2018/07/05 | 0 | 2657
الأدب النجفي: نشأته وتطوره. (الجزء الثاني)
هناك عوامل كثيرة ساعدت على بناء الحضارة العلمية والفكرية والثقافية والأدبية في النجف الأشرف، وربما من الصعوبة بمكان أن نتحدث الآن عن جميع تلك العوامل، لأن ذلك يستدعي الحديث عن الحركة العلمية والفكرية والثقافية والأدبية في النجف الأشرف، وتناولها من جميع الجوانب والجهات عبر مراحل التاريخ المختلفة منذ قرابة الألف عام وإلى اليوم، وهو ما يستدعي تأليف كتاب قائم برأسه، لذا رأينا أن نقتصر على ذكر بعض العوامل التي تكون كافية في إعطاء صورة واضحة المعالم عن ذلك التطور، على النحو التالي:
العامل الأول- هجرة العوائل العلمية والأدبية إليها:
لعل من أهم العوامل التي أدت إلى ازدهار النشاط العلمي، وتطور الحركة الأدبية في النجف هو هجرة العوائل العلمية والثقافية والأدبية إليها.
فقد كان لهذه الهجرة بما انبثق عنها من حراك علمي وثقافي وأدبي الدور الكبير في ازدهار الحركة العلمية والأدبية على السواء، كما أشار إلى ذلك أكثر من واحد ممن تكلموا عن النجف ومكانتها العلمية والأدبية، كالأستاذ علي الخاقاني في (شعراء الغري) والشيخ جعفر آل حبوبة في (ماضي النجف وحاضرها) والعلامة الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي في بحثه (الشيخ محمد أمين زين الدين ودوره في إنماء الحركة الأدبية في النجف الأشرف) حيث قال: (عند حلول القرن العاشر الهجري، أخذ أبناء القبائل العربية بالهجرة إلى النجف الأشرف لطلب العلم في الحوزة العلمية، والمجاورة لمرقد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في مدينة النجف.
والأدب -كما هو معروف، وبأشكاله الفنية، شعرية ونثرية- من السمات البارزة في حياة العرب، وقد نبغ منهم العديد من الشعراء والخطباء والكتاب، وفيهم الأفذاذ الذين اشتهروا على مستوى القطر العراقي، وعلى مستوى العالم العربي، كما فيهم النوادر الذين اشتهروا على مستوى العالم، أمثال الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، والأستاذ محمد مهدي الجواهري، والسيد أحمد الصافي النجفي.
ومن أولئكم القبائل العربية التي هاجر بعض من أبنائها إلى النجف واستوطنوها خلال القرن العاشر: آل البلاغي، وآل الجزائري، وآل محيي الدين، ثم توالت هجرات بقية أبناء القبائل العربية الأخرى.
ففي القرن الحادي عشر هاجر إلى النجف عوائل من آل الأعسم، وآل النحوي، وآل قسام، وفي القرن الثاني عشر الهجري هاجر إلى النجف جل أبناء العشائر العربية النجفية المعروفة الآن، الذين برز منهم في العلم والأدب النخبة من الرجالات النوابغ، وهم: آل كاشف الغطاء، وآل بحر العلوم، وآل الظالمي، وآل الشيخ عبد الرسول، وآل الفرطوسي، وآل قفطان، وآل المظفر، وآل أطميش، وآل زاير دهام.
وفي القرن الثالث عشر الهجري هاجر إليهم آل الشبيبي، وآل الدجيلي، وآل سميسم، وآل السوداني، وآل مطر، وآل الغراوي، وآل الخرسان، وآل العصامي، وآل زوين وغيرهم.
وارتبطت هذه الحركة الأدبية النجفية بمثيلاتها في البلدان العربية، أمثال مصر وسورية ولبنان، وتفاعلت مع مثيلاتها الأخرى في البلدان غير العربية، وبخاصة في إيران، للرابط المذهبي بين أبناء النجف وأبناء إيران، ولأن الحوزة العلمية في النجف تضم الوفرة من العلماء والطلاب من الجالية الإيرانية)
إذن كانت هذه الهجرة من أهم العوامل المؤدية إلى ذلك الازدهار والتطور، حيث أنها ساعدت النجف على الانفتاح على العالم الخارجي، والتواصل مع مختلف الدول والبلدان العربية ليكون لذلك كله دوره العظيم في اكتساب التجارب، وتبادل الخبرات، وتلاقح الأفكار، والتفاعل المتبادل مع النشاط العلمي، والحراك الأدبي، ليؤثر الكل في الكل، مما كان له أبلغ الأثر في إنماء وتطوير الحركة العلمية والثقافية والأدبية في النجف الأشرف، خصوصا وأن الكثيرين ممن هاجروا إلى النجف لم يأتوا إليها فقط مثقلين بما في جعبتهم من علم غزير، وأدب رفيع، بل كانوا يأتون معهم بنفائس الكتب من مطبوع ومخطوط، مما ساعد على الانفتاح والاطلاع على مختلف الحضارات، وشتى أنواع الثقافات أكثر فأكثر، كما ستقف عليه بشيء من التفصيل في مستقبل هذا البحث إن شاء الله تعالى.
العامل الثاني-الطابع الأدبي العام للنجف الأشرف:
كان الطابع العام للنجف الأشرف هو الطابع الأدبي، فكأنما الناس هناك أدباء بالفطرة والطبيعة، مما ساهم مساهمة كبيرة جدا في إثراء الحركة الأدبية إلى حد أنها انتقلت من الخاصة إلى العامة، حتى انتشرت في الوسط الاجتماعي العام إلى درجة أن أصبح الأدب عموما، والشعر على وجه الخصوص -سواء العربي الفصيح أو باللهجة العراقية الدارجة- هو سمة النجف وعنوانها، كما جاء ذلك في أكثر من مصدر ومصدر، مثل مقدمة المجلد الأول من (شعراء الغري) للأستاذ علي الخاقاني، ومقدمة (الشيخ الفرطوسي: حياته وأدبه) لحيدر محلاتي، و (ماضي النجف وحاضرها) للشيخ جعفر آل محبوبة، وغير ذلك من المصادر.
يقول الشيخ جعفر آل محبوبة في المجلد الأول الصفحة (391) من كتابه (ماضي النجف وحاضرها): (الشعر في النجف طبيعي في نفوس أكثر أبنائه لا كسبي، وغريزي لا تعلمي، فترى الشاعر النجفي من حين ما يشبّ يتغذى لبان الآداب، ويرضع أخلاف النبوغ والعبقرية، ولذا ترى أن الشعر سائد على جميع الطبقات، وفاش في أكثرهم، فيشترك في صوغ الشعر ونظمه الطبقتان: (العليا) وهم العلماء وحملة العلم، و (السفلى) وهم سائر الناس من أهل الحرف والصناعات الدارجة، ممن لم يتحلّ بالعلم، ولم يسلك منهجه)
والإنسان -كما نعلم- ابن بيئته، يتفاعل معها، ويؤثر فيها كما تؤثر فيه، فإذا كان العامة من الناس تأثروا بذلك الحراك الأدبي الكبير، وتفاعلوا معه، فما بالك بالخاصة منهم، وكيف سيكون تأثرهم وتفاعلهم وتأثيرهم؟!
فكون الإنسان يعيش وسط هذه الأجواء المفعمة بالشعر والأدب، والتي تجاوزت المحافل الأدبية، والأندية الشعرية إلى الوسط الاجتماعي العام، فمن الطبيعي جدا أن يعيش المجتمع العام تلك الأجواء، وأن تنعكس آثارها عليه، فتخلق منه أديبا مميزا، وشاعرا متألقا، وهكذا تنتقل الحركة الأدبية إلى الأجيال بالوراثة بسبب ذلك الطابع الأدبي العام، ولا شك أن هذا الأدب يتطور من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر، وذلك وفق تطور الحركة الأدبية بصورة عامة.
العامل الثالث- الدراسة الحوزوية:
كانت الدراسة الحوزوية وما زالت من العوامل المساعدة على توجيه الملتحقين بها إلى الأدب والاهتمام به، وذلك من خلال المواد التي يدرسونها -خصوصا في المقدمات- كالنحو والصرف والبلاغة والبيان... وغير ذلك من المواد التي يكثر فيها الاستشهاد بالشعر والأدب، مما ينعكس على الطالب، وربما شكل النواة الأولى في توجهه الأدبي ولو من حيث لا يدري ولا يشعر.
وإلى هذا يشير الأستاذ علي الخاقاني في (شعراء الغري ج1ص13، المقدمة) بقوله: (عُرفت النجف بأنها تخلق الشعراء، أو يكثر فيها الشعراء، وما ذلك إلا لأنه وليد الحركة العلمية، التي اتسعت في هذا البلد منذ عدة قرون، فقد فُرض على طالب العلم عند قراءته المقدمات، ومنها النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والاطلاع على اللغة، وهذه الكتب تكثر فيها الشواهد الشعرية، والرجز الذي يكفل شواهد المتون، وآنذاك يفتح عينه على لون من الأدب دون أن يعرف السبب الذي حداه له)
ويقول الشاعر الكبير السيد مصطفى جمال الدين في بيان أثر الدراسة الحوزوية في تكوين الشخصية الفقهية والأدبية للطالب، وذلك في الخصوصية الثالثة من الخصائص التي ذكرها للنجف الأشرف على غيره من مدن العراق، وذلك في مقدمة (ديوانه) ص14-16، بعد أن ذكر الخصوصية الأولى، وهي أن (النجف مدينة الوافدين) والخصوصية الثانية: (النجف والشمائل العربية) باعتبارهما من ضمن عوامل تطور الحركة الأدبية هناك: (وخصوصية ثالثة تُميّز النجف الأشرف عن غيره من مدن العراق، إنها -لكونها مدينة جامعة للدراسات الإسلامية، وتمتد جامعيتها على مدى يقرب من عشرة قرون- قد احتفظت باللغة العربية وآدابها، رغم كل محاولات "التتريك" الذي فرضه المماليك والحكام العثمانيون على مدارس العراق وغيرها من البلدان الخاضعة للخلافة الإسلامية من جهة، ورغم انتشار اللغات الشرقية -وبخاصة اللغة الفارسية- بين الوافدين إليها من أقطار العالم الإسلامي التابعة لمرجعيتها الدينية من جهة ثانية.
ولعلّ السر في احتفاظها باللغة العربية وآدابها، أن الدراسة الدينية، واستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، تعتمد -بصورة أساسية- على مصادر هي نصوص عربية أصيلة، بلغت الغاية القصوى في بلاغتها وفصاحتها، وأهمها القرآن الكريم، والسنة النبوية، ونهج البلاغة، وآثار أئمة أهل البيت، وصحابة الرسول الكريم، وفقهاء التابعين.
ولا يستطيع طالب العلوم الدينية -سواء كان في النجف أم في غيرها من مراكز هذه الدراسة، كالأزهر الشريف، وقم، والقيروان، ودمشق، وجبل عامل- أن يحصل على الوعي الفقهي ما لم يكن متضلعا بآداب العربية، وفلسفتها اللغوية، ما دامت مصادر هذا الوعي على هذه الأهمية من الفصاحة والبلاغة، وفيها من المجازات والكنايات والصور البيانية ما لا يدركه غير الخبير بهذه اللغة.
من أجل ذلك لم يكن غريبا أن يتشدد الأصوليون في شروط "الاجتهاد" فيذكروا بها أن يكون المجتهد على علم باللغة، وفهم أساليب العرب...)
إلى أن قال: (ولذلك كانت الدراسة الدينية تبدأ -عادة- بما يسمى "المقدمات" أو "علوم الجادة" وأهمها النحو والصرف والبلاغة، وفيها من البحوث النحوية والصرفية والبلاغية ما لا يوجد في كتب النحاة والبلاغيين، من أجل ذلك فإن الشريف المرتضى في مسألة تعّقب الاستثناء لجمل متعددة، واستدلال الأصوليين بأقوال النحاة، قال: "ومن صنّف كتب النحو إنما هم مستقرون لكلام العرب، ومستدلون على أغراضهم، فربما أصابوا وربما أخطأوا، وحكمهم في ذلك كحكمنا، على أن قولهم في هذا يختلف، ولم يحققوه كما حققه المتكلمون منّا في أصول الفقه"
و كلام الشريف المرتضى نقله السيد مصطفى جمال الدين من ج1ص262 من الذريعة إلى تصانيف الشيعة، لآغا بزرك الطهراني، وبعد نقله لهذا الكلام قال السيد مصطفى: (وهذا هو السرّ في أنك تجد أكثر من نبغوا في أوائل هذا القرن من أدباء العربية، وشعرائها، وأصحاب الخبرة في فلسفتها اللغوية، هم من خريجي مراكز الدراسات الدينية، كالشبيبين، والشرقي، والجواهري في النجف، والزهاوي، والرصافي في بغداد، وشوقي، وحافظ، وطه حسين، وأحمد أمين، والزيات في الأزهر، وأبي القاسم الشابي في القيروان، وعمر أبو ريشة في حلب، وبدوي الجبل في جبلة، والشيخ أحمد رضا في جبل عامل، والعلائلي -وهو خريج الأزهر- في بيروت، وأمثالهم)
ثم بيّن أثر الدراسة الحوزوية -بما فيها من كتب نحوية وبلاغية- على طلابها، وكيف تصبغهم صبغة أدبية، بأمثلة حية فقال: (وقد أحصى المرحوم محمد رضا الشبيبي في عصر السيد محمد بحر العلوم، وحده (1212هـ) ما لا يقل عن مائتي شاعر في مدينة صغيرة كالنجف، ويبلغ ما كتبه المرحوم علي الخاقاني في شعراء الغري اثني عشر مجلدا، وجلّهم من طلبة العلوم الدينية)
وعقّب على مثاله الحي هذا بقوله رحمه الله: (ومن هذا يبدو لك سرّ احتفاظ النجف بنصاعة اللغة، وبهذا النزوع الشديد لصهر الوافدين إليها بحب العربية وآدابها، وقد تركت آثارها واضحة في الأقطار العربية، التي تخرّج أبناؤها في جامعة النجف، وأصبحوا وكلاء المرجعية الدينية في أقطارهم، كالأحساء، والقطيف، والبحرين، والأهواز، وسوريا، ولبنان، وإنك لتجد سمات الشعر النجفي واضحة في شعراء هذه الأقطار، وإن لم يعيشوا في النجف)
وهذا يعني أن الدراسة الحوزوية بما فيها من مقررات في الصرف والنحو والبلاغة، وبما تحويه من خطب بلاغية، ومقطوعات أدبية، وأبيات شعرية، قد انعكست إيجابيا على الطلبة الحوزويين فكان لها الدور الأكبر في صنع شخصياتهم الأدبية، خصوصا من لديه توجه أدبي من الأصل.
وبما أن طلبة العلوم الدينية إنما يقصدون النجف كونها المركز العلمي الديني الأهم والأكبر، فمن الطبيعي أن يتأثروا بتلك الدراسة التي يكثر فيها الاستشهاد بالأدب شعرا ونثرا من جهة، وتلك الأجواء الأدبية العامة من جهة أخرى، وإن كان ذلك بنسب متفاوتة بين طالب وآخر، حسب ما يملكه هذا وذاك من القابليات والتوجّه والميول والاستعداد.
وهذا يعني أن الأدب النجفي تجاوز النجف بل والعراق إلى مختلف الدول والبلدان التي يقطنها أولئك الدارسون في النجف، ثم يعودون إلى أوطانهم وهم متأثرون بذلك الجو العلمي والثقافي والأدبي السائد هناك، وينشرونه في أوطانهم ولو عن غير قصد، وإنما من خلال كتاباتهم الأدبية، وقصائدهم الشعرية ذات الطابع الأدبي النجفي.
جديد الموقع
- 2026-04-04 الهميلي تتألقُ في يوم المرأة العالمي
- 2026-04-04 افراح العباد تهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"