2011/02/23 | 0 | 823
إضاءات مشرقة من حِكم المصطفى )ص)
قال الله تعالى في القرآن الكريم:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ) (الأحزاب:٢١). صدق الله العلي العظيم.
الاسترشاد بحكم النبي (ص).
النبي (ص) رحمة الله التامة لعوالم الوجود، والاسترشاد بحكمه وهديه فائدة للإنسان في دنياه وأخراه، للرسول ص إرشادات وحكم متعددة غاية في الإفادة، نستهدي بها بمناسبة مولده ص، ونستعرضها كالتالي:
الأولى: أهمية الصبر.
من حكمه (ص): {من لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز}(بحار الأنوار للمجلسي ج68 ص83).
الحياة الدنيا فيها ابتلاءات ومصائب كثيرة على النفس والمال والولد، والأصدقاء الذين يحبهم المرء ويرتبط بهم عقدياً أو فكرياً يمرون بابتلاءات متعددة قد لا يجد الإنسان إلاّ الجزع إذا لم يصبر، وقد يؤدي جزعه إلى غير رشدٍ، وليس هناك في هذه الموارد إلاّ الصبر كما قال (ص)، وإذا لم يصبر فقد ينسلخ من دينه، لذا أكدت الروايات على الصبر في مجابهة شدائد الحياة، والمصائب التي تمر على الإنسان وعلى من يحبه، والصبر على أداء العبادات واجتناب المحرمات، ذلك أنّ الصبر درع حصينة وجلباب يقي الكثير من المتاهات.
الثانية: التعامل مع الناس.
ومنها قوله (ص): {من قرض الناس قرضوه ومن تركهم لم يتركوه}، قيل: فأصنع ماذا يا رسول الله ؟ قال: {أقرضهم من عرضك ليوم فقرك}(بحار الأنوار للمجلسي ج74 ص148).
هذه من أعظم الحكم فائدة للإنسان، إذْ أنّ طبيعة الناس إذا اعتدى عليهم أحد ردوا له الصاع صاعين، فأكثرهم لا يتقيد بالقانون، واتباع الدين، فإذا أساء إليه أحد حاول أن يزيد في رد الإساءة، ومن تتبع عورات الناس أو أساء إليهم أحاطوا به من كل حدب وتصيدوا عليه أبسط الأشياء، وذلك معنى قوله (ص): {من قرض الناس قرضوه}، فمن أساء بإساءة بسيطة، فإنّ إساءات الآخرين تجتمع عليه بأكثر مما أساء إليهم.
أما قوله (ص): {ومن تركهم لم يتركوه}، ففيه عمق الحكمة، فالإنسان حتى وإنْ كف لسانه، فإنّ إساءة الآخرين ستستمر أيضاً، أي أنّ من مشى على جادة الاستقامة والصواب لم يضمن كف ألسنة الناس عنه، وعليه إذا لم يُسِئ وأساء الآخرون إليه إيكال الأمر إلى الله تعالى، وجعل إساءاتهم في ميزان الاحتساب، لذا بيّن (ص) أنّ من ترك الناس لن يتركوه، وانتبه السامع إلى غرابة ذلك، وأراد النبي ص أن يشير إلى بعض الناس الذين لا يسلم أحد منهم شأنهم تتبع عيوب الناس.
والتخلص من أذى هذا الصنف لا يكون إلاّ بعدم الالتفات إلى ما قال، و{أقرضهم من عرضك ليوم فقرك}، ومعناه ادخر إساءتهم لك عند الله تعالى ليوم تحتاج فيه إلى الحسنات، وسيكافئك الله تعالى بإساءتهم إليك بحسنات في ميزانك.
الثالثة: التطبيق الجاد للإسلام.
ومنها قوله (ص)، قال الله تعالى (حديث قدسي): {هذا دين ارتضيه لنفسي ولن يصلحه إلاّ السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه}(بحار الأنوار للمجلسي ج74 ص148).
يتحدث الحق تعالى عن الدين الإسلامي وعن عظمته، ويبيّن كماله وأنه ارتضاه لنفسه تعالى لاشتماله على ما يصلح دنيا الإنسان وأخراه، وإلى ما يصلح الكون كله، ثم يبيّن الحق تعالى احتياج الدين الإسلامي إلى أمرين:
الأول: الاتصاف بالكرم والسخاء.
من أراد أن يكون سائراً على شرائع هذا الدين فعليه أن يتصف بالكرم والسخاء والإنفاق في سبيل الله تعالى، وهذه الصفة غاية في الأهمية، إذْ أنّ كثيراً من الناس لا يفهم معطيات الكرم والإنفاق في سبيل الله تعالى، ويكتفي بالصلاة والصوم والحج وسائر العبادات، وعندما يحتاج أمر إلى بذل يتوقف، مع أنّ كثيراً من القضايا كالإصلاح بين الناس والإصلاح بين الأرحام والأقارب لا يتم إلاّ بالسخاء والإنفاق في سبيل الله تعالى، وقد يكون بإعطاء المال بنحو غير مباشر كما إذا كان المتخاصمون لا يحتاجون إلى المال، فهنا يكون البذل بنحو غير مباشر بجمعهم على وجبة طعام للتأليف بين قلوبهم، فالسخاء دوره أشبه بالزيت للمحركات، إذْ قد يصدأ المحرك أو ينكسر دون زيت، وكذلك الإنفاق في سبيل الله تعالى.
الثاني: الأخلاق الكريمة.
إنّ على المسلم التعامل بالخلق الكريم، وقد فسره (ص) بمكارم الأخلاق - تحسن لمن أساء إليك وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك - فمن أساء إليك وكأنه لم يسئ، بل تكافئه بالإحسان بدل إساءته خصوصاً إذا كان من الأرحام أو الأصدقاء أو زملاء العمل، إذْ قد يبتلى بنمط من الناس جاف في علاقاته الاجتماعية، وغليظاً في التعامل فتحتاج إلى ترطيب الأجواء مع هذا الصنف من الناس، والحق تعالى بيّن أنّ الإسلام إذا لم يصحب بخلق كريم فلن يحسن، {فأكرموه بهما ما صحبتموه} أي أنّ السير على القسطاس المستقيم والتطبيق الجاد لعبادات ومعاملات الدين الإسلامي لن يتم دون سخاء وحسن خلق.
الثالثة: مدارة الناس.
ومنها قوله (ص): {أمرت بمداراة الناس كما أمرت بتبليغ الرسالة}(بحار الأنوار للمجلسي ج74 ص151).
هذه من أعظم الحكم، وقد جاءت بتعبيرات مختلفة، ولبيان أهميتها قُرنت بتبليغ الرسالة، فكما لا يمكن التواني وإغضاء الطرف عن ذلك، كذلك الأمر في مداراة الناس، المداراة هي غض الطرف والتعامل بمكارم الأخلاق مع من يسيء إليك أو إلى غيرك، والبدء بتحسين خُلُقِه تدريجياً وأن لا تنظر إلى الجانب السلبي في تعاملك معه بل تنظر إلى إيجابياته وتغض الطرف عن سلبياته، تلك هي المداراة، إذْ لا أحد إلاّ ولديه كثير من السلبيات، وإذا رُكز على سلبيات الناس وذكرت بعض إيجابياتهم، فإنّ ذلك لن يروق لهم، بل قد تجاب من قبلهم بمثل ما أبديته لهم، ويقال إنك تتصف بذلك أيضاً، بينما عندما تبدأ بالجانب الإيجابي وتبرز هذه الجنبة لدى الناس ثم لا ترى الجانب السلبي بل تمر عليه مرور الكرام، وتعبر عمن اتصف ببعض السلبيات بقولك يحسن بك أن تترك ذلك الشيء الصغير ولا يليق اتصافك به مع صفاتك الجميلة، عندئذ يتعامل الناس وإياك برفق لدفء العلاقة ووئام المحبة، وذلك مصداق قوله (ص): {أمرت بمداراة الناس كما أمرت بتبليغ الرسالة}.
الثالثة: حقيقة الإيمان.
ومن حكمه (ص) قوله: {الإيمان نصفان نصف في الصبر ونصف في الشكر}(بحار الأنوار للمجلسي ج74 ص151)
الإيمان هو أداء التكاليف وليس الاعتقاد النظري المجرد فحسب، بل عمل يحتاج إلى تطبيق، ولا يتحقق إلاّ بصبر وقوة عزيمة، وثبات على الحق، وقد بُيِّن في آيات متعددة من القرآن الكريم، قال تعالى:( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ ) (الأحقاف:٣٥)، لأهمية الالتزام الجاد بالشرع الحنيف.
والنصف الآخر الشكر، ومعناه تسخير النعم التي أعطاها الله تعالى في الطرق التي يرتضيها، فأي نعمة من النعم تسخر في سبيله تعالى، فمن آتاه الله تعالى جاهاً عريضاً أو علماً أو موهبة سخرهم في سبيله تعالى، ذلك معنى الشكر، وهو صعب لا يكون إلاّ لقليل من عباد الله تعالى، قال تعالى:( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (سبأ:13)، وذلك أنّ كثيراً من الناس لا ينفقون النعم في طريق الحق تعالى، فليسوا بشاكرين، الشكر يختلف عن الحمد، فالحمد ثناء على الله تعالى باللسان فحسب، بينما الشكر ثناء على الله تعالى باللسان وتسخير المواهب والنعم في سبيله تعالى.
والنبي (ص) أفصح أنّ حقيقة الإيمان أمران نصفه صبر -أداء التكاليف وصبر على النوائب- ونصفه شكر بتسخير النعم لله تعالى.
الرابعة: مكافئة المحسن.
ومن حكمه (ص) قوله: {من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فاثنوا فإنّ الثناء جزاء}(بحار الأنوار للمجلسي ج74 ص152).
إنّ أي إنسان سواءً كان من الأقارب أو الأبعدين قدم معروفاً ينفعك أو ينفع الآخرين، حاول أن تكافئه بحسن الصنيعة، فذلك غاية في الأهمية، غير أنّ كثيراً من الناس يرى المعروف من أقرب الناس إليه ولد يبر به أو يحسن إليه دون أن يكافئه، وكذلك يرى أحد أصدقائه المؤمنين يقدم عملاً جميلاً ومفيداً للمجتمع لكنه لا يكافئه بحسن صنيعته، فيقدم هدية إليه أو يعمل عملاً جميلاً له، هناك وسائل للمكافئة بحسن الصنيعة كشراء كتاب لولدك البار أو إعطاء هدية رمزية كدرع أو قلم تدلل به على شكرك وثنائك للجميل، والنبي (ص) يوضح أهمية رد الإحسان بالجميل والإحسان {من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فاثنوا فإنّ الثناء جزاء} أي إذا لم تتوافر الهدية، فعليك بالكلمات الجميلة الطيبة تبين فيها أهمية الصنع الحسن.
الخامسة: الرفق واللين.
ومنها قوله (ص): {من حرم الرفق فقد حرم الخير كله}(بحار الأنوار للمجلسي ج74 ص152).
إنّ من يتعامل بالغلظة والقسوة سوف يحرق جميع إيجابياته، وذلك خُرق ضد الرفق -إنسان عنتري- لا يتعامل برفق وأناة في أموره، بل بقسوة وغلظة، ومن يفعل ذلك فقد حرم الخير كله، وقد بيّن ص هذه الحكمة بتعبيرات مختلفة كقوله (ص): {ما كان الرفق في شيء إلاّ زانه، ولا كان الخرق في شيء إلاّ شانه}(بحار الأنوار للمجلسي ج 74 ص151) وأكّد في حكم كثيرة على أهمية ذلك، أي إنّ على الإنسان أن يكون رفيقاً في ألفاظه وتعامله، يتجنب الغلظة، ويقبل من الآخرين إلاّ أنّ بعض الناس تقدم إليه النصيحة فيرد بأنّ ما نصحتني به أنت أولى بتطبيقه لغلظته وجفافه في العلاقات، وتجد من يتصف بالمرونة والرفق يلاقيك بالابتسامة العريضة وانشراح الصدر، ويدعو لك بعد نصحه، فالناس على صنفين من يتصف برفق ومرونة ودماثة في الخلق، ومن يجابه كل شيء بمثله وهو الأخرق الذي لن يصل إلى ما يريده لإبعاده الناس عن نفسه.
حري بالمسلم أن يستفيد من حكم النبي (ص) كدروس في ذكرى مولده الشريف.
وصلى الله وسلم وزاد وبارك على سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين.
جديد الموقع
- 2026-05-18 سمو محافظ الأحساء يطّلع على جهود وبرامج بنك التنمية الاجتماعية بالمحافظة
- 2026-05-18 عائلة المجحد بالأحساء تحتفل بزفاف ابنها “خليل "
- 2026-05-18 عضو نادي جافل فخر توستماسترز الأحساء المشترك ثنائي اللغة جافيلرنزار بوخمسين يتأهل لنهائي "الخطب العالمية" باللغة الأنجليزية ويحرز المركز الأول مكرر في مؤتمر ساتاك السعودي السنوي للتوستماسترز..
- 2026-05-18 *الأحساء تشارك في المنتدى الحضري العالمي بباكو لاستعراض تجربتها التنموية ومشروعاتها الحضرية*
- 2026-05-18 التوازن الدقيق بين المشاعر الايجابية والسلبية
- 2026-05-18 *تلوّن الهويات الإنسانية*: من جدران القبيلة والقرية إلى فضاء العالم الجديد
- 2026-05-18 «الأدب واقتصاديات الاستدامة الروحية».. أحدث أطروحات نادي النورس الثقافي
- 2026-05-18 القراءة والتحصين الفكري
- 2026-05-18 (زهوكَ لا يُعطيكَ ما تبتغيه)
- 2026-05-16 بحضور 15 متدرب .. "زينب الخليف" تقدم ورشة التصوير والمونتاج بالجوال في مساحة الشايب بالأحساء