2009/10/03 | 1 | 702
قصيدة الحيرة الوجودية عند جاسم الصحيّح
إذن أين «يوسفُ» أيَّتُها الأرضُ..
هل كان يعلمُ أن «الذئابَ» ستكثرُ
فاختارَ أن يستقيلَ من القمحِ والكيلِ..
أيَّتُها الأرضُ..أينَ «الصُوَاعُ» الذي كانَ يختالُ في دُرَّةِ المعرفهْ
أما زالَ أسطورةً في الغيابِ..
هكذا بدأ جاسم معاناة المعرفة الوجودية عنده بقصة يوسف الصديق (ع) حيث تتجلى في هذه القصة: «الغربة، الامتحان، السجن، الصبر، الشوق للحبيب» ولكأنه يريد خلق معادل موضوعي باستلهام قصة النبي يوسف(ع) لإبراز معاناته المعرفية الوجودية.. ولكن هل نجح جاسم في صوغ تجربته من خلال شعره؟!.
غريزة الحيرة والاغتراب عند الصحيح:
والسؤال هنا، هل الصحيّحُ يتصنع الحيرة والاغتراب، أم إنها غريزة في تكوينه؟ نبتت مع شتلات بزوغه لحيز الوجود الأحسائي، وهل هي حيرة أشعلت الشعرنة عنده، أم أن شعره أدخله الحيرة والاغتراب، وهل مدينته الوادعة الأحساء هي من ضخت بداخله كل هذه الحيرة والاغتراب لنرى ذلك، يقول في قصيدة «رياح فلسفية»:
في الخارجِ الأعمى أتيهُ
كأنني من دون كلِّ الكائناتِ
طريدةٌ مثلي لوحشِ الموتِ..
هذا معدني متصدِّعٌ بالخوفِ
إذن هذه المقطوعة موغلة في وصف حيرته الوجودية التكوينية معطية لها صفة الأصالة مبعدة عنها صفة العرضية والتصنع، ولعل كون الصحيّح أحسائياً كانت الحيرة كينونة له، وكان الاغتراب حالة أشبه بالدائمة فمثله مثل مواطنه الجاهلي "طرفة بن العبد" حين تاه باحثاً عن حقيقة قضت عليه مبكراً ومن ناحية أخرى خلدته كشاعر للفلسفة الشعرية الجاهلية، بل أكاد أجزم أن أقول أن الحيرة في صميم كل أحسائي وجاسم كان لسانهم الناطق يَعْبُرُ بشعره بحرَ حيرتهم وحيرته.. نحو اغترابه واغترابهم، فقد يظن البعض أن الفرد الأحسائي خالٍ من أي صنفٍ من المعاناة!! ما بالك إذا قلت لك: هو يعيش شكلا من المعاناة مميزة على الأخص الوجودية منها، ثم يقول بعد ذلك:
يبحثُ في «القصائدِ» عن «مجازاتٍ»
تُشَدُّ بها العظامُ
فهنا يجزم بعد ذلك أن حيرته الوجودية هي من أشعلت فيه هيجان الشعرنة لتفتح له باباً يطلق منه حيرته نحو اغتراب لعله يعبر به نحو يقينه ويستقر بعدها بسفينته الشعرية على جبل الجودي. ثم يقول:
وهنا الفضاءُ مشرَّدٌ مثلي
أُحسُّ لهاثَهُ يعلو..
وأشعرُ بالجهاتِ تزفُّني للريحِ
حين تزينتْ لي الريحُ
وارتعشتْ خلاخلُها ورنَّحها الخُزَامُ
وحدي كأني بائعٌ متجوِّلٌ
وكهولتي منذُ اكتهلتُ بضاعتي..
تتزاحمُ الآلامُ حولي
فهنا جاسم يرى نفسه فيلسوفاً وحيداً في هذا الوجود، بل هو الكائن الوحيد المتفلسف حينما عبر عن نفسه بالبائع المتجول الذي يبيع الحقائق للحائرين مثله وكأنه يريد القول مررت بتجربة الحيرة قبلكم فخذوا مني طريقكم أو طريقتكم، ولعلَّ نرجسيته هذه نتجت بسبب عمق الحيرة عنده وتجذرها في تكوينه وتجددها معه كلما كبر في العمر.. لذلك توّج نفسه الزوج الذي خطبتْه الريحُ وقارن نفسه بالتوازي مع الفضاء ليعظم كينونته وتفلسفه. ثم يقول:
والتجاعيدُ الثريّةُ تشتري ما شعَّ من جِلْدِي..
ويومئُ كي يساومني على جسدي السقامُ
واليأسُ أقدمُ سائحٍ
يتبضعُ الأحلامَ في روحي بأرخصِ ما يُرامُ
ولكن في نهاية المطاف تشيخ روح جاسم ويعترف بتقدم العمر الشعري عنده وبعجز فلسفته الوجودية عن إنقاذه وأن الدهر صار سمساراً يغامر بأحلامه الوجودية حتى بأبخس الأثمان رغم أنه كان لا يبيع حلمه بأي ثمن، فبعد ما كان يقود الحائرين صار اليأس يقوده نحو اغترابه، بل اغتراب اليائس.. لأن غرائزه التي أشعلت عنده الحيرة والتفلسف بدأت تخبو وتخبو نحو المجهول هذا هو الإنسان المتنرجس في كينونة جاسم أخيراً يعترف بعجزه كأي حالة إنسانية عامة، ثم يقول:
أسفي على طينِ الطفولةِ
يوم كنتُ على مدى كفِّي أُكوِّرُ فرحتي قمراً..
وفوقَ سواعدي
زَغَبُ البدايةِ ناعسُ الأطرافِ
يجهلُ ما نواهُ لي الختامُ
ما بالُها تتصارعُ الأوقاتُ في عُمُري
وأمسي عابثٌ بغدي..
فإنْ شئتُ التلفُّتَ للوراءِ
خشيتُ يطعنهُ الأمامُ!!
فجاسم بعد كل هذا التيه والاغتراب والحيرة يأسف على زمن الطفولة لما كان في بداية الطريق، طريق الحيرة، وطريق العمر، وطريق الاختيار في أي شيء. ثم يسأل نفسه هل يستطيع الرجوع للوراء؟! أبداً لأن الأمام مغرٍ أولاً ولأن قطار العمر فات ولا يُعاد الإنسان من جديد طفلاً حتى لو كان شاعراً حائراً. ثم يصل شاعرنا للحقيقة التي ينشدها وهي أنه ممثل الإنسان في شعره سيبقى في الحيرة الأزلية المحرقة حيث يقول:
مطمورةٌ في الحزنِ روحيَ
تحتفي بسؤالِ«آدمَ» للطبيعةِ:
هل أنا النَغَمُ النشازُ
بهذهِ المنظومةِ الأزليةِ الكبرى
أَدينُ برقصةٍ للموتِ منذُ عزفتُ ميلادي..
ولا أدري
لماذا ينقصُ الإنسانُ إذ يتكاثرُ البشريُّ..
حَدِّثْ أيَّها المنفى الكبيرُ
فكلُّ مولودٍ يُساقُ بخيمةٍ صُغرى إليكَ..
تكادُ تبكيهِ الخيامُ؟!!
تبنى الأحساءَ ومعاناتها:
عَبَثْتُ بالجوهرِ المكنونِ في ذاتي
ووسوستْ لي بالتزييفِ مرآتي
«أحساءُ» لا تجرحي عطري ونشوتَهُ
متى أُفتَّقُ أزهارَ اعترافاتي
خرجتُ منكِ نقيَّ الجيبِ طاهرَهُ
وعُدتُ أحملُ في جيبي غواياتي
وَجَدتني.. والهوى يُحْيي مناسكَهُ
في جانحَيَّ.. أصلي خلفَ لذَّاتي
إذا الحماقاتُ لَفَّتْ لي سجائرَها
ثملتُ حتَّى بأعقابِ الحماقاتِ!
أنا الخطيئةُ فاحتالي لمغفرةٍ
تصدُّ سهمِيَ عن قلبِ السماواتِ
قولي: شقاوةُ كهلٍ وارحمي أسفي
عن الشقاوةِ.. غالي في مُدَاراتي
أولى بذنبيَ من تقريعِ لائمةٍ
أن تَمْسَحيهِ بهمس من مُواساتي
في هذا المقطع يتقمص شاعرنا حيرة الأحساء، إذ لم يكتفِ بحيرته واغترابه، أليس هو لسانها الناطق بآلامها، فعلى حد رؤية جاسم إنه عاش الخطيئة ويقصد بها معاناته في الوجود حين تمرد على سكونه الوجودي واختار الحيرة والتفلسف، بل حين اختار أن يُعبّرَ عن مدينته الوادعة فيحبلها أحلامه وآلامه، لكنه لا يلبث أن يعترف بخطئه ويعتذر لمدينته بإنه مجرد فرد صغير فيها، فهي المحيط الكبير الطاهر المنزه عن كل غواياته الوجودية وتساؤلاته الشعرية التي لا تنتهي.
خطؤه الوجودي الأكبر:
ولكن جاسم يعود فيرتكب خطأً أكبر من الأول فحينما أعتذر لمدينته لتبنيه معاناتها وحيرتها يعود ليتبنى معاناة وجود عالم أوسع من مدينته، وهو العالم البشري حيث يقول:
لهفي على البشرِ المُعَلِّبِ لم يزَلْ
يغشاهُ في رَفِّ الحياةِ غبارُ
لو كنتُ أملكُ بعضَ عُمريَ لم أكُنْ
أرثي لِمنْ مَلَكَتْهُمُ الأعمارُ
ما زلتُ أكبرُ في جليدٍ ساخنٍ
ضَحِكَتْ عليهِ وناحَتِ الأقدارُ
حَلَّفْتُ صُلْبِيَ أنْ يعقَّ مياهَهُ
كي لا يُصيبَ خطيئتي تكرارُ
فتمرَّدَ العَظْمُ اللعينُ وأبطلتْ
حِلْفِي عليهِ مياهُهُ الثُوَّارُ
لكن جاسم يعود فيعترف بخطئه من جديد بأن ما فعله من تبني معاناة العالم غواية جديدة، بل هو فيها شيخ الغواة..لأنه انتهى به المطاف بعد ما خاضها وحيداً في صحراء الغريزة التي قادته لهذا الجنون حيث رفضتها السماوات لما عُرضت عليها من المولى سبحانه وهي أكبر منه وأقوى حيث يقول:
هذا أنا شيخُ الغُواةِ تَهَدَّلتْ
رُوحي كما تَتَهَدَّلُ الأثمارُ
راعٍ بصحراء الغريزةِ أشتكي
فَقْدَ العَصَا..وقطيعيَ الأوزارُ
هل انتهى به تطوافه لليقين؟
اليقين نقطة الاطمئنان الوجودي للشاعر، ولكنه نهاية كل لذة معرفية فليس بعد اليقين محطة يعبر إليها سوى الشك من جديد، فبالشك فقط يتطهر من اليقين.. رغم أن اليقين هو المحطة المنشودة في تطوافه الشعري الطويل من الطفولة مروراً بالشباب ووصولاً للكهولة تمام النضج ومنتصف الدائرة قبل الانحدار نحو نصف الهرم من الدائرة، فظل يتساءل إن كان وصل للمحار الذي جعله رمز نهاية وصول الصياد للحقيقة، ومن جهة أخرى هل سيقنع بوصوله للمحار؟ وهل ستنتهي شكوكه حين ينتهي الوصول؟ يقول:
هلْ في وصولكَ للمحارِ بَيَانُ
يجلُو الشكوكَ فَتُؤْمِنُ الشُطْآنُ؟
يا سيِّدَ المتبتِّلينَ لِرحلةٍ
في العُمْقِ حيثُ الجوهرُ الفَتَّانُ
نُوتِيُّكَ القلبُ المُدَلَّهُ لم يَزَلْ
يهفو، وبُوصلةٌ لكَ الوجدانُ
أشجاكَ في بحرِ الخليقةِ موسمٌ
للغوصِ.. ليسَ لِقَعْرِهِ عنوانُ
تحدو المراكبَ في المَهَبِّ، فَمركبٌ
قَلِقُ الشراعِ ومركبٌ حيرانُ
ثم يقول خاتماً شكه بوصوله لليقين والاطمئنان الذي لم يهنأ بوصوله له لأنه سبب انطفاء لذة الشهوة المعرفية عنده:
أَغْرَتْكَ لؤلؤةُ اليقينِ فلم تزلْ
تشتاقُ لو بِوِصالِها تزدانُ
ووصلتَ، وانكشفَ القرارُ.. فما ترى:
هل في المحارِ لآلئٌ وجُمانُ؟
أمْ في المحارِ خرافةٌ أزليَّةٌ
يشقى هُنا بِظِلالها الإنسانُ؟
هدهدْ سُؤالِيَ في سريرِ إجابةٍ
حتَّى ينامَ جحيميَ السهرانُ
مولايَ عُذرَكَ إنْ جرحتُ بريشتي
عطرَ الخلودِ فأجفَلَ الريحانُ
جدد ذاته وطهرها في مرثية طويلة:
لكنه بعد وصوله لليقين لا تفتأ حيرته تشكك به من جديد حيث اليقين نهاية المطاف ومقتل اللذة الشعرية، فتوسوس به عنيفاً ليهدم جدار اليقين فيخوض التيه والحيرة من جديد فتغويه المعاناة، فيستسلم لها في حالة ذوبان وتفسخ شعري يحلو له كشاعر، فيقول:
همستُ للعشبِ حين العشبُ أنكرني:
يا من تجذّرت في أولى حكاياتي
هلّا بحثتَ بأرشيفِ الحقولِ، فقد
أودعتُ فيه ربيعاً من مَلَفَّاتي
عُمْري حديقةُ أطفالٍ بي اتَّحدوا
فإنْ كبرتُ صَحَتْ إحدى طفُولاتي
كانتْ خريطةُ وجهي حين أرسُمها
رملاً عَصِيَّاً ونخلاتي عصيّاتِ
كيفَ انسلختُ من العصيانِ وانطفأتْ
على ملامحِ ذاك الرملِ نَخْلاتي
أصبحتُ باقةَ أوهامٍ مغلَّفَةً
باللحمِ والعظمِ في كفِّ المُعاناةِ
يُكرِّرُ الموتُ في جسمي مرَاسمَهُ
حتى تعذّرَ أن أُحصي جَنَازاتي
لعلنا بهذه المقالة قدمنا شجرة للشعر وارفة من شعراء الأحساء.
جديد الموقع
- 2026-05-11 الأحساء تتنفس شعراً: "بن ناشي" و"بو سعيد" يوقظان دهشة النخيل في دار نورة الموسى
- 2026-05-11 اليوم الأثنين .. افتتاح دورة الألعاب الخليجية الرابعة (الدوحة 2026) و ندى ورياض سيرفعان العلم في ميدان الشقب
- 2026-05-11 هيئة الأدب والنشر والترجمة تختتم مشاركة المملكة في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط 2026
- 2026-05-11 *شابات التايكوندو الأول في بطولة البومسي على مستوى المملكة*
- 2026-05-11 *القادسية بطلاً لكأس وزارة الرياضة لكرة الماء*
- 2026-05-11 المسعودي التحدي الأكبر كان تحويل الشطرنج من مجرد "هواية" إلى رياضة احترافية
- 2026-05-11 مسار التأهيل الطبي بتجمع الرياض الصحي الثالث يقدّم خدماته لأكثر من 12 ألف مستفيدًا خلال الربع الأول من 2026م
- 2026-05-11 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل مجلس إدارة نادي النهضة بمناسبة صعود فريق السيدات للدوري الممتاز
- 2026-05-11 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يستقبل نادي النهضة بمناسبة صعود فريق السيدات للدوري الممتاز
- 2026-05-11 الشرقية الصحي يعزّز جاهزية مركز الاتصال الموحد لخدمة الحجاج"
تعليقات
عاشق جاسم
2010-01-10لله درك يا شيخ سعيد على هذه الكلمات ما أروعها.