في اليابان حينما رُميت بقنبلتين نوويتين مسحتا هيروشيما وناگزاكي. لذلك، تكوين الذرات بحاجة لأفران نووية مثل الشموس.
ربما يعرف الجميع دور الپروتونات والإلكترونات في الذرة، ولكن ما دور النيوترانات؟ النيترونات موجودة في الذرة ولم يكن وجودها عبثا: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ «49» – القمر. أولا، تشارك النيوترونات في كتلة الذرة كونها من أثقل الجسميات فيها. بداية، علينا أن نراجع أمرا مهما وهو أن الپروتونات والنيوترونات تتكون من جسيمات أصغر منها تُدعى كواركات «quarks». كل پروتون أو نيوترون يتكون من ثلاثة كواركات. عدد النيوترونات في النواة لا يؤثر على خصائص الذرة الكيميائية ولكنه حتما يؤثر على الخصائص الفيزيائية مثل الكتلة والحسابات النووية المختلفة. النيوترونات تعتبر ساعة طبيعية للعناصر تسمى بعمر النصف «half-life» ومن خلالها عرفنا عُمْرَ الكون وأعمار الأحافير والطبقات الأرضية. بعض ذرات العناصر، مثل الكربون تحتوي على عدد مختلف من النيوترونات التي تُسمى النظائر؛ أي أن عدد الپروتونات ثابت ولكن عدد النيوترونات مختلف. على سبيل المثال، للكربون خمسة عشر نوع من النظائر، عدا كربون 12 و13، أكثرها غير مستقر أو ما يسمى بالنظائر المشعة «radioisotopes». الآن نتطرق لمصطلحين مهمين مرّا على الكثير منّا أثناء الدراسة وهما الكتلة الذرية و العدد الذري. العدد الذري عبارة عن عدد البروتونات في النواة وهو ثابت لكل عنصر ولا يمكن له أن يتغير، وفي حال تغيره تتحول الذرة إلى عنصر آخر مثل تحول الكربون إلى نيتروجين. الكتلة الذرية عبارة عن عدد الپروتونات زائدا عدد النيوترونات في النواة، والكتلة الذرية غير ثابتة لنفس العنصر وبالأمكان لأي ذرة أن تفقد نيوترونات من نواتها دون أن تفقد خصائها الكيميائية وهذا ما يحدث في الكربون بصورة مستمرة. عندما تمر، عزيزي القارئ، على الجدول الدوري الذي وضعه العالم الروسي دِمتري مندليڨ «Dmitri Ivanovich Mendeleev» فإنك تراه قد رتبه على حسب العدد الذري من الأصغر للأكبر لأن كل عدد ذري، أي عدد الپروتونات، يمثل عنصرا مختلفا؛ مثلا، عدد الهيدروجين الذري واحد وهذا يعني أن ذرة عنصر الهيدروجين تحتوي فقط على پروتون واحد لا غير حتى وإن كان له عدة نظائر مختلفة. لو أضفنا پورتونا زيادة إلى ذرة الهيدروجين لتحولت الذرة إلى عنصر الهيليوم.
بعد هذه المقدمة، نعود إلى صلب الموضوع وهو أزلية الذرات وهل لها أن تعيش للأبد؟ لقد أعطينا مثالا بماسة آمون وسنستمر بهذا المثال لنصل لمبتغانا، وكما أسلفنا أن الماس عبارة عن ذرات كربون متراصة بشكل معين تعطيها هذه القوة الهائلة وإذا فقدت هذا التراص يتحول الماس إلى نوع آخر من الكربون وهو الفحم الذي يعتبر من أضعف المواد. كربون الماس غير مستقر بينما كربون الفحم أكثر استقرارا، ولكن هل يعيش الفحم إلى ما لا نهاية؟
كربون 14، والمقصود هنا أن كتلته الذرية تساوي 14 «6 پروتونات + 8 نيوترونات»، نظير مشع وغير مستقر وعمره النصفي أقل من 6000 سنة، وعمر النصف يعني أن كل ستة آلاف سنة تقريبا يتحول نصف هذا الكربون إلى نيتروجون ليتطاير في الهواء؛ مثلا، لو كان عندنا ثمان ذرات من الكربون فأنها بعد 6000 سنة ستتقلص إلى أربع ذرات، وبعد 6000 سنة أخرى ستتقلص إلى اثنتين، وبعد ستة آلاف أخرى تتحول إلى ذرة وحيدة إلى أن تختفي نهائيا. كربون 14 يعتبر مفتاح الساعة الزمنية للكربون لأن الكائن الحي لا يمتص إلا هذا النوع من الكربون ويظل جسمه مليئا بهذا النظير إلى أن يموت؛ حينها، يبدأ التحول، ومن خلال الكمية المتبقية من كربون 14 في الرمة نعرف متى مات صاحب هذه البقايا.
بالإضافة لكربون 14، هناك نظائر طبيعة ومخبرية مشعة مختلفة يمكن استخدامها. كل نوع من هذا النظائر يتحول إلى نظير آخر؛ بعضها يحتاج إلى يوم وبعضها يحتالج إلى مئات الملايين من السنين. وبهذه الخواص يتحقق لنا أن الذرات فعلا تموت، وبنظرة مختلفة يتضح أنها تولد كعنصر جديد إلى أن تصل إلى نظير مستقر، والسؤال الذي يطرح نفسه هل النظير المستقر يبقى للأبد؟ المصدر الأول لهذه المقالة يقول إن هناك فرضيات فيزيائية تقول إن الپروتونات تتحلل إلى جسيمات أخف؛ تَذَكّر أن الپروتون يتكون من ثلاثة كواركات. تنص التجارب المخبرية على أن العمر النصفي للپروتون يقع بين 10 أس 33 و 10 أس 34 سنة، وهذا الرقم يقدر بثلاثة وعشرين ضعف لعمر الكون، لذلك يمكننا القول إن الذرات أزلية بالنسبة لمحيطنا. ربما ستكون الذرات يوما ما كالعهن المنفوش ولكن هذا يوم حتما لن نراه في حياتنا.
كُتبت هذه المقالة بصورة معينة ربما لا تساعد عرضها بشكل جيد في بعض الصحف الإلكترونية، لذلك يُنصح اتّباع رابطها الأصلي للتمكن من قراءتها بشكل أفضل وكذلك تتبع الروابط التي تفتح مصادر أوسع:
http://qoasis.com/Huwaidi/Mohammad/Articles/Atoms.pdf