الفكر الاسلامي
2010/04/19 | 0 | 925
اسس التقدم و النجاح
القسم الأول: الشباب واستغلال أسباب التقدم.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين.
قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: {وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(العصر:1-3) صدق الله العلي العظيم.
هناك أسس تُسهم في بناء الإنسان وتقدمه ونجاحه في عالمي الدنيا والآخرة أي في عالمي القيم والمادة، وهذه الأسس مفيدة للشباب وغيرهم غير أنّها أكثر فائدة لمن هو في مقتبل عمره باعتبار أنّ فترة الشباب لها الطاقة الخلاقة، وكلما كبر الإنسان واشتغل بمسؤوليات قلّ فراغه وضعفت طاقته بينما في فترة الشباب يمكن استثمار تلك الطاقة الهائلة في البناء الذاتي والتقدم الكبير.
التداخل بين روافد التقدم الإنساني
في الماضي إذا أراد المرء أن يستعرض الأسس التي تُسهم في تقدم الإنسان على أكثر من صعيد، نصح الشاب بالاهتمام بقراءة كتب الأخلاق غير أنّ التقدم المعرفي والتجارب الكثيرة وتداخل علوم متعددة أصبح لها مدخلية في تقدم الإنسان جعل علم الأخلاق وحده لا يلبي ما يمكن أن يقدم كأسس للنجاح، وأصبح علم الأخلاق رافداً من الروافد إلى جانب علوم أخرى لها أهمية في تقدم الإنسان وازدهاره.
عوامل التقدم الإنساني
نشير باقتضاب إلى أنّ ما يُسهم في تقدم الإنسان لا يقتصر فيه على مفردات محدودة، فهناك أمور كثير تُسهم جميعها في تقدمه يمكن أن نستعرضها بشيء من الاختزال إذْ أنّ كل مفردة منها إذا أراد الباحث أن يتحدث عنها بنحو مستقل احتاج إلى كتاب ومحاضرات متعددة، وقد استعرضنا بعض ما له أهمية في هذا المجال في أحاديث سابقة.
الأول: علم الأخلاق وعلم الإدارة.
ذكرنا أنّ علم الأخلاق له أهمية في تقدم الإنسان وأنه لا يفي بكل ذلك في عصرنا الراهن، فهناك متطلبات أساسية يحتاجها الإنسان في تقدمه ونجاحه، فمن أراد أن يسعَ نحو كماله فإنّ علم الأخلاق لن يلبي الحاجة الدائمة والمستمرة لتقدمه، ويحتاج إلى علم الإدارة، فالحياة لها متطلبات كثيرة، من أهمها إدارة الإنسان لنفسه وماله ووقته، فإذا كان لم يلم بشيء من علم الإدارة فلن يستطيع أن ينجح في حياته ولن يستطيع أن يتقدم مادياً ومعنوياً، إنّ الإنسان كيان عظيم وكبير، كما أشار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى ذلك، قال:
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر[1]
أي أنّ الإنسان صغيرٌ في حجمه، كبير في محتواه، وله أبعاد مختلفة، كلٌ منها بحاجة إلى علوم شتى تُسهم في تكامل وبناء ذلك البعد، وقد كتب العلماء بحوثاً معمقة لعل من أهمها (كتاب الإنسان ذلك المجهول) الذي كتبه الدكتور ألكسيس كاريل، فالكتاب قيم يشرح أبعاد الإنسان الكبيرة ويشير إلى أنّه مهما توغلت في أبعاده سوف تجد أنك لا تزال على الساحل لم تصل إلى البحر، فضلاً عن الغطس في أعماقه، فالأبعاد المختلفة للإنسان تجعل من يريد أن يتعرف على أسس النجاح بنحو مختصر لن يستطيع أن يصل إلى الغاية، وقد يخل الاختصار بالمطلوب، والأمر ليس كالأكلات السريعة باعتبار أنّ الحياة تغيرت في وتيرتها فأصبحت سريعة ويريد بعض الناس الأكلات السريعة لتنسجم مع سرعة الحياة، فيحسب أنّ نمط التعلم على هذا النحو، والحال أنّ الأمر مختلف، وعلى من يريد أن يتعلم المعرفة المختصرة أن يعي أنها جرعة مفيدة له بنحو مؤقت، والفائدة الكبيرة لمن أتقن المهارات وتشكل له زاد يأخذه باستمرار.
الثاني: تجسيد القواعد النظرية في الحياة العملية.
وأزكن هنا على نقطة مهمة أشار إليها علمائنا في نصائحهم لتلامذتهم، وهي مفيدة جداً وهي أنّ العلم لا يكفي وحده، فمن تعلم أسس وقواعد النجاح دون أن يجسدها في ذاته فلن يستفيد منها أي أنّ المعلومة وحدها لا تكفي ولابد من تفعيلها في الواقع الشخصي، فما أكثر الذين يمتلكون معلومات وهم غير ناجحين في حياتهم، فالنجاح في الحياة لا يقتصر على العلم وحده، ولو كان العلم وحده يكفي لما وُجد مريض، فكثير من المرضى يراجعون الأطباء لكنهم لا يستطيعون أن يعالجوا أنفسهم، فالمسألة ليست بمراجعة الطبيب بل تعود إلى معرفة الدواء وتلاؤمه وانسجامه مع المريض، ومن ثم تناول الدواء بانتظام، فمن أخذ الدواء دون أن يستعمله لم يستفد منه، لقد أكّد العلماء على أنّ المعلومة وحدها لا تكفي، فالمريض إذا أعطيته الدواء وعرف دواءه ولم يستخدمه فلن يشفَ، إذن أخذ الوصفة الدوائية دون معرفة كيفية استعمالها والانتظام في الاستعمال والمداومة على ذلك دون ملل لن يؤدي إلى الشفاء.
الثالث: التدرج في التطبيق.
ومن أراد أن يتعلم أسس النجاح عليه أن لا يكتفي بالمعلومة، فهي متاحة للجميع غير أنّ المستفيد منها قلة، مع الالتفات إلى التدرج في تطبيق ذلك على الذات دون إرهاقٍ لها، ولعل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله يشرح ذلك، قال صلى الله عليه وآله: ‹‹إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق››([2] فالدين الإسلامي كبير في محتواه، ولن يصل المؤمن إلى عمقه ومحتواه إلاّ إذا سار برفق وتوغل بمرونة، عندئذٍ يكون قد بنى شخصيته على أساس إيماني سليم، أما إذا سار بالطريقة الهوجاء فأرهق نفسه وحمّلها ما لا تستطيع فقد يصاب بالملل والسآمة وقد يصاب ببعض الأمراض ويبتعد عن الدين لعدم اعتداله، وقد أبان صلى الله عليه وآله ذلك لبعض من سأله عما يجب أن يفعله إذ ا أسلم، روى الجمهور ، عن طلحة بن عبيد الله أنّ أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ قال: ‹‹خمس صلوات›› فقال: هل علي غيرها؟ قال: ‹‹لا، إلا أن تتطوع شيئاً›› فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ‹‹أفلح الرجل إن صدق››([3] وهذه كلمة عظيمة، فالفلاح هو الفوز قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}(المؤمنون:1)، وقال صلى الله عليه وآله: ‹‹من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا››([4]) أي أنه شهد للشخص بأنه سيختم له بالحسنى وهو من الطيبين الأخيار في عالم الآخرة، والنبي صلى الله عليه وآله عندما يعطي وساماً لبعض الناس يبين أنّ الأمر لا يرجع إلى عمق وسعة المعرفة والإطلاع بل إلى واقع عملي يتدرج فيه العامل إلى أن تترسخ مبادئ الإسلام في ذاته فقول الأعرابي: يا رسول الله، ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ قال: ‹‹خمس صلوات›› فقال: هل علي غيرها؟ قال: ‹‹لا، إلا أن تتطوع شيئاً›› فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها، والنبي صلى الله عليه وآله رفع مكانته مع أنه لا يريد أن يزيد ولا ينقص غير أنّ ذلك هو الأفضل الأحسن له في تدرجه، فالمهم أن يقوم بما أُمر به وتكون التعاليم مفعلة في وجوده حتى ينجح وقوله صلى الله عليه وآله: ‹‹أفلح الرجل إنْ صدق›› وقوله صلى الله عليه وآله في رواية أخرى: ‹‹من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا›› يفصح عن ذلك.
الرابع: السعي الدؤوب المستمر.
إنّ من نظر سيرة العلماء وحياتهم خصوصاً منهم أصحاب المقامات العالية في العلم والعمل والخدمة الاجتماعية وجد أنّ نجاحهم بُني على أسس وقواعد كثيرة كالدعاء والتوكل على الله تعالى والعمل المستمر والمراقبة الدائمة لشخصياتهم، ولأسرهم وأموالهم والإيغال برفق والسعي المستمر، قال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}(النجم:39) وبذلك استطاع الناجح منهم أن يحافظ على أمواله وأولاده وشخصيته، فليس للإنسان غير سعيه، والسعي الدؤوب المستمر هو العامل الهام للنجاح، وكل ناجح منتج في عالم التأليف والعلم أو في عالم العمل تجده كادحاً صابراً حتى يفتح الله تعالى له الأبواب المغلقة، فالسعي جد هام، ومن قال إنه سعى ولم يوفق فاعلم أنه لم يصبر أو لم يسترشد أو لم يأخذ بخبرات الآخرين، فالمسألة معادلة تدخل فيها مفاتيح متعددة، وسنذكر إنْ شاء الله تعالى باختصار بعض العوامل التي تُسهم في النجاح والتقدم في عالمي الدنيا والآخرة.
الخامس: أداء الوظائف بامتياز.
إنّ النجاح في الدنيا يتأتى بأداء الوظائف بامتياز فكل ما أمرنا الله تعالى به من صلاة وصوم وزكاة أو مسؤولية نقوم بها لنُصبح أفراداً صالحين في خدمتنا لأنفسنا وأسرنا ومجتمعنا وديننا، وليرتقي الإنسان في نجاحه حتى يصل إلى مرتبة الرضوان، قال الله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ الله أَكْبَرُ}(التوبة:٧٢).
السابع: تفعيل قابلية المتلقي.
إنّ علماء الأخلاق والعرفاء يؤكدون على أمرٍ هام في النجاح وهو تفعيل قابلية المتلقي فمن الضروري أن يتلقى السائر في طريق النجاح المعرفة والعلم بما يتناسب مع قابليته ويقوم بخطواتٍ عملية تنسجم معه فلا يرهق نفسه في مقام العمل بل يتدرج شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى مراتب عالية علماً وعملاً وسلوكاً يؤدي به إلى مراتب الصديقين والأبرار، أما من أثقل على نفسه وحمّلها ما لا تطيق دون تدرج ورفق فإنه لن يصل وإنْ وصل إلى شيء سيجد أنّ وصوله كلّفه عناءً ومشقة كان بإمكانه الخلاص منها، ولا يتم هذا الأمر إلاّ بمرشد ماهر يعرف كيفية إعطاء الجرعات المناسبة للمتلقي، وقد أبان علماء الأخلاق والعرفاء ضرورة وجود الأستاذ المرشد الحاذق في فهم نفس التلميذ لئلا يرهقه من أمره عسراً.
وصلى الله وسلم وزاد وبارك على سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين.
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء