أقلام وكتابات
2011/02/20 | 0 | 917
مواقف إنسانية للرسول الأعظم (ص)
النبي (ص) الرحمة المهداة للإنسانية جمعاء، بل هو الرحمة لعوالم الوجود كلها، وليس للإنسانية فحسب وإنما كل شيء في الوجود استفاد من وجوده (ص) فتعليماته وحكمه وشريعته الغراء خير ورحمة لعوالم الوجود بأجمعها، غير أننا نركز على موضوع جد هام هو تعامل المصطفى (ص) مع الطيف المتعدد من مختلف الاتجاهات.
تعامل الرسول الأعظم (ص) مع الآخر. تعامل النبي (ص) مع اتجاهات مختلفة كأصحاب الديانات -اليهود والنصارى- وبعض الملحدين ممن ينكر وجود الحق تعالى أو يشرك به، وتعامل مع المؤمنين المخلصين الذين يتوقون لكل كلمة يتفوه بها ليسترشدوا بها في حياتهم، وكان تعامله مع الطيف المتعدد بخلق عظيم، سعة في الصدر واحترام إنسانية الإنسان بغض النظر عن توجهه وانتمائه العقدي وما يحمله من فكر، فالإنسان لديه (ص) محترم كريم. مواقف من إحسان النبي (ص). إنّ الكثير من الناس يُحسن لمن أحسن إليه، وهذا ديدن الفطرة، فالإنسان يتعامل بإحسان لمن أحسن إليه، غير أنّ النبي (ص) لم يكتفِ بالإحسان لمن أحسن إليه فحسب، بل هناك زيادة بجعل الإحسان مستمراً دائماً فيذكر غيره بخير، أكان من الذين آمنوا به أو من الذين لم يؤمنوا فكان يرد الجميل بأضعاف مضاعفة، وقد نقل المحدثون تعامله الفذ مع من أحسن إليه وزيادة إحسانه، فكان يشيد بالمحسنين، ومنهم زوجه الطاهرة خديجة (ع) ، فهي (ع ) قدمت لرسول الله (ص) أموالها، ووقفت معه في العسر والشدائد و لم يكتفِ النبي (ص) بالإحسان إليها أُبّان حياتها، بل أشاد بمواقفها بعد موتها ولم يقتصر على ذلك بل أحسن لصديقاتها براً بها، وهذا التعامل الكريم لا يوجد عند كثير من الناس، فهم يحسنون لمن أحسن إليهم أُبّان حياته، وإذا فرّق الموت بينهما قد يذكر بكلمة طيبة، ولا يُذكر بأكثر من ذلك، وقد ينسى إلاّ أنّ النبي (ص) (كان يذبح الشاة فيفرقها على صديقات خديجة)(أعيان الشيعة ج6) براً بها، ويدلل هذا على إنسانية الرسول الفذة (ص) ، فهو يضع أدباً على أنّ الإحسان لا ينبغي أن ينقطع بعد الموت بل أنّ استمراره صلة. معاملة النبي (ص) مع المسيء إليه. قد يقال إن من الطبيعي أن يحسن الإنسان لمن أحسن إليه حتى بعد موته كما جاء عنه (ص) تعليماً بذلك قال (ص): {المرء يحفظ في ولده}(بحار الأنوار للمجلسي ج29 ص227) أي أنّ الإحسان يستمر إلى أولاد المحسن غير أنّ مواقفه (ص) الجميلة كانت تمطر بإنسانيته، فكله إنسانية مع من أساء إليه، وليس مع من أحسن إليه فحسب، ولعل من أبرز المواقف ما تحدث عنه القرآن عندما كان بعض المنافقين يُسيء إليه (ص) بالكلمة البذيئة، فقد حدّث بعض المنافقين بعضهم بكلام سيء عن رسول الله (ص) ثم خشي أن يُنقل إليه (ص) ويُؤثر ذلك سلباً، ثم رد بأنّ محمداً (ص) أُذُن، فإذا نقل إليه أحد كلاماً ثم جاء المتكلم وأنكر ذلك وأقسم بالله صدقه، رغم أن جبرائيل (ع) يأتيه ويقول إنّ المنافقين تحدثوا عنك بسوء ويذهب المُسيء إليه ويقسم بالله فيصدقه، فهو أُذُن؛ أي أنه إنسانٌ بسيط يُصدق بكل ما يسمع به، وقد حسم القرآن الكريم الموقف وبين الجانب الإنساني من شخصيته (ص) قال تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة:٦١). فهو (ص) لا يرتب أثراً عندما يُنقل الكلام السيء إليه ولا يُصدق كلام المنافقين، بل يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين فقط، أي يُصدق الله تعالى ويصدق المؤمنين؛ أما المنافقون فيسمع كلامهم، دون أن يرتب أثراً، فهو أُذُن خيرٍ؛ أي أن العلاقات الإنسانية تسير على طبيعتها، ببركته وحُسن تعامله فإذا جاءه شخصٌ وقال لم أقل ما نُقل إليك صدقه، لتبقى العلاقات على سمتها الجميلة؛ لأنه (ص) يحفظ الود، ولا يقطع الصلة بينه وبين أخيه الإنسان بمجرد أن أساء إليه، بل يقبل عذره إذا اعتذر وإنْ كاذباً. تعامل النبي (ص) مع من أراد قتله. هناك جانبٌ إنسانيٌ جد هام، لعله أهم مما تقدم وهو أن النبي (ص) كان حاكماً وقائداً سياسياً، والقائد السياسي والاجتماعي قد يُساء إليه، وقد أساء بعض المنافقين إليه (ص) أُبان رجوعه من غزوة تبوك فأرادوا قتله، وخططوا مخططاً محكماً، وعندما كانت ناقته التي يركبها، دحرج المنافقون الدباب لكي يسقط (ص) ويتاح لهم أن يقتلوه، والنبي (ص) عرفهم واحداً واحداً وأمر الناقة أن تبقى متماسكة، غير أنّهم ظنوا أنّه (ص) لا يعلم بهم، ولذلك غفر لهم، لكونهم جزء من المجتمع ولن يُؤخذ المجتمع كله بجرم بعضه، لكن النبي (ص) أعلم حذيفة بن اليمان بهم. قال حذيمة: (وسار رسول الله (ص) باقي يومه و ليلته حتى إذا دنوا من عقبة هر شئ تقدمه القوم ، فتواروا في ثنية العقبة ، وقد حملوا معهم دباباً، وطرحوا فيها الحصا، فقال حذيفة: فدعاني رسول الله (ص) ودعا عمار بن ياسر وأمره أن يسوقها وأنا أقودها، حتى إذا صرنا رأس العقبة، ثار القوم من ورائنا، ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة، فذعرت وكادت أن تنفر برسول الله (ص) فصاح بها النبي (ص) أن اسكني، وليس عليك بأس، فأنطقها الله تعالى بقول عربي مبين فصيح، فقالت: والله، يا رسول الله (ص) لا أزلت يداً عن مستقر يد، ولا رجلاً عن موضع رجل، وأنت على ظهري، فتقدم القوم إلى الناقة ليدفعوها فأقبلت أنا وعمار نضرب وجوههم بأسيافنا، وكانت ليلة مظلمة فزالوا عنا وأيسوا مما ظنوا، وقدروا ودبروا، فقلت: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين يريدون ما ترى ؟ فقال (ص) : يا حذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا والآخرة، فقلت : ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطاً فيأتوا برؤوسهم ؟ فقال إنّ الله أمرني أن أعرض عنهم، فأكره أن تقول الناس إنه دعا أناساً من قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا، فقاتل بهم حتى إذا ظهر على عدوه، أقبل عليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة، فإنّ الله لهم بالمرصاد، وسيمهلهم قليلاً ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ، فقلت: ومن هؤلاء القوم المنافقون يا رسول الله (ص) أمن المهاجرين أم من الأنصار ؟ فسماهم لي رجلاً رجلاً حتى فرغ منهم، وقد كان فيهم أناس أنا كاره أن يكونوا فيهم، فأمسكت عند ذلك، فقال رسول الله (ص) يا حذيفة كأنك شاك في بعض من سميت لك، ارفع رأسك إليهم فرفعت طرفي إلى القوم، وهم وقوف على الثنية، فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا، وثبتت البرقة حتى خلتها شمساً طالعة فنظرت والله إلى القوم فعرفتهم رجلاً رجلاً، فإذا هم كما قال رسول الله (ص) وعدد القوم أربعة عشر رجلاً، تسعة من قريش، وخمسة من ساير الناس)(بحار الأنوار للعلامة المجلسي ) مواقف النبي (ص) مع خصومه. إنّ النبي (ص) لا يفعل كما يفعل بعض السياسيين، إذا أساء أحدٌ إليه بمثل ما تقدم، بل بأقل منه قتله، وقد أُشير إليه ص بذلك، لكنه أجاب بإجابة غاية في الود، قال أتريدون أن يقول الناس إنّ محمداً ص يقتل أصحابه، ومعنى كلامه (ص) أنه يختلف عن السياسيين، فالسياسي عندما يختلف مع أقرب الناس إليه فإن مصيره الإبعاد أو التصفية، إلا أنه (ص) ديدنه الصفح والود وإتاحة الفرصة وإغضاء الطرف حتى كأنه لا يرى عدوه الذي أساء إليه. والموقف البارز من صفحه (ص) تجلى عند دخوله مكة، ويتضح ذلك في حيثيتين: الأولى: يوم المرحمة. كان سعد بن عبادة ينادي أثناء دخول المسلمين مكة-فتح مكة – "اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة" من أجل أن كثيراً من القرشيين من المتغطرسين كأبي سفيان وزعماء قريش الذين أساءوا إليه، وقد انتصر عليهم الرسول، ودخل فاتحاً والفاتح يشمخ بأنفه في العادة، ويرفع من شخصيته ويثير الرعب في أعدائه وعندما نادى سعد بن عبادة - زعيم الأنصار - وقال اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة، تخويفاً لقريش؛ لأنّ الأمر ليس بيد سعد، بل الأمر كله بيد الرسول (ص) ، فخاف المجتمع المكي حينئذ، لكن النبي (ص) أرسل إلى سعد، وبدل الشعار بسرعة فائقة إلى : {اليوم يوم المرحمة اليوم تحفظ فيه الحرمة}(المبسوط السرخسي ج10 ص39) وهذا الموقف الإنساني الفذ مع الذين اعتدوا عليه، وقتل بعضهم عمه الحمزة ومثّل به، ينبثق من إنسانيته العظيمة (ص). الثانية: العفو عن المجتمع المكي. إن النبي (ص) هو أذكى شخصية عرفها التأريخ القديم والحديث، وحتى أنّ (michael heart) في كتابه أعظم مائة شخصية في التأريخ البشري جعله (ص) الشخصية الأولى باعتباره يتمتع بأعظم ذكاء في كل المجالات- الذكاء الاجتماعي والذكاء السياسي والذكاء الرياضي وجميع أنواع الذكاء – إنّ ذلك يعتقد به من لم يؤمن بنبوته (ص) أما نحن فنعتقد أنه يستمد مواهبه من عند الله تعالى، ونخاطب الذين ينظرون إليه كسائر الناس على نسق تفكيرهم في شخصيته، والنبي (ص) عندما دخل مكة جعل الجيش الإسلامي على شكل كتائب، يسير بمشية عسكرية مهيبة، وكان أبو سفيان إلى جانب العباس بن عبد المطلب واقفاً فلما نظر إلى كتائب الجيش الإسلامي ربت على كتف العباس؛ أي ضرب على كتفه وقال انظر إلى ملك ابن أخيك، لقد أصبح عظيماً ككسرى وقيصر، وهذا منطق من لم يؤمن بنبوته، ويرى أن المسألة تدور حول الملك، وقد جاؤوا إليه أذلاء خاشعين لمقامه السامي (ص) فقال لهم: يا معشر قريش ويا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا أخ كريم وابن أخ كريم ، ثم قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء، إن بعضهم يتحدث من موقف سياسي لا يعتقده وذلك واضح من مواقفه وتأريخه، والنبي (ص) يعلم بذلك كما كان يعلم بمن نفروا ناقته أُبان رجوعه من غزوة تبوك، غير أنّ رده مثّل الصفح والعفو وتعامل معهم كأنهم لم يفعلوا شيئاً وقال اذهبوا فأنتم الطلقاء. وهو موقف الصديق يوسف (ع ) مع أخوته قال تعالى: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف:٩٢). بدأهم بصفحة جديدة تنم عن الجانب الإنساني في شخصيته (ص) ، وله (ص) مواقف كُثر عفى و أحسن عمن أساء إليه. سيرة النبي (ص) في التواضع. والأهم من ذلك كله تواضعه لمن توهم أنّه (ص) أخطأ عليه، فكان يتعامل معه في رتبته ولا يجعله أخفض منه رتبته، وبهذه الإنسانية الفذة كسب الجميع ؛ وفي قصة سوادة إظهار لذلك، فعن ابن عباس ... ثم قال : إن ربي عز وجل حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم ، فناشدتكم بالله أي رجل منكم كانت له قبل محمد مظلمة إلا قام فليقتص منه ، فالقصاص في دار الدنيا أحب إلي من القصاص في دار الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء . فقام إليه رجل من أقصى القوم يقال له سوادة بن قيس، فقال له : فداك أبي وأمي يا رسول الله ، إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق ، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني ، فلا أدري عمدا أو خطأ . فقال معاذ الله أن أكون تعمدت . ثم قال : يا بلال ، قم إلى منزل فاطمة فأتني بالقضيب الممشوق . فخرج بلال وهو ينادي في سكك المدينة : معاشر الناس ، من ذا الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة ؟ فهذا محمد (ص) يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة ! وطرق بلال الباب على فاطمة ( ع ) وهو يقول : يا فاطمة ، قومي فوالدك يريد القضيب الممشوق . فأقبلت فاطمة ( ع ) وهي تقول : يا بلال ، وما يصنع والدي بالقضيب ، وليس هذا يوم القضيب ؟ فقال بلال : يا فاطمة ، أما علمت أن والدك قد صعد المنبر وهو يودع أهل الدين والدنيا ! فصاحت فاطمة ( ع ) وهي تقول : وا غماه لغمك يا أبتاه ، من للفقراء والمساكين وابن السبيل يا حبيب الله وحبيب القلوب ؟ ثم ناولت بلالا القضيب ، فخرج حتى ناوله رسول الله (ص) ، فقال رسول الله (ص) : أين الشيخ ؟ فقال الشيخ : ها أنا ذا يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ؟ فقال : تعال فاقتص مني حتى ترضى . فقال الشيخ : فاكشف لي عن بطنك يا رسول الله ، فكشف (ص) عن بطنه ، فقال الشيخ : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟ فأذن له ، فقال : أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النار يوم النار . فقال رسول الله (ص) : يا سوادة بن قيس ، أتعفو أم تقتص ؟ فقال : بل أعفو يا رسول الله . فقال (ص) : اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيك محمد.( الأمالي للشيخ الصدوق ص 732). إن النبي (ص) يعرف نفسه أنه لم يعتد على أحد وهو مؤيد بالله تعالى، ولكن كما ادعى سوادة، فقال فلا أدري أعمداً كان أم خطأً؛ أي أنه كان يريد أن يضرب الناقة بالقضيب الممشوق فأصاب بطني؛ فالذي أصابه طرف القضيب، ومع ذلك أراد سوادة أن يضع فمه على بطن رسول كي يحصل على دعائه (ص) وقد حصل، والنبي (ص) وقف هذا الموقف العظيم المشرف ليكون قدوة للإنسانية وينم ذلك عن عظمته وإنسانيته وأنّ الأمر لا يرجع إلى كونه القائد والنبي (ص) والمسؤول عن جميع الأمور وأن على الآخرين أن لا يتحدثوا إليه ولا يناقشوه. إنّ كثيراً منهم أساء إلى النبي (ص) كما حدث من بعض جهلة الأنصار عندما قسم (ص) الفيء من الطائف على قريش ولم يُبقِ لهم شيئاً، فقال بعضهم هذه قسمة لم يرد بها وجه الله تعالى، و قال بعضهم اتق الله يا محمد، و تعامل (ص) برفق وإنسانية ولم يعقب بأكثر من قوله (ص) : وهل هناك أعدل مني؟ ثم بين لزعماء الأنصار، لما جاءوه يعتذرون إليه (ص) ، وقال ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاه والبعير وترجعون بمحمد بل أكثر من ذلك تعامل معهم، فقال كما جاء عن أبي سعيد الخدري قال : لما أصاب رسول الله (ص) الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش ، وسائر العرب ما قسم ولم يكن في الأنصار منها شئ قليل ولا كثير ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم ، حتى قال قائلهم : لقي والله رسول الله قومه ، فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله (ص) فقال : يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم ؟ فقال " فيم ؟ " قال : فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ، ولم يكن فيهم من ذلك شئ ، فقال رسول الله (ص) " فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ " قال : ما أنا إلا امرؤ من قومي ، قال : فقال رسول الله(ص) " فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ، فإذا اجتمعوا فاعلمني " فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة فجاء رجل من المهاجرين فاذن له فدخلوا وجاء آخرون فردهم ، حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال : يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم ، فخرج رسول الله (ص) فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : " يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ " قالوا : بلى ثم قال رسول الله (ص) " ألا تجيبون يا معشر الأنصار ؟ " قالوا : وما نقول يا رسول الله ؟ وبماذا نجيبك ؟ المن لله ولرسوله قال : " والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريدا فأويناك ، وعائلا فآسيناك ، وخائفا فأمناك ، ومخذولا فنصرناك " فقالوا : المن لله ولرسوله فقال رسول الله (ص) " أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الاسلام ، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار " قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسما ثم انصرف وتفرقوا. إن أي شخصٍ إذا أراد أن يتحدث أبرز محاسنه ولم يذكر محاسن غيره، إلا أنّ النبي (ص) بين لهم المحاسن والنعم التي أجراها الله تعالى على يديه لهم، وبيّن لهم النعم التي أجراها الله تعالى على أيديهم لرسوله (ص) ، وبذلك حفظ إنسانيتهم وماء وجوههم، وأوضح (ص) أن من يتعامل بإنسانية لا يشمخ بأنفه، ويُظهر نفسه الأعلى ويُنزل شخصية الطرف المقابل، فكان (ص) يتعامل بندى الإنسانية الفذة في المواقف كلها.
تعامل الرسول الأعظم (ص) مع الآخر. تعامل النبي (ص) مع اتجاهات مختلفة كأصحاب الديانات -اليهود والنصارى- وبعض الملحدين ممن ينكر وجود الحق تعالى أو يشرك به، وتعامل مع المؤمنين المخلصين الذين يتوقون لكل كلمة يتفوه بها ليسترشدوا بها في حياتهم، وكان تعامله مع الطيف المتعدد بخلق عظيم، سعة في الصدر واحترام إنسانية الإنسان بغض النظر عن توجهه وانتمائه العقدي وما يحمله من فكر، فالإنسان لديه (ص) محترم كريم. مواقف من إحسان النبي (ص). إنّ الكثير من الناس يُحسن لمن أحسن إليه، وهذا ديدن الفطرة، فالإنسان يتعامل بإحسان لمن أحسن إليه، غير أنّ النبي (ص) لم يكتفِ بالإحسان لمن أحسن إليه فحسب، بل هناك زيادة بجعل الإحسان مستمراً دائماً فيذكر غيره بخير، أكان من الذين آمنوا به أو من الذين لم يؤمنوا فكان يرد الجميل بأضعاف مضاعفة، وقد نقل المحدثون تعامله الفذ مع من أحسن إليه وزيادة إحسانه، فكان يشيد بالمحسنين، ومنهم زوجه الطاهرة خديجة (ع) ، فهي (ع ) قدمت لرسول الله (ص) أموالها، ووقفت معه في العسر والشدائد و لم يكتفِ النبي (ص) بالإحسان إليها أُبّان حياتها، بل أشاد بمواقفها بعد موتها ولم يقتصر على ذلك بل أحسن لصديقاتها براً بها، وهذا التعامل الكريم لا يوجد عند كثير من الناس، فهم يحسنون لمن أحسن إليهم أُبّان حياته، وإذا فرّق الموت بينهما قد يذكر بكلمة طيبة، ولا يُذكر بأكثر من ذلك، وقد ينسى إلاّ أنّ النبي (ص) (كان يذبح الشاة فيفرقها على صديقات خديجة)(أعيان الشيعة ج6) براً بها، ويدلل هذا على إنسانية الرسول الفذة (ص) ، فهو يضع أدباً على أنّ الإحسان لا ينبغي أن ينقطع بعد الموت بل أنّ استمراره صلة. معاملة النبي (ص) مع المسيء إليه. قد يقال إن من الطبيعي أن يحسن الإنسان لمن أحسن إليه حتى بعد موته كما جاء عنه (ص) تعليماً بذلك قال (ص): {المرء يحفظ في ولده}(بحار الأنوار للمجلسي ج29 ص227) أي أنّ الإحسان يستمر إلى أولاد المحسن غير أنّ مواقفه (ص) الجميلة كانت تمطر بإنسانيته، فكله إنسانية مع من أساء إليه، وليس مع من أحسن إليه فحسب، ولعل من أبرز المواقف ما تحدث عنه القرآن عندما كان بعض المنافقين يُسيء إليه (ص) بالكلمة البذيئة، فقد حدّث بعض المنافقين بعضهم بكلام سيء عن رسول الله (ص) ثم خشي أن يُنقل إليه (ص) ويُؤثر ذلك سلباً، ثم رد بأنّ محمداً (ص) أُذُن، فإذا نقل إليه أحد كلاماً ثم جاء المتكلم وأنكر ذلك وأقسم بالله صدقه، رغم أن جبرائيل (ع) يأتيه ويقول إنّ المنافقين تحدثوا عنك بسوء ويذهب المُسيء إليه ويقسم بالله فيصدقه، فهو أُذُن؛ أي أنه إنسانٌ بسيط يُصدق بكل ما يسمع به، وقد حسم القرآن الكريم الموقف وبين الجانب الإنساني من شخصيته (ص) قال تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة:٦١). فهو (ص) لا يرتب أثراً عندما يُنقل الكلام السيء إليه ولا يُصدق كلام المنافقين، بل يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين فقط، أي يُصدق الله تعالى ويصدق المؤمنين؛ أما المنافقون فيسمع كلامهم، دون أن يرتب أثراً، فهو أُذُن خيرٍ؛ أي أن العلاقات الإنسانية تسير على طبيعتها، ببركته وحُسن تعامله فإذا جاءه شخصٌ وقال لم أقل ما نُقل إليك صدقه، لتبقى العلاقات على سمتها الجميلة؛ لأنه (ص) يحفظ الود، ولا يقطع الصلة بينه وبين أخيه الإنسان بمجرد أن أساء إليه، بل يقبل عذره إذا اعتذر وإنْ كاذباً. تعامل النبي (ص) مع من أراد قتله. هناك جانبٌ إنسانيٌ جد هام، لعله أهم مما تقدم وهو أن النبي (ص) كان حاكماً وقائداً سياسياً، والقائد السياسي والاجتماعي قد يُساء إليه، وقد أساء بعض المنافقين إليه (ص) أُبان رجوعه من غزوة تبوك فأرادوا قتله، وخططوا مخططاً محكماً، وعندما كانت ناقته التي يركبها، دحرج المنافقون الدباب لكي يسقط (ص) ويتاح لهم أن يقتلوه، والنبي (ص) عرفهم واحداً واحداً وأمر الناقة أن تبقى متماسكة، غير أنّهم ظنوا أنّه (ص) لا يعلم بهم، ولذلك غفر لهم، لكونهم جزء من المجتمع ولن يُؤخذ المجتمع كله بجرم بعضه، لكن النبي (ص) أعلم حذيفة بن اليمان بهم. قال حذيمة: (وسار رسول الله (ص) باقي يومه و ليلته حتى إذا دنوا من عقبة هر شئ تقدمه القوم ، فتواروا في ثنية العقبة ، وقد حملوا معهم دباباً، وطرحوا فيها الحصا، فقال حذيفة: فدعاني رسول الله (ص) ودعا عمار بن ياسر وأمره أن يسوقها وأنا أقودها، حتى إذا صرنا رأس العقبة، ثار القوم من ورائنا، ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة، فذعرت وكادت أن تنفر برسول الله (ص) فصاح بها النبي (ص) أن اسكني، وليس عليك بأس، فأنطقها الله تعالى بقول عربي مبين فصيح، فقالت: والله، يا رسول الله (ص) لا أزلت يداً عن مستقر يد، ولا رجلاً عن موضع رجل، وأنت على ظهري، فتقدم القوم إلى الناقة ليدفعوها فأقبلت أنا وعمار نضرب وجوههم بأسيافنا، وكانت ليلة مظلمة فزالوا عنا وأيسوا مما ظنوا، وقدروا ودبروا، فقلت: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين يريدون ما ترى ؟ فقال (ص) : يا حذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا والآخرة، فقلت : ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطاً فيأتوا برؤوسهم ؟ فقال إنّ الله أمرني أن أعرض عنهم، فأكره أن تقول الناس إنه دعا أناساً من قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا، فقاتل بهم حتى إذا ظهر على عدوه، أقبل عليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة، فإنّ الله لهم بالمرصاد، وسيمهلهم قليلاً ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ، فقلت: ومن هؤلاء القوم المنافقون يا رسول الله (ص) أمن المهاجرين أم من الأنصار ؟ فسماهم لي رجلاً رجلاً حتى فرغ منهم، وقد كان فيهم أناس أنا كاره أن يكونوا فيهم، فأمسكت عند ذلك، فقال رسول الله (ص) يا حذيفة كأنك شاك في بعض من سميت لك، ارفع رأسك إليهم فرفعت طرفي إلى القوم، وهم وقوف على الثنية، فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا، وثبتت البرقة حتى خلتها شمساً طالعة فنظرت والله إلى القوم فعرفتهم رجلاً رجلاً، فإذا هم كما قال رسول الله (ص) وعدد القوم أربعة عشر رجلاً، تسعة من قريش، وخمسة من ساير الناس)(بحار الأنوار للعلامة المجلسي ) مواقف النبي (ص) مع خصومه. إنّ النبي (ص) لا يفعل كما يفعل بعض السياسيين، إذا أساء أحدٌ إليه بمثل ما تقدم، بل بأقل منه قتله، وقد أُشير إليه ص بذلك، لكنه أجاب بإجابة غاية في الود، قال أتريدون أن يقول الناس إنّ محمداً ص يقتل أصحابه، ومعنى كلامه (ص) أنه يختلف عن السياسيين، فالسياسي عندما يختلف مع أقرب الناس إليه فإن مصيره الإبعاد أو التصفية، إلا أنه (ص) ديدنه الصفح والود وإتاحة الفرصة وإغضاء الطرف حتى كأنه لا يرى عدوه الذي أساء إليه. والموقف البارز من صفحه (ص) تجلى عند دخوله مكة، ويتضح ذلك في حيثيتين: الأولى: يوم المرحمة. كان سعد بن عبادة ينادي أثناء دخول المسلمين مكة-فتح مكة – "اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة" من أجل أن كثيراً من القرشيين من المتغطرسين كأبي سفيان وزعماء قريش الذين أساءوا إليه، وقد انتصر عليهم الرسول، ودخل فاتحاً والفاتح يشمخ بأنفه في العادة، ويرفع من شخصيته ويثير الرعب في أعدائه وعندما نادى سعد بن عبادة - زعيم الأنصار - وقال اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة، تخويفاً لقريش؛ لأنّ الأمر ليس بيد سعد، بل الأمر كله بيد الرسول (ص) ، فخاف المجتمع المكي حينئذ، لكن النبي (ص) أرسل إلى سعد، وبدل الشعار بسرعة فائقة إلى : {اليوم يوم المرحمة اليوم تحفظ فيه الحرمة}(المبسوط السرخسي ج10 ص39) وهذا الموقف الإنساني الفذ مع الذين اعتدوا عليه، وقتل بعضهم عمه الحمزة ومثّل به، ينبثق من إنسانيته العظيمة (ص). الثانية: العفو عن المجتمع المكي. إن النبي (ص) هو أذكى شخصية عرفها التأريخ القديم والحديث، وحتى أنّ (michael heart) في كتابه أعظم مائة شخصية في التأريخ البشري جعله (ص) الشخصية الأولى باعتباره يتمتع بأعظم ذكاء في كل المجالات- الذكاء الاجتماعي والذكاء السياسي والذكاء الرياضي وجميع أنواع الذكاء – إنّ ذلك يعتقد به من لم يؤمن بنبوته (ص) أما نحن فنعتقد أنه يستمد مواهبه من عند الله تعالى، ونخاطب الذين ينظرون إليه كسائر الناس على نسق تفكيرهم في شخصيته، والنبي (ص) عندما دخل مكة جعل الجيش الإسلامي على شكل كتائب، يسير بمشية عسكرية مهيبة، وكان أبو سفيان إلى جانب العباس بن عبد المطلب واقفاً فلما نظر إلى كتائب الجيش الإسلامي ربت على كتف العباس؛ أي ضرب على كتفه وقال انظر إلى ملك ابن أخيك، لقد أصبح عظيماً ككسرى وقيصر، وهذا منطق من لم يؤمن بنبوته، ويرى أن المسألة تدور حول الملك، وقد جاؤوا إليه أذلاء خاشعين لمقامه السامي (ص) فقال لهم: يا معشر قريش ويا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا أخ كريم وابن أخ كريم ، ثم قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء، إن بعضهم يتحدث من موقف سياسي لا يعتقده وذلك واضح من مواقفه وتأريخه، والنبي (ص) يعلم بذلك كما كان يعلم بمن نفروا ناقته أُبان رجوعه من غزوة تبوك، غير أنّ رده مثّل الصفح والعفو وتعامل معهم كأنهم لم يفعلوا شيئاً وقال اذهبوا فأنتم الطلقاء. وهو موقف الصديق يوسف (ع ) مع أخوته قال تعالى: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف:٩٢). بدأهم بصفحة جديدة تنم عن الجانب الإنساني في شخصيته (ص) ، وله (ص) مواقف كُثر عفى و أحسن عمن أساء إليه. سيرة النبي (ص) في التواضع. والأهم من ذلك كله تواضعه لمن توهم أنّه (ص) أخطأ عليه، فكان يتعامل معه في رتبته ولا يجعله أخفض منه رتبته، وبهذه الإنسانية الفذة كسب الجميع ؛ وفي قصة سوادة إظهار لذلك، فعن ابن عباس ... ثم قال : إن ربي عز وجل حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم ، فناشدتكم بالله أي رجل منكم كانت له قبل محمد مظلمة إلا قام فليقتص منه ، فالقصاص في دار الدنيا أحب إلي من القصاص في دار الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء . فقام إليه رجل من أقصى القوم يقال له سوادة بن قيس، فقال له : فداك أبي وأمي يا رسول الله ، إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق ، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني ، فلا أدري عمدا أو خطأ . فقال معاذ الله أن أكون تعمدت . ثم قال : يا بلال ، قم إلى منزل فاطمة فأتني بالقضيب الممشوق . فخرج بلال وهو ينادي في سكك المدينة : معاشر الناس ، من ذا الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة ؟ فهذا محمد (ص) يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة ! وطرق بلال الباب على فاطمة ( ع ) وهو يقول : يا فاطمة ، قومي فوالدك يريد القضيب الممشوق . فأقبلت فاطمة ( ع ) وهي تقول : يا بلال ، وما يصنع والدي بالقضيب ، وليس هذا يوم القضيب ؟ فقال بلال : يا فاطمة ، أما علمت أن والدك قد صعد المنبر وهو يودع أهل الدين والدنيا ! فصاحت فاطمة ( ع ) وهي تقول : وا غماه لغمك يا أبتاه ، من للفقراء والمساكين وابن السبيل يا حبيب الله وحبيب القلوب ؟ ثم ناولت بلالا القضيب ، فخرج حتى ناوله رسول الله (ص) ، فقال رسول الله (ص) : أين الشيخ ؟ فقال الشيخ : ها أنا ذا يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ؟ فقال : تعال فاقتص مني حتى ترضى . فقال الشيخ : فاكشف لي عن بطنك يا رسول الله ، فكشف (ص) عن بطنه ، فقال الشيخ : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟ فأذن له ، فقال : أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النار يوم النار . فقال رسول الله (ص) : يا سوادة بن قيس ، أتعفو أم تقتص ؟ فقال : بل أعفو يا رسول الله . فقال (ص) : اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيك محمد.( الأمالي للشيخ الصدوق ص 732). إن النبي (ص) يعرف نفسه أنه لم يعتد على أحد وهو مؤيد بالله تعالى، ولكن كما ادعى سوادة، فقال فلا أدري أعمداً كان أم خطأً؛ أي أنه كان يريد أن يضرب الناقة بالقضيب الممشوق فأصاب بطني؛ فالذي أصابه طرف القضيب، ومع ذلك أراد سوادة أن يضع فمه على بطن رسول كي يحصل على دعائه (ص) وقد حصل، والنبي (ص) وقف هذا الموقف العظيم المشرف ليكون قدوة للإنسانية وينم ذلك عن عظمته وإنسانيته وأنّ الأمر لا يرجع إلى كونه القائد والنبي (ص) والمسؤول عن جميع الأمور وأن على الآخرين أن لا يتحدثوا إليه ولا يناقشوه. إنّ كثيراً منهم أساء إلى النبي (ص) كما حدث من بعض جهلة الأنصار عندما قسم (ص) الفيء من الطائف على قريش ولم يُبقِ لهم شيئاً، فقال بعضهم هذه قسمة لم يرد بها وجه الله تعالى، و قال بعضهم اتق الله يا محمد، و تعامل (ص) برفق وإنسانية ولم يعقب بأكثر من قوله (ص) : وهل هناك أعدل مني؟ ثم بين لزعماء الأنصار، لما جاءوه يعتذرون إليه (ص) ، وقال ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاه والبعير وترجعون بمحمد بل أكثر من ذلك تعامل معهم، فقال كما جاء عن أبي سعيد الخدري قال : لما أصاب رسول الله (ص) الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش ، وسائر العرب ما قسم ولم يكن في الأنصار منها شئ قليل ولا كثير ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم ، حتى قال قائلهم : لقي والله رسول الله قومه ، فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله (ص) فقال : يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم ؟ فقال " فيم ؟ " قال : فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ، ولم يكن فيهم من ذلك شئ ، فقال رسول الله (ص) " فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ " قال : ما أنا إلا امرؤ من قومي ، قال : فقال رسول الله(ص) " فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ، فإذا اجتمعوا فاعلمني " فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة فجاء رجل من المهاجرين فاذن له فدخلوا وجاء آخرون فردهم ، حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال : يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم ، فخرج رسول الله (ص) فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : " يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ " قالوا : بلى ثم قال رسول الله (ص) " ألا تجيبون يا معشر الأنصار ؟ " قالوا : وما نقول يا رسول الله ؟ وبماذا نجيبك ؟ المن لله ولرسوله قال : " والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريدا فأويناك ، وعائلا فآسيناك ، وخائفا فأمناك ، ومخذولا فنصرناك " فقالوا : المن لله ولرسوله فقال رسول الله (ص) " أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الاسلام ، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار " قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسما ثم انصرف وتفرقوا. إن أي شخصٍ إذا أراد أن يتحدث أبرز محاسنه ولم يذكر محاسن غيره، إلا أنّ النبي (ص) بين لهم المحاسن والنعم التي أجراها الله تعالى على يديه لهم، وبيّن لهم النعم التي أجراها الله تعالى على أيديهم لرسوله (ص) ، وبذلك حفظ إنسانيتهم وماء وجوههم، وأوضح (ص) أن من يتعامل بإنسانية لا يشمخ بأنفه، ويُظهر نفسه الأعلى ويُنزل شخصية الطرف المقابل، فكان (ص) يتعامل بندى الإنسانية الفذة في المواقف كلها.
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء