2016/11/08 | 0 | 2693
قصة نجاح المهندس مهدي بن ياسين الرمضان
وقفة :
كانت معرفتي بالأخ المهندس مهدي بن ياسين الرمضان مع الفوز بعضوية المجلس البلدي عام 1426هـ ، وقد أعجبتُ بهذه الشخصية للأسباب التالية :
(1 ) شخصية تجبرك على احترامها لما يتعامل به مع الآخرين من احترام وتقدير وتواضع .
(2) يتمتع بقدرة على إدارة وقته وتوزيعه وهو سبب نجاحه في مشاريعه التجارية والأسرية .
(3) يعشق القراءة ويتابع مستجدات الساحة الثقافية ويوثق بين الحين والآخر ملخص حراكه الثقافي في قوالب مقالية.
( 4 ) داعم للمشاريع الخيرية ، ومتبني بعض اللقاءات الثقافية ، وله بصمة بمشاريع اجتماعية عدة ، ويستعان به في حلحلة بعض المشاكل الاجتماعية .
( 5 ) يشجع الكوادر الشابة ويرفع معنوياتهم ويشحنهم بطاقة إيجابية تدفعهم نحو السير للتميز .
( 6 ) تواجده في مختلف المشاريع التي تتطلب أمثاله .
( 7 ) يملك مهارة في أن تكون شخصيته مقبولة لدى كافة الاتجاهات والأطياف بالمجتمع .
( 8 ) احترامه للرأي الآخر ، والتزامه بآداب الحوار .
( 9 ) كفاح وصنع مجد وتنمية ذات .
( 10 ) يذوب في المشاريع التي تنمي مستوى التفكير ، وتشجع على التنمية ، وتقوي من العطاء الوطني ، وتوجد التعايش بين مختلف الأطياف بالمجتمع .
المهندس مهدي بن ياسين بن عبد الله الرمضان ، من مواليد عام 1365هـ ، حصل على شهادة البكالوريوس تخصص علوم زراعية من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1969م ، وحصل على شهادة الماجستير تخصص علوم زراعية من جامعة شمال ويلز – المملكة المتحدة – عام 1975م ، شريك ورئيس مجلس إدارة شركة الياسين الزراعية 1993-الآن ، مهندس زراعي بوزارة الزراعة والمياه 1969-1973م ، خبير أبحاث زراعية بوزارة الزراعة والمياه 1975- 1993 م ، عضو مجلس المنطقة الشرقية 2001- 2005م ، عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية والصناعية بالأحساء ( لدورتين ) ، عضو مجلس إدارة الشرقية للتنمية الزراعية ( ثلاث دورات ) ، عضو مجلس مديري شركة الأحساء للصناعات الغذائية – مصنع التمور ، رئيس مجلس إدارة الجمعية التعاونية لتسويق البيض والدجاج اللاحم بالأحساء ، عضو اللجنة الوطنية الزراعية ، من العضويات السابقة : عضو مجلس إدارة جمعية البر بالأحساء ، عضو في صندوق الزواج الخيري بالأحساء ، عضو لجنة الإشراف المحلية على انتخابات المجلس البلدي بالأحساء ،
عضو مجلس إدارة صندوق التنمية الزراعية، عضو مجلس إدارة هيئة الري والصرف، عضو مجلس إدارة جمعية النخلة التعاونية، عضو مجلس أمناء جائزة الاحساء، ممثل غرفة الأحساء في مجلس الغرف السعودية بالرياض ، ساهم بورقة عمل عن المياه في الأحساء في المنتدى الاقتصادي للأحساء 2003م ، ساهم في مؤتمر الرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودي ، له مساهمات مختلفة في نشاطات الغرف التجارية ، وفي مجال إدارة الأعمال والقطاع الزراعي السعودي ، من اهتماماته والهوايات : الاطلاع على المستجدات في مجال العلوم الإدارية والاقتصادية ومجال التقنيات الزراعية ، والاهتمام بمجالات الاقتصاد والسياسة والشؤون الاجتماعية في المنطقة والقراءة في مجالات علوم الفيزياء والفلك .
- لنتابع مراحل حياته التي لخصها لنا
- المرحلة الأولى من حياتي :
- اللعب ، اللعب ، ثم اللعب .
ولدتُ وترعرعتُ وأكملت دراستي الابتدائية والمتوسطة والثانوية في البحرين . وكانت البحرين في الخمسينات والستينات من القرن الماضي أيام الاستعمار البريطاني مقارنة بمجتمعات دول الخليج والأحساء في المملكة أشبه ما تكون بسويسرا المنطقة لانفتاحها الحضاري والثقافي فوجود خليط من الجنسيات والخلفيات الإثنية تتعايش في بيئة مدنية منفتحة مع وجود دور السينما والمسرح والمقاهي والحدائق والمكتبات و النوادي الرياضية والأدبية والمدارس الأهلية لتدريس اللغات جعلت من البحرين مركزاً حضارياً إقليمياً ونقطة استقطاب للعمل والعيش المريح الممتع لسكانها وللمغتربين فيها من دول الخليج ولزوارها.
كان النظام التعليمي متطور بمقاييس ذلك الزمن حيث يبدأ تدريس اللغة الإنجليزية من الصفوف الابتدائية الأولى والنظام الإداري الإنجليزي الحازم يسير الحياة اليومية بانضباط وعدل .
وسط هذا البحبوحة الحضارية من العيش بدأت مرحلة حياتي المبكرة .
لم يكن والدي رحمه الله متعسفاً أو صارماً في تربيتنا بل كانت للحرية مساحة واسعة في فكره وفي سلوكه معنا الأمر الذي سمح لي ولإخواني أن تكون لنا خياراتنا اليومية ضمن حدود الأدب وسلامة السلوك .
كان خياري هو اللعب اليومي في الفريج ومع الأقران وكان هو عنوان تلك المرحلة من عمري. اللعب غالباً كان يتم بشكل جماعي بعضه مخصص فقط للذكور والبعض الآخر مختلط بين الجنسين ولكن كانت تحكمه البراءة بين الذكور و بنيات الفريج من الإناث في الحارات من تلك اللعاب كنّا نلعب التيلة و القلينة والصرقيع والدوامة و الحنبوص ولكل من هذه اللعبات موسمهما المحدد إلي ينشغل فيها الجميع.
تعرفتُ خلال فترة الصبا والعمر اليافع على أصدقاء العمر مثل : إبراهيم الدهمش ، وعباس التحو ، وجواد الشيخ وعلوي الهاشمي ، ومحمد السليمان ، ومحمد بن موسى بوحليقة، والعم عبد الحميد الرمضان وغيرهم من الأصحاب وشكلنا شلة بقت متلازمة طوال فترة الدراسة حتى الانتهاء من المرحلة الثانوية .
بداية كنّا محصورين ضمن نطاق الفريج وما حوله من حارات أو الذهاب للتسكع في الأسواق أو بقرب السينمات عصراً
وبعدها زادت جرأة الفعاليات وتوسعت مساحتها الجغرافية فلم يعد لعبنا ومرحنا ينحصر في الفريج فكنا نذهب ماشيين لمسافات ولساعات لنصل للسباحة في عيون المياه مثل عين أم شعوم وعين عذاري وغيرها ونتحين الفرص ونغافل الأهل تفاديا للعقاب للذهاب مرات للسينما .
كان موسم العشرة أيام من محرم موسم مشهود ومؤثر جداً في وجداننا وصياغة مفاهيمنا المبكرة عن واقعة كربلاء خلال أيام عاشوراء يتزايد نشاطنا ونساهم في تقديم الخدمات للمستمعين في مأتم الحساوية بتقديم المياه الباردة والشربت وكان حينها لمأتم الاحسائيين دور كبير في إقامة الشعائر والقراءات الحسينية خاصة مع تواجد جالية أحسائية كبيرة من المخايطة والفلاحين والكسبة والتجار المقيمين في البحرين.
بعد القراءة الحسينية ليلا، تخرج مواكب العزاء من المأتم على هيئة حلقات كل حلقة تحفظ جزء من أبيات شعر ومقاطع كلامية تختص بواقعة الطف لتذكر ما حدث للحسين عليه السلام وأهله وأصحابه وتكملها الحلقة التي تليها والتي تليها تكمل سابقتها.
ولوجود إعداد كبيرة من المغتربين الأحسائية كان عدد حلقات عزاء الحساوية لا يقل عن عشر حلقات يتقدمهم حاملي الأعلام والأنوار ورؤساء الموكب ومنهم المرحوم الحاج ميرزا طاهر التحو الذي يقرأ قصائد النعي الشجية. يتزامن موكب الأحسائيين في مسيرته حسب ترتيب زمني دقيق ليلتحق بمواكب عزاء مأتم أخرى وتسير كل المواكب في خط متفق عليه بين الحارات والشوارع حتى تعود مرة ثانية لمواقع حسينياتها ، ويستغرق فترة مسير الموكب حتى يعود لمقره حوالي ثلاث ساعات تقريبا. كنّا نتابع الموكب في مسيرتها وكنا نسير حفاة لمواساة الحسين ( ع ) في مصابه بحسب قناعتنا. ترك ذلك المشهد بصماته و آثاره على نفوسنا الغضة من أيام الصبا المبكر وخاصة وقع أحداث نهار يوم العاشر حيث قمة المأساة وتمثيلها على المنبر ابتداء وفي المواكب التي تجلب لها الخيول والرايات والتشبيهات لاستثارة العواطف والشجن وكانت النساء والأطفال يملأن أطراف الشوارع في طريق المواكب ، والجو مشحون بالحزن والأسى والبكاء. إنها من المشاهد التي لا تنسى بمواكب العزاء والتجمعات والمسيرات ، فكنا نلاحق مواكب التطبير و نشاهد حينها بإعجاب شديد المطبرين يدمون رؤوسهم .
بشكل عام كانت هذه مرحلة من عمري حتى سن عشر سنوات تقريباً بما تضمنته من صداقات وبما اتسمت به من حرية شبه تامة في أوقات اللعب ، شكلت نوع من الإشباع لنهم ودافع نفسي وفكري طفولي ، فأخذتُ حقي كامل بالتمام في حصة اللعب بدون حسرات لاحقة لفوات فرص لعب و مرح .
و أظن انعكس ذلك على شخصيتي لاحقاً بعدم وجود عقدة شعور بالغبن لتفويت فرصة المرح واللعب في الطفولة.
كان والدي ياسين رحمه الله من خيرة الآباء فهماً وإدراكاً لأسلوب التربية السليم فمنحنا عطفه ودلنا بصداقته معنا على الطريق السوي في الحياة ودفعنا لطلب العلم وللاستزادة منه تسانده في ذلك وتدعمه والدتي أطال الله عمرها في رعايتنا وتربيتنا. لا زلت أتذكر بشعور عميق من الحنين لجلسات الفطور صبيحة أيام الجمع ففيها يلتم الشمل للأسرة ويجمعنا كلنا ويفتح رحمه الله لنا قلبه و يقضي ما لا يقل عن ساعة في أحاديث شتى ممتعة بأسلوبه الرائع ، فكان يمّثل القصة تمثيلاً ليضحكنا . فكان يسرد لنا قصص مقالب أصدقائه في الأحساء يروي لنا عن الأحداث التاريخية الإسلامية و يدخل ضمنها نصائحه وتبيان لبعض المسائل الفقهية .
أكسبتني جلسات الجمعة معرفة مبكرة وزادت اهتمامي بالانفتاح على العالم وشوقا لمعرفة المزيد . كان رحمه الله رجلاً صاحب مبادئ لا يهرب من مسئولية أبداً ، فقد كان يدير فرع عمل جدي عبد الله في البحرين حيث يشتري البضائع من السوق المحلي أو يستوردها من الهند وإفريقيا ليعيد شحنها بالبواخر الصغيرة للعقير ولاحقا لميناء الخبر ومنها للأحساء لمحل جدي . كان يرحمه الله علماً ورمزاً في عشيرة الرمضان في الأحساء حتى وهو في البحرين بحبه لأهله ومواصلته لهم واستضافته في منزلنا من يأتي منهم للبحرين للعلاج كان له صداقات قوية مع كل أطياف المجتمع البحراني من المسلمين الشيعة والسنة و غير المسلمين من البونيان واليهود والمسيحيين فليس لديه تحسس أو انعزالية تجاه المختلف في البحرين أو الأحساء ذو رأي سديد يلجأون له البحارنة في الملمات و الأزمات التي تمس الطائفة الشيعية أيام الاحتلال البريطاني للبحرين . كان أديباً و شاعراً وصاحب مبادرات اجتماعية وخيرية ، إضافة لكونه مثقفاً واسع الإطلاع يقرأ بنهم ومشترك في المجلات والدوريات التي تصله من دور النشر في لبنان و مصر ولديه مكتبة زاخرة بأنواع العناوين . تعلمتُ منه التجارة وأهمية العمل الجاد و المثابرة وأخذ المبادرات والتعبير بصدق عن حبي لمن أحبهم ودفعني بحبه وصداقته لي للسير في طريق العلم و الدراسة لأكون محبا للإطلاع ومجتهداً في التحصيل الدراسي حتى أنه بعد انتهائي من المرحلة الإعدادية ، قرر أن يبعثني للدراسة في أحد المدارس الأهلية الداخلية في لبنان ، فكان ذلك المشروع مصدر فخر لي وسط الأصدقاء وتبهرجي عليهم بالسفر والعيش في لبنان . أعددتُ العدة وتجهزت للرحلة بتفصيل البدلات وشراء الملابس و توديع الأصدقاء في البحرين والسفر للأحساء لاستخراج جواز السفر ، وقطعتُ تذاكر للسفر بالطائرة لمطار دمشق ولكن تشاء الصدف قبل يوم من موعد سفري من مطار الظهران أن يحدث انقلاب عسكري سوري عام 1961 م والانفصال بين طرفي الجمهورية العربية المتحدة . عدتً للبحرين خائباً كي لا تفوتني الدراسة وتلقيتُ ألم شماتة الأصدقاء وهزلهم ، وبعد أن أكملتُ دراستي الثانوية عام 1964 م قرر والدي أن أتوجه للدراسة على حسابه الخاص في الجامعة الأمريكية وكانت وقتها تعد أرقى وأقوى جامعات الشرق الأوسط .
المرحلة الثانية:
بناء الشخصية.
قبل وصولي بيروت كانت والدتي قد سافرت للزيارة في العراق مع أخي منصور الذي اضطر للعودة للبحرين فكان أن طلب مني والدي السفر لأكمل فترة زيارة والدتي للعراق ، ومنها أتوجه بالباص إلى سوريا و من ثم بيروت. تركتُ والدتي بمعيّة العم المرحوم السيد عبد الله اليوسف لتكمل زيارتها وتعود للبحرين معه ، وسافرتُ عن طريق الحافلة من بغداد عبر منفذ الرطبة إلى دمشق ، وصلتُ بيروت بعد أن أمضيتُ أسبوعاً في سوريا والتقيتُ ثلاث من خالاتي و أزواجهن و أبنائهن ولم أكن قد تعرفتُ عليهن من قبل فقد كن يقمن في الكاظم بالعراق ومنها انتقلن للسكن في الشام حيث أزواجهن يعملون في خياطة المشالح . كان أسبوع جميلاً اتسم بكرم ضيافة وحسن استقبال خالاتي وأزواجهن لي فسعدتُ مع أقراني من الأولاد كثيراً بزيارة معالم دمشق وأسواقها و متاحفها وسينماتها. رحلتُ من دمشق لبيروت لاستقر في السكن مع خالتي الرابعة المقيمة مع زوجها في منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية من بيروت. توجهتُ لحرم الجامعة الأمريكية في اليوم الثاني لوصولي بيوت وبدأتُ مرحلة التسجيل واستلمتُ استمارة التسجيل وكانت باللغة الانجليزية ولكي أعبئها كان لزاماً عليّ أن اشتري قاموس أترجم كلمات الاستمارة للعربية كي أفهم المطلوب. أنهيتُ التسجيل وتقرر أن اخذ فترة صيف لدراسة كورس انجليزي يوم بدء الدراسة التقيتُ بعدد من زملاء الدراسة في البحرين المبتعثين فخف بلقائهم شعوري بالغربة. درسنا كورساً في اللغة الانجليزية مكثفاً أعطانا دفعة قوية لرفع مستوانا . بعد إنهاء دراسة اللغة تقدمتُ للالتحاق بكلية الزراعة والسبب في اختياري لهذا التخصص إني كنتُ أهوى دروس مادة الأحياء في الثانوية ولجمع هذه الهواية مع الرغبة في الدخول في مجال العمل التجاري لاحقاً الذي أيضا كنتُ شغوفاً بممارسته ، ووجدتُ أن الزراعة هي ما يمكن أن يوفر لي مجال الجمع و التوفيق .
كان علي أن أتكيف مع بيئة الجامعة بعد استقلالي عن أهلي في البحرين واستلامي لزمام أموري بعيداً عن أية رقابة وأنا في سن مقتبل عمر الشباب ، فوجدتُ تحديات كبيرة وحقيقية عليّ مواجهتها للمرة الأولى فأنا هنا أمام بيئة دراسية جادة لا ترحم المتخاذل ، وفي ذات الوقت لا تماثل ما اعتدت عليه فهي دراسة مختلطة ومتوفر فيها كل المغريات ، وفي بلد مفتوح لا توجد فيه خطوط حمراء ، وأنا مطالب أمام كل ذلك بتحقيق نتائج أكاديمية لم أكن مسلحاً نفسياً لها أو أعي متطلباتها حينها ففي المذاكرة لسيل الامتحانات المتلاحقة في النظام الأمريكي في الجامعة الأمريكية لم اتكيف بداية الدراسة بل استمريتُ على نفس منوال ما تعودتُ عليه أيام دراستي في البحرين حيث المذاكرة للامتحان النهائي لا تتم إلا قبل أسبوع أو أسبوعين من الامتحان ، فشلتُ في الفصل الدراسي الأول فكانت دراجاتي فضيحة تفشل وتقطع الوجه. والأسوء أن نسخة من تلك الدرجات أرسلتها الجامعة للبحرين لوالدي ليطلع عليها ، شعرتُ بالمرارة القوية والخجل وانتابني خوفاً شديداً من عدم قدرتي على مواصلة الدراسة . ومن حسن حظي ربما كان وجود طالب لبناني اسمه هاني شاتيلا هزأني أمام الطلاب من الجنسين لسوء درجاتي واشعل بذلك شعلة التحدي بداخلي وقررتُ أن اقبل التحدي وأتغير في طريقتي الدراسية. لاحظتُ أن الطلاب اللبنانيين بالذات لا يلهون أو ينشغلون عن المذاكرة طوال أيام الأسبوع عدى نهاية الأسبوع فقط فلا نجدهم في السينمات أو يتسكعون في الشوارع فهم يختلفون تماماً في أدارتهم للوقت وأساليب مذاكرتهم عن الخليجيين فعرفتُ أنهم يذاكرون أولا بأول ويحضرون للدرس القادم ما يساعدهم على دقة الحوار في الفصول مع المدرسين. بعد اكتشافي للمعادلة ، طبقتها بجد على نفسي فوجدتُ الفرق الشاسع في كمية التحصيل وجودة الفهم وشدة الاستيعاب للمعرفة .
حققتُ في الفصل الثاني من السنة الأولى أول تفوق دراسي في حياتي منذ الابتدائي وأذهلتُ بذلك زميلي اللبناني هاني الذي غير نظرته بعدها عني وأرسلتُ النتيجة لوالدي ، وكانت مصدر فخر لي . لم أتخلف عن تحقيق نتائج متميزة بعدها طوال فترة الدراسة في كلية الزراعة حتى تفوقت على هاني و غيره من اللبنانيين .
كان مجتمع الجامعة مجتمع دولي بامتياز حيث يضم ما يزيد عن أربعين جنسية من الطلبة وبه حراك ثقافي عالي الوتيرة ، إضافة لوجود كل أحزاب قومية وأممية يمكن تخيله . جل الطلاب تقريبا مسيسين عدانا نحن السعوديين والخليجين. بعد رحيل خالتي وزوجها من لبنان لدمشق سكنتُ في شقة مشتركة مع طالبين في كلية الزراعة أردني وفلسطيني لم اعرف عن خلفياتهما شيء يذكر عدى عن كونهما زملائي في كلية الزراعة. في احد الأيام وبعد فترة ليست قصيرة اكتشفت أنني ساكن مع بعثيين ،وكانا يعقدون اجتماعات حزبية لدينا في صالة الشقة وأنا يا غافل لك الله في غرفتي أذاكر.
ومن طرائف تلك الفترة أن حدث أن انقطع الماء عن عمارة سكننا وغيرها في الحارة لفترة يومين ولم نجد ماء يكفي للاستحمام فبقينا ليومين بدون استحمام حتى أصلح الخلل وجاء الماء ذات مساء وسبقت زميلي بالدخول للاستحمام. كان الماء دافقاً قوياً وساخناً وأنا مستمتع و أغني وإذا بباب الحمام يرتج بقوة مرة ومرتين وثلاث فظننتُ أن زميلي الأردني فاروق أو موفق يريدان استعجال خروجي ، فصرختُ أنني لم انتهي بعد. خرجت أنشف جسمي من الحمام ولم أجد صاحبيّ في الشقة بل سمعتُ ضوضاء وصخب وجلبة عظيمة في الشارع فنظرتُ من الشرفة ، وكنا في الدور الخامس فرأيتُ منظراً غريباً والشارع مكتظ بالناس من الرجال والنساء بعضهم بملابسهم الداخلية والبعض يحمل الشنط ويتراكضون في كل اتجاه فقلتُ ربما هي خناقة كبيرة بين الجيران غيرت ملابسي على مهلي و نزلتُ للشارع اسأل ما القضية فنظر أحدهم لي باستغراب قائلاً "ولو يا خيي ما بتعرف أن زلزال ضرب شووين كنت حضرتك ؟"
أنا طبعاً أصبتُ بالهلع بأثر رجعي متخيلاً منظري ميت في الحمام تحت الأنقاض عارياً كما خلقني ربي .
انتقلتُ بعدها في موسم دارسي آخر للسكن في شقة مع فاروق وقبرصي اسمه جورج .
جورج هذا اقرب أن اسميه أرسطو. تعلمتُ منه الكثير في تقيّم الحياة والاستمتاع بالوقت. من أقواله التي لا زلتُ اذكرها و أكررها للجامعيين من الأبناء إنك في الجامعة تؤسس ليس فقط لمهنتك بل الأهم لصياغة شخصيتك وترسم لمسيرة حياتك فلا تخسر حياتك بسبب تلهفك على تحقيق تفوقك فقط .
أقنعني بأن اقبل بدرجة 95 في الامتحان بأداء مريح بدلاً من الانتحار كي احصل على درجة 98 لأن الفرق في كلفة حصولي على آخر ثلاث درجات تساوي كل كلفة الخمسة وتسعين التي قبلها . أقنعني أن اخصص الوقت الذي كنتُ سأبذله للحصول على الثلاث درجات الأخيرة بالتعرف على شؤون الحياة وبناء شخصيتي وثقافتي بقراءة الكتب والجرائد و الاستمتاع بالحياة بشكل عام . كان يكرر القول بأن قبرص مثل الأحساء مشهورة بحميرها فكان يقول لي ليست الأحساء أو قبرص محتاجة لحمار إضافي مثلك أو مثلي ففيهما ما يكفيهما من الحمير .
يضيف، الجامعة يا صديقي فرصتك التي لا تعوض لتخلق لك أسلوب حياة ولتخلق لك شخصية متكاملة الجوانب فلا تضيع الفرصة في غير ذلك .
لعلها أثمن نصيحة تلقيتها وعملتُ بها وعلى تحسين تطبيقها فقد تنبهتُ مبكراً لمطب يقع فيه الكثيرون وهو بذل كل جهدهم ووقتهم لتحقيق نجاح في ناحية واحدة من نواحي الحياة ويكون ذلك بدفع أثمان باهضة بخسارة تحقيق إي شيء ذا قيمة في النواحي الاخرى. تعلمت من الممارسة لهذه الفكرة الفلسفية في حياتي أن النجاح الكامل هو مجموعة متراكمة من نجاحات صغيرة وأن النجاح الحقيقي الكبير هو أن تحقق مجموعة كبيرة من النجاحات في مجالات عديدة من الحياة وليس في مجال وحيد
ألم اقل لكم أن القبرصي هو أرسطو .
مرحلة بناء الحياة العملية :
رجعتُ بعد التخرج من كلية الزراعة للعمل لدى وزارة الزراعة والمياه على وظيفة باحث زراعي في مركز الأبحاث الزراعية بالأحساء ، تخصصي كان إنتاج حيواني ، وفي مركز الأبحاث كان يوجد قطيع من سلالة أبقار هولندية وسلالات أغنام محلية فأعددتُ ورقة عمل للتعرف على تلك السلالات وإمكانياتها الإنتاجية فاعددنا مع بعض المهندسين سجلات لها لتدوين إنتاجها وتنظيم مواسم التلقيح وعملتُ بعض التحارب على تغذيتها ، وقعت الوزارة اتفاقية إجراء أبحاث وتدريب مع جامعة شمال ويلز وحضر مجموعة من الخبراء لمركز الأبحاث وتطور العمل البحثي ، وأدخلتُ أصناف جديدة من السلالات وأصناف من نباتات الأعلاف ، وأجريتُ أبحاث على الأبقار والأغنام كانت نتائجها مفيدة جداً لمشاريع الألبان التي أنشئت في فترات لاحقة في المملكة .
خلال بداية عملي في المركز كانت تراودني فكرة إنشاء مشروع دواجن خاص ، وفاتحتُ والدي وإخواني وتمت الموافقة ، وبدأنا البحث عن موقع للمشروع واشترك معي في ذلك المرحوم الخال عبد الهادي بن الشيخ أحمد بوحليقة ، فحصلنا على مزرعة مناسبة في قرية التهيمية بها مصدر مياه ويمكن انشاء حظائر الدواجن بها ، بدأنا التأسيس ببناء الحظائر فراسلتُ شركة أمريكية لجلب المعدات اللازمة منها ، وتم تركيب المعدات وتجهيز الموقع وباقي إحضار الصيصان و المصدر حينها كان من بلجيكا بالطائرة للمراسلة مع الشركة البلجيكية ، فكنتُ اذهب للخبر لفندق الخاجة لوجود جهاز تلكس لأرسل الطلب وأتلقى الرد بالموعد ، وفي يوم حضور الصيصان اذهب ليلاً لمطار الظهران بسيارة و نيت لتوصيل الشحنة للمزرعة وتفريغها في الحظائر.
كانت هذه الفترة من حياتي صعبة من ناحية ضغوط الوقت و الجهد المبذول لتلبية متطلبات العمل الرسمي والشخصي في المزرعة ، فكنتُ أعمل بمعدل لا يقل عن ثمانية عشر ساعة يومياً . خلال نفس الفترة أيضاً عرضت علينا الوزارة أكمال دراسة الماجستير مع الفريق الانجليزي من خلال إجراء أبحاث للدراسة في الهفوف والسفر للجامعة لتقديم الرسالة والامتحان. التحقتُ بهذا البرنامج وزادت مسؤولياتي وارتفعت الضغوط عليّ ، وأمضيتُ سنتين قاتلتين حققتُ فيهما معجزة أداء في التوفيق بين العمل الخاص والعمل الرسمي خاصة بعد أن ارتبطتُ في برامج بحث دراسي بإشراف الخبراء معنا في المركز.
نجح مشروع الدواجن وأنتجنا بيضاً في وقت كان البيض شحيحاً والطلب عليه كبير ومتزايد وبعناه بأرباح فلكية مع بداية الطفرة الاقتصادية الأولى.
سافرت لبريطانيا بعد إنهاء الأبحاث لرسالتي في الماجستير لتحليل النتائج على كمبيوتر الجامعة وقدمت الامتحان و حصلتُ على الماجستير بعد قضاء حوالي سنتين ونصف بين البحث و تقديم الرسالة. رجعتُ للبلد وقررتُ مع الإخوان مع بداية عام 1980 أن نوسع عملنا بتأسيس شركة الياسين بهدف استيراد و بيع معدات الدواجن وكان وقتها الطلب كبير على معدات الدواجن للتوسع السريع في إنتاج الدجاج اللاحم و البياض. استمرت المزرعة تعمل والشركة تتوسع حتى وجدتُ صعوبة في الاستمرار في الوظيفة وإدارة الشركة فقدمتُ استقالتي التي رفعت للوزير وكان حينها الدكتور عبد الرحمن آل الشخ هو وزير الزراعة فرفضها وطلب أن أقابله شخصياً. بعد مقابلتي أقنعني أن استمر سنة اعمل لدى الوزارة ووعدني علي الاستمرار بقبول استقالتي ، فقدمت مرة ثانية استقالتي بعد مضي ستة أشهر فقبلها الوزير .
تفرغتُ للعمل في الشركة وساعدني أخي محمد تقي وأخي صادق خريج جامعة البترول بما يحمل من تخصص في الإدارة و فتحنا ثاني فرع في الدمام ووسعنا النشاط ليشمل استيراد وبيع الأسمدة والبذور والكيماويات لتخدم مزارعي الخضار والفواكه والأعلاف والنخيل. استمر توسع الشركة بفضل من الله وبالعمل الجاد وتقديم أفضل المواد التي نحرص على انتقائها من الأسواق العالمية ونجربها فنياً في مزرعتنا للتأكد من فاعليتها. واصلنا النمو وافتتاح فروع إضافية في المناطق الزراعية في المملكة حتى بلغ عدد الفروع حالياً أثنى عشر فرع وتنامت مبيعاتنا وعدد الموظفين ليبلغ مائة وعشرون اغلبهم مهندسين زراعيين .
تأسيس الياسين الزراعية هو مصدر فخر لي فقد تمكنا بفضل الله من الوصول بعمل الشركة لتكون احد اكبر خمس شركات بيع مدخلات زراعية و ساهمنا بتحسين الإنتاج الزراعي في المملكة بإدخال أصناف متميزة من البذور والأسمدة و التقنيات الزراعية مما ساهم في رفع الإنتاج وتحقيق مداخيل مجزية للمزارعين وتوفير منتجات عالية الجودة بأسعار في متناول المستهلك. وأيضاً لأنني حققتُ حلمي بالعمل التجاري بما تعلمته واستقيته مبكراً من والدي التاجر. لا زلنا نطمح في مزيد من النمو بإدخال أقسام ري وميكنة و تقنيات جديدة للشركة لخدمة القطاع الزراعي .
خلال فترة العشرين سنة الماضية كان لي شرف العمل الاجتماعي التطوعي فأسست مع أبناء عمي مجلس عشيرة الرمضان ، وساهمتُ بالعمل في جمعية البر بالأحساء وكنت احد مؤسسي غرفة التجارة والعضو الأصغر سنا في دورتها الأولى وعضوية مجلس المنطقة و مجلس إدارة شركة الشرقية الزراعية ورئاسة مجلس إدارة جمعية البيض في الأحساء ومجلس إدارة صندوق التنمية الزراعية و ترأست مؤخرا فريق لإعداد دراسة مستفيضة لصالح صندوق التنمية الزراعية لتحسين تسويق الخضار والفواكه في المملكة سيكون لها انعكاسات كبيرة على جودة وسلامة المنتجات المعروضة في الأسواق .
لم أغفل عن متطلبات العائلة الصغيرة فعلاقتي الأسرية مرضية وساهمت زوجتي بدور فأعل في تربية أبنائي. خرّجنا للمجتمع بحمد الله ثلاث بنات جامعيات إحداهن حصلت على الدكتورة في اللغة الانجليزية وأبناء أحدهم الدكتور محمد تخصص طبيب جراح وأحمد مهندس كهربائي يعمل لدى شركة أرامكو.
لم يأخذ أي من أبنائي مهنتي في الزراعة أو التجارة فقد تركتُ لهم الخيار كما أتاح لي والدي الخيار.
في النهاية، أظن أنني بفضل الله حققت تجربة حياة ثرية وسعيت أن أجيد وأتقن كل عمل أقوم به وأكون منصفاً مع من أتعامل معهم فحققت نجاحات ربما ليست باهرة ولكنها متعددة على المستوى المالي و الأسري و الاجتماعي وتمتعتُ بصداقات كثيرة ومتينة مع العديد من الأصحاب من كل الأطياف بدون حساسية ولدي اهتمامات بالشأن العام ورغبة للمعرفة في العديد من المجالات الثقافية.
لكل مرحلة من حياتي بهجتها وجمالها وإشباعها لرغباتي فمرحلة الصبا كانت إشباع للعبي ومرحي ومرحلة الدراسة إشباع لمعرفة أسرار الحياة وبناء شخصيتي وتحقيق خطي و منهجي فيها وفي حياتي العملية إشباع لطموحي بتحقيق مستوى متميز بين منافسين وفي الحياة الاجتماعية والثقافية أنا طالب نجيب أتعلم من الجميع وأسرياً لي حياة زاهرة في بيتي مليئة بالود والحنان و الحب والاحترام و الصداقة مع زوجتي و شريكتي ولي أبناء كل منهم مصدر فخر لي و لأمهم .
المرحلة التي عشتها شهدت تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة في منطقتنا ودولنا واكتسبتُ منها الكثير وسجل حياتي خلالها يشكل نوع من الشهادة على تلك الفترة ، أمل أن يجد من يقرأها فائدة تاريخية وعبرة لما واجهته من تحديات في بداياتي العملية فلم أنهزم أمامها بفضل من الله ، وتمكنتُ من تحقيق ذاتي وحاولت أن أحقق رضا ربي بحسن تعاملي مع غيري بعدل وإنصاف. كان عملي يقوم بالدرجة الأولى على بذل الجهد الشخصي دون تسلق على أكتاف أحد ولذا شعرت بلذة كل منجز تحقق بفضل من الله أولاً وبالمتابعة والمثابرة وعدم النكوص. صنعتُ مراحل حياتي واستمتعتُ بكل مرحلة ولم احرق اي منها على حساب الأخرى ولو أعادني الزمن للماضي لما غيرت شئ في مسيرتي.
جديد الموقع
- 2026-05-04 "أَبُو عَدْنَانَ الْإِنْسَانُ .. بَيْنَ هَيْبَةِ الْفَقِيهِ وَشَفَافِيَّةِ الشَّاعِرْ"
- 2026-05-04 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل رئيس مجلس إدارة جمعية البر الخيرية بمحافظة حفر الباطن
- 2026-05-04 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة ويثمن جهودهم
- 2026-05-04 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يطّلع على برامج وأنشطة جمعية البر الخيرية بمحافظة حفر الباطن
- 2026-05-04 سمو محافظ الأحساء يستقبل المدير العام لفرع الهلال الأحمر بالمنطقة الشرقية ويتسلّم شهادة الامتثال الإسعافي
- 2026-05-04 القارة الابتدائية بالأحساء تكرم 33 معلمًا صغير ًا
- 2026-05-04 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يطّلع على إنجازات جمعية وئام
- 2026-05-04 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يطّلع على جهود حرس الحدود بالمنطقة
- 2026-05-04 *تراثٌ بيئي متوارث يعزّز الاستدامة… جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تستقطب أكثر من 500 زائر في مبادرتها الثالثة*
- 2026-05-04 إخوانيات ديوان البيت الواحد للشاعر عقيل المسكين