2015/03/14 | 0 | 1539
هل كان إبليس من الملائكة أو في مرتبتهم
هذا السؤال الذي عنونت به هذا الموضوع،هو من الأسئلة التي تضاربت في أجوبتها الآراء واختلفت حولها الرؤى والأفكار.
ففريق يرى أن إبليس من طائفة من الملائكة اسمها (الجن) وفريق آخر ينكر وجود هذه الطائفة ويؤكد أن إبليس ليس من الملائكة وإنما هو من الجن.
كما أن هناك من يرى أن إبليس ـ وإن لم يكن من الملائكة ـ إلا أنه ـ ونتيجة لكثرة عبادته واتصاله بالله عز وجل ـ ارتفع مقامه وعلت منزلته حتى وصل إلى مرتبهم،قبل أن تحل عليه اللعنات الأبدية ويطرد من رحمة الله بعد أن أبى واستكبر عن السجود لآدم عليه علي السلام.
والذي أوصلني إليه البحث في هذا الموضوع هو أن إبليس ليس من الملائكة،كما أنه لم يصل في يوم من الأيام إلى مرتبتهم،بل أنه لم يصل حتى إلى أدنى درجة من درجاتهم،فضلا عن القول بأنه وصل إلى أعلا المراتب وأرفع الدرجات والمقامات!
فهو ـ حتى قبل أن يعصي الأمر ويستكبر عليه ـ كان وما زال وسيبقى في أدنى الدرجات،وأن تلك العبادة العجيبة التي كان يجسدها وتعجب منها حتى الملائكة،لم ترفع من قدره ولا قيد أنملة عند الله لأنها لم تكن خالصة لوجهه الكريم سبحانه وتعالى.
والأدلة التي تثبت أن إبليس ليس من الملائكة كما أنه لم يصل إلى أي مرتبة من مراتبهم حتى قبل أن يعصي الأمر ويستكبر عن السجود لآدم عليه السلام ،كثيرة جدا ونستطيع أن نجملها في ما يلي :
(القرآن الكريم ينفي أن يكون إبليس من الملائكة)
الله عز وجل ينفي في القرآن الكريم نفيا قاطعا أن يكون إبليس من الملائكة ويؤكد أنه من الجن فيقول : (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أتتخذونه وذريته أولياء من دوني بئس للظالمين بدلا)
فالقرآن يصرح أن إبليس من الجن،وبصريح القرآن أيضا أن الجن خلق خاص يختلف عن الملائكة،كما أن (الفاء) في قوله تعالى : (ففسق عن أمر ربه) هي فاء السببية.
أي أن السبب الذي جعل إبليس يفسق عن أمر ربه هو أنه كان من الجن وليس من الملائكة الذين لا يعصون ربهم ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
كما أن الآية الكريمة صرحت أن لإبليس ذرية وهذا ما لم يثبت في حق الملائكة مما يؤكد أنه ليس منهم.
وكما أن القرآن أكد أن إبليس من الجن،كذلك أكد أن الجن خلقوا من نار، كما في قوله تعالى : (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) وقوله سبحانه : (وخلق الجان من مارج من نار) أما الملائكة ففي أحاديث كثيرة أنهم خلقوا من نور،فتكون النتيجة أن إبليس ليس من الملائكة قطعا.
أما أن يقول قائل أن هناك طائفة من الملائكة اسمها الجن.
فأولا: هذا مجرد إدعاء لا دليل عليه.
ثانيا : إن إبليس نفسه صرح أنه مخلوق من نار كما يؤكد القرآن الكريم : (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)
وبالجمع بين الآيات التي تصرح أن إبليس من الجن وأن الجن خلقوا من نار،والآية التي تؤكد عن إبليس نفسه أنه خلق من نار،والروايات المؤكدة أن الملائكة خلقوا من نور،يتضح لنا أنه ليس هناك طائفة من الملائكة تسمى (الجن) وأن إبليس ليس من الملائكة وإنما هو من الجن.
- (الاستدلال على أن إبليس من الملائكة بشمول الأمر له بالسجود ورده)
أما الاستدلال على أن إبليس من الملائكة أو أنه في مرتبتهم بشمول الأمر له بالسجود لآدم،فهو محل تأمل كبير وترد عليه إشكالات كثيرة وكبيرة،بل هو غير صحيح البتة.
فشمول الأمر لإبليس بالسجود لا يدل على أنه من الملائكة أو في مرتبتهم، إذ لا توجد ملازمة عقلية ولا شرعية ولا عرفية بين توجه الأمر الإلهي إليه بالسجود كما توجه إلى الملائكة،وين أن يكون من جنسهم أو في مرتبتهم.
فكما أن توجه الأمر الإلهي للمؤمنين يشمل المنافقين،ولا يلزم منه أن يكونوا منهم،كذلك شمول الأمر الموجه إلى الملائكة لإبليس لا يلزم منه أن يكون إبليس من الملائكة أو في مرتبتهم،فشمول الأمر له بالسجود شيء، والقول أنه من الملائكة أو في مرتبتهم شيء آخر،والثابت في حقه هو الأول دون الثاني.
- وهناك بعض الأحاديث التي توضح هذا المعنى ومنها ما روي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن أبي عمير قال : كان الطيار يقول لي :
إبليس ليس من الملائكة وإنما أمرت الملائكة بالسجود لآدم فقال إبليس : لا أسجد.
فما لإبليس أن يعصي حين لم يسجد وهو ليس من الملائكة؟!
قال : فدخلت أنا وهو على أبي عبد الله عليه السلام.
قال : فأحسن والله في المسألة فقال : جعلت فداك،أرأيت ما ندب الله إليه المؤمنين من قوله : (يا أيها الذين آمنوا) أدخل في ذلك المنافقون؟
قال أبو عبد الله عليه السلام : نعم،،والضلال وكل من أقرّ بالدعوة الظاهرة، وكان إبليس ممن أقرّ بالدعوة الظاهرة معهم)
وهذا الحديث دليل قوي ليس فقط على أن إبليس من جنس آخر غير جنس الملائكة،بل وأنه أيضا لم يكن في مرتبتهم وأنه غير مخلص في عبادته،بل هو منافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان.
والطيار كان متيقنا من أن إبليس ليس من الملائكة كما أنه ليس في مرتبتهم،ولهذا هو مستغرب من شمول الأمر له بالسجود وكيف عد عدم سجوده عصيانا،رغم عدم توجه الأمر إليه؟!
فحلّ الإمام الصادق له هذا الإشكال حين بيّن له أنه كما أن خطاب الله للمؤمنين يشمل المنافقين وإن لم يكونوا منهم،كذلك أمر الله للملائكة بالسجود لآدم يشمل إبليس وإن لم يكن من جنسهم وليس في مرتبتهم.
وكما أن شمول خطاب الله للمؤمنين للمنافقين لا يصيرهم منهم،فكذلك شمول الأمر لإبليس لا يصيره من الملائكة ولا يرفعه إلى مرتبتهم ولا يخرجه من النفاق إلى الإيمان.
وقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام علة شمول خطاب الله للمؤمنين للمنافقين،حين قال عليه السلام في جواب سؤال الطيار عن شمول الخطاب للمنافقين : (نعم،وكل من أفرّ بالدعوة الظاهرة،وكان إبليس ممن أقرّ بالدعوة الظاهرة معهم)
فهو صلوات الله وسلامه عليه يبين بهذا الجواب الحكيم أن علة شمول الخطاب الموجه للمؤمنين للمنافقين هو أنهم يدعون الإيمان،فيعاملون على ظاهرهم وحسب إدعائهم،وعليه فكل ما هو موجه للمؤمنين يكون شاملا لهم لإدعائهم الإيمان.
ولكن يجب أن تلاحظوا أننا لا نقول أن الخطاب موجه إليهم،وإنما نقول أن الخطاب يشملهم وإن كان ـ حقيقة ـ موجه لغيرهم،وإنما شملهم لإدعائهم أنهم من المؤمنين.
ولاحظوا أيضا كيف فرّع الإمام على هذا الأصل فقال : (كان إبليس ممن أقر بالدعوة الظاهرة معهم)
فكما أن فيه بيانا لعلة شمول الأمر له بالسجود وهي أنه كان ممن أقرّ بالدعوة الظاهرة مع الملائكة،أيضا فيه دلالة واضحة جدا على أنه ليس فقط لم يكن من الملائكة أو في مرتبتهم،بل هو يدل أيضا على أن إبليس كان منافقا حتى قبل أن يتوجه إليه الأمر بالسجود لآدم عليه السلام،وسنزيد هذا الأمر إيضاحا حين نأتي إلى استعراض قصة هذا الأمر إن شاء الله تعالى.
- (عدم اتصاف إبليس بصفات الملائكة،وعدم إيكال أي مهمة من مهامهم إليه)
مما يؤكد لنا أن إبليس ليس من الملائكة كما أنه لم يكن في مرتبتهم،هو أنه لم يتصف ولا بصفة واحدة من صفات الملائكة،كما لم توكل إليه أي مهمة من مهامهم.
فمن صفات الملائكة كما في القرآن الكريم أنهم صلوات الله وسلامه عليهم: (كرام بررة) (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) بل هم : (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) كما أنهم ـ بنص الأحاديث الشريفة ـ مخلوقون من نور...أما عن عبادتهم فمنهم من هو ساجد أو راكع لا يرفع،أو قائم لا يركع......إلى ما هنالك من صفاتهم الكريمة،ولا يوجد بين أيدنا أي نص إسلامي معتبر ويمكن التعويل عليه والركون إليه يقول أن إبليس متصف بأي صفة منها.
أما المهام التي وكلهم الله بها فهي كثيرة جدا،ومنها أنه سبحانه جعلهم رسلا بينه وبين رسله وأنبيائه يحملون إليهم وحيه ويبلغونهم رسالته (الحمد لله جاعل الملائكة رسلا) (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) ومنهم من أوكل الله إليهم قبض الأرواح كملك الموت وأعوانه،وأوكل إلى بعضهم تعذيب الكافرين به جل وعلا في النار التي : (عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون) ومنهم خزان الجنان كرضوان،ومنهم من أوكل الله إليهم النزول على العباد المؤمنين ساعة الاحتضار ليعطوهم الأمن ويبشروهم بالجنة : (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون) كما أنهم سلام الله عليهم ينزلون ليلة القدر إلى الأرض كما يقول تعالى : (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) ومنهم الحفظة الكاتبون،والموكلون بالإنسان عن يمينه وعن شماله يكتبون أعماله.....إلى ما هنالك من الصفات والمهام التي ثبتت للملائكة ولم يثبت منها أي شيء لإبليس اللعين.
وإذا كان إبليس لم يتصف ولا بصفة من صفات الملائكة كما لم توكل إليه أي مهمة من مهامهم،فبأي دليل نقول أنه منهم أو في مرتبتهم؟!
فهل أتت هذه المرتبة إليه اعتباطا؟!،أم نالها مكافأة له على كفره وفسقه ونفاقه؟!،أم أن الله عز وجل غير حكيم ليرفع الملائكة إلى ذلك المقام الرفيع ويجعلهم في تلك المراتب العليا لما اتصفوا به من صفات عظيمة وما أوكل إليهم من مهام جسيمة،ثم يرفع إبليس إلى مقامهم ويجعله في مرتبتهم دون أن يتصف بأي صفة من صفاتهم أو يوكل إليه أي مهمة من مهامهم،بل كان كافرا حتى قبل أن يؤمر بالسجود لآدم عليه السلام؟!
- (الاحتجاج بما ورد في الأخبار عن عبادة إبليس وتفنيده)
ربما يحتج البعض على أن إبليس كان في مرتبة الملائكة بما ورد في بعض الأحاديث من أنه عبد الله عز وجل ستة آلاف سنة،لا يدرى أهي من سني الدنيا أم سني الآخرة؟!
والواقع أن هذا استدلال ضعيف ومردود لسببين :
الأول : هذه العبادة لم تصل إلى مستوى عبادة الملائكة كما قرأناه عنهم وعن عبادتهم العجيبة لله تعالى في الأحاديث.
الثاني وهو الأهم : هذه العبادة لم تكن خالصة لوجه الله كما هو الحال في عبادة الملائكة.
ثم حتى لو فرضنا أنها خالصة،فهذا وحده لا يكفي لرفع إبليس إلى مصاف الملائكة،لأن الملائكة لم يتصفوا فقط بكثرة العبادة،بل لهم أيضا صفات ومهام أخرى كثيرة جدا كما أشرنا إلى ذلك قبل قليل،فكيف نرفع إبليس إلى منزلتهم استنادا إلى كثرة عبادته فقط لا غير،ونتغافل عن سائر الصفات والمهام الأخرى التي كانت للملائكة دونه؟!،فهل اشتراكه معهم في صفة واحدة يكفي لرفعه إلى مرتبتهم وجعله في منزلتهم؟!
قطعا ذلك لا يكفي،ومن يدعي كفاية ذلك فهو كمن يرفع عالما فاسقا أو كافرا إلى مرتبة عالم مؤمن ورع تقي عادل زاهد عامل بعلمه...وإلا فكما أنه لا يمكن رفع العالم الكافر أو الفاسق إلى مرتبة العالم المؤمن الورع التقي... استنادا إلى اشتراكه معه في امتلاك العلم فقط،فكذلك اشتراك إبليس مع الملائكة في كثرة العبادة لا يكفي في رفعه إلى مقامهم وجعله في مرتبتهم، حتى ولو كان مخلصا في عبادته فضلا عن كونه غير مخلص كما أشرنا إليه إجمالا قبل قليل وسنثبته في مستقبل هذا البحث بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى.
- (القرآن والسنة يؤكدان كفر إبليس حتى قبل أن يؤمر بالسجود)
لو أننا تأملنا قليلا في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة المتعلقة بإبليس، لوصلنا إلى حقيقة أنه لم يكن مخلصا في عبادته بل كان كافرا حتى قبل أن يتم توجيه الأمر إليه بالسجود لآدم عليه السلام.
دققوا قليلا في هذه الآية الكريمة : (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)
لاحظوا جيدا،فالآية الكريمة لم تقل : (أبى واستكبر وكفر) وإنما قالت : (أبى واستكبر وكان من الكافرين) فما الذي يمكننا استنتاجه من ذلك؟
نستنتج أن إبليس كان كافرا قبل أن يؤمر بالسجود لآدم،وأن كفره هذا هو الذي دفعه إلى أن يأبى السجود ويستكبر على الأمر،ولذا قالت الآية : (وكان من الكافرين)
فالآية تقول : (إن إبليس كان كافرا قبل أن يأمره الله بالسجود لآدم،ولأنه كان كافرا أبى أن يسجد واستكبر على أمر ربه)
وهذا استنتاج قوي جدا،بل هو الظاهر من سياق الآية الشريفة التي يجب أن نحملها على ظاهرها،ولا يصح صرفها عنه إلا بقرينة،ولا توجد هنا قرينة توجب علينا حمل الآية على غير الظاهر المتبادر إلى الأذهان منها.
وظاهر النص حجة كما هو مقرر في علم الأصول،ويزيد هذا الظهور حجية وقوة ومتانة ما ورد في الحديث الشريف : (خلق الله آدم فبقي أربعين سنة مصورا،وكان يمرّ به إبليس اللعين فيقول : لأمر (ما) خلقت.
ثم يقول لعنه الله : لئن أمرني الله بالسجود لهذا لعصيته)
والحديث يدل بوضوح على عدم إخلاص إبليس في العبادة وأنه كان مصرا على معصية الله وعدم امتثاله أمره بالسجود لآدم من قبل أن يؤمر بذلك.
ولكن قد يشكل البعض على هذا الحديث بأنه كيف علم إبليس أن الله سيأمره بالسجود لآدم قبل صدور الأمر إليه،فهل كان يعلم الغيب؟!
وقول في الجواب : إن إبليس لم يكن يعلم الغيب،وإنما علم بأن الله سيأمره بالسجود لآدم بعد إتمام خلقه،لأن الله أطلع الملائكة على ذلك قبل خلق آدم، وبما أن إبليس كان مع الملائكة فقد علم بما أعلمهم الله به،وهذا ما يؤكده القرآن كما في قوله تعالى : (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون،فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)
وفي الحديث المتصل السند بأمير المؤمنين عليه السلام : (إن الله تبارك وتعالى أراد أن يخلق خلقا بيده.....إلى أن قال عليه السلام : قال تعالى : إني أريد أن أخلق خلقا بيدي وأجعل من ذريته أنبياء ومرسلين وعبادا صالحين وأئمة مهتدين،وأجعلهم خلفاء على خلقي في أرضي....فخلق الله آدم فبقي أربعين سنة مصورا،فكان يمرّ به إبليس اللعين فيقول : لأمر (ما) خلقت،لئن أمرني الله بالسجود لهذا لعصيته.
ثم نفخ فيه،فلما بلغت الروح إلى دماغه عطس فقال : احمد الله.
فقال الله تعالى : يرحمك الله.
فسبقت له الرحمة،ثم قال للملائكة : اسجدوا لآدم.
فسجدوا إلا إبليس،فأخرج إبليس ما في قلبه من الحسد)
وهنا يجب أن نلاحظ قوله عليه السلام : (فأخرج إبليس ما في قلبه من الحسد) فهو يدل على أن حسد إبليس لآدم كان موجودا من قبل،ولكنه يضمره في قلبه إلى أن أمره الله بالسجود فاضطر إلى أن يخرج ما كان يبطن
وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام : (الإيمان بالقلب هو التسليم للرب،ومن أسلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره كما استكبر إبليس عن السجود لآدم،واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم،فلم ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل،فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف سنة،لم يرد بها غير زخرف الدنيا والتمكين من النظرة،فكذلك لا تنفع الصلاة والصدقة إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة وطريق الحق)
وهل بعد قول أمير المؤمنين أن إبليس لم يرد بعبادته غير زخرف الدنيا، يظل مجال للقول أن إبليس من جنس الملائكة أو في مرتبتهم،وأنه لم يخرج من هذه المرتبة إلا بعد عصيانه الأمر واستكباره عليه؟!
وهناك أحاديث أخرى تدل على أن إبليس كان كافرا منافقا قبل أن يؤمر بالسجود لآدم،وأنه كما لم يكن من الملائكة أيضا لم يكن في مرتبتهم بل ولم يصل إلى أدنى درجة من درجاتهم،لكنني أكتفي بما ذكرته،وقد يأتي البعض الآخر في سياق الحديث.
(اعتقاد الملائكة أن إبليس منهم وعلم الله أنه ليس منهم)
مما يدل على أن إبليس ليس من جنس الملائكة ولم يكن في مرتبتهم،ما ورد في أحاديث كثيرة تؤكد أن الملائكة كانوا يظنونه منهم والله يعلم أنه ليس منهم،إلى أن افتضح أمره لهم بعد أمره بالسجود لآدم وعصيانه لهذا الأمر.
ومن هذه الأحاديث ما روي عن جميل بن دراج قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إبليس أكان من الملائكة،أو يلي شيئا من أمر السماء؟
فقال عليه السلام : (لم يكن من الملائكة،وكانت الملائكة ترى أنه منها، وكان الله يعلم أنه ليس منها،ولم يلي شيئا من السماء ولا كرامة)
فالإمام هنا ينفي أن يكون إبليس من الملائكة،ولا يكتفي بنفي أن يكون إبليس يلي شيئا من أمر السماء،بل يؤكد عليه السلام أنه ليس لإبليس من الكرامة ما يؤهله لذلك.
فلماذا ينفي الإمام الكرامة عن إبليس رغم علمه بكثرة عبادته التي تعجب منها حتى الملائكة إلى حد أنها ظنت أنه منها؟!
الجواب : لعلم الإمام الصادق عليه السلام أن تلك العبادة لم تكن خالصة لوجه الله وأن إبليس كان كافرا حتى قبل أن يؤمر بالسجود،مما جعله لا كرامة له وغير مؤهل إلى أن يلي شيئا من أمر السماء فضلا عن القول أنه من الملائكة أو في مرتبتهم.
وفي حديث آخر عنه صلوات الله وسلامه عليه : (إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم،وكان في علم الله أنه ليس منهم،فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب فقال : خلقتني من نار وخلقته من طين)
وعنه عليه السلام : (كانت الملائكة ترى أنه منها،وكان الله يعلم أنه ليس منها،فلما أمر بالسجود كان منه الذي كان)
ولا بد أن نشير هنا إلى أن ما ورد في هذه الأحاديث وغيرها من أن الملائكة كانت ترى أن إبليس منها والله يعلم أنه ليس منها،ليس المراد منه أن الملائكة يرون أن إبليس من جنسهم،وذلك لعلمهم أنه من الجن،وكيف لا يعلمون ذلك وهم ـ كما في بعض الأخبار ـ من أسروه ورفعوه إلى السماء، كما أنهم يرون أن خلقه يختلف عن خلقهم،وذلك لاختلاف خلق الجن عن خلق الملائكة.
بل المعنى أنهم كانوا يرونه منهم،أي أنه مثلهم وشبيههم في كثرة العبادة والطاعة لله عز وجل.
فقول الإمام الصادق : (الملائكة ترى أن إبليس منها) مثل قول النبي صلى اله عليه وآله : (سلمان منا أهل البيت) مع فارق واحد هو أن سلمان كان مخلصا في عبادته وسائر شؤونه،وإبليس على العكس من ذلك تماما.
وإنما حكم الملائكة بأن إبليس مثلهم في العبادة أخذا بظاهره لعدم علمهم بما ينطوي عليه قلبه من الكفر والنفاق،وكان الله يعلم أنه ليس مثلهم حتى قبل أن يأمره بالسجود،لأنه تعالى عالم الغيب والشهادة،فلا يخفى عليه ما يضمره إبليس من كفر ونفاق.
وبقيت حقيقة إبليس اللعين مجهولة للملائكة إلى أن فضح نفسه (بالحمية والغضب) وذلك حين أمره الله سبحانه وتعالى بالسجود لآدم (فأبى واستكبر وكان من الكافرين) وأعرب عما ينطوي عليه قلبه المريض من كفر ونفاق بقوله مخاطبا رب العزة والجلال : (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) وحينها انكشف المستور وعرف الملائكة أنه ليس منهم في شيء على الإطلاق.
- (إذا لم يكن إبليس من الملائكة ولا في مرتبتهم فكيف شمله الأمر بالسجود؟)
وقبل أن أختم هذا البحث أحب أن أجيب على سؤال ربما يتبادر إلى الأذهان وهو : إذا كان الأمر بالسجود موجها إلى الملائكة وإبليس ليس منهم ولا في مرتبتهم فكيف شمله الأمر بذلك؟
ونستطيع أن نعطي ثلاث إجابات لهذا السؤال الوجيه :
الإجابة الأولى : ما سبق أن بيناه وشرحناه من أن إبليس كان يدعي الإيمان،وهو ممن أقر بالدعوة الظاهرة كما في حديث الإمام الصادق عليه السلام،وكما أن خطاب الله للمؤمنين يشمل المنافقين لإدعائهم الإيمان،كذلك الأمر شمل إبليس لإدعائه الإيمان.
الإجابة الثانية : إن الله تبارك وتعالى كما أمر الملائكة بالسجود كذلك أمر إبليس،فهناك أمران بالسجود لآدم،أمر للملائكة وأمر لإبليس.
وفي القرآن الكريم ما يدل على توجيه الأمر إلى إبليس بالسجود بكل صراحة ووضوح،كما في قوله تعالى : (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك،قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)
إذن لم يكن الأمر موجها إلى الملائكة فقط،بل إبليس أيضا كان مأمورا، وتوجه الأمر إليه لا يدل ـ في حد ذاته ـ أنه كان من الملائكة أو في مرتبتهم، إذ لا يوجد مانع عقلي أو شرعي يمنع من أن يوجه الله الأمر إلى أكثر من جنس من مخلوقاته.
والهدف من هذا الأمر الموجه إلى إبليس هو كشف حقيقته وإظهار كفره ونفاقه للملائكة الذين كانوا يظنونه منهم والله يعلم أنه ليس منهم.
ولكن يؤخذ على هذه الإجابة أن ظاهر الآيات القرآنية يدل على أن الأمر بالسجود هو واحد،وهو موجه إلى الملائكة وفي الوقت ذاته شامل لإبليس.
الإجابة الثالثة : إن التدبر في الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع يرشدنا إلى حقيقة رائعة ومدهشة وهي : إن الأمر الإلهي بالسجود لآدم لم يكن أصلا موجها لا إلى الملائكة ولا إلى إبليس،بل هو موجه إلى كل من كان مقيما في ذلك المقام الذي كان فيه الملائكة وإبليس على حد سواء.
ولكي نصل إلى هذه الحقيقة الجميلة دعونا أولا نستعرض بعض آيات قصة الأمر بالسجود،لأن ذلك ينفعنا كثيرا في فهم هذا المطلب الدقيق.
يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الأعراف : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين،قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك،قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين)
وقال عز وجل في سورة الحجر : (وإذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون،فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين،فسجد الملائكة كلهم أجمعون،إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين،قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من حمأ مسنون،قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين)
والآن دعونا ندرس هذه الآيات باختصار،ولكن بما يوصلنا إلى هدفنا أيضا، وستكون دراستنا وفق الخطوات التالية :
أولا : الذي نلاحظه في سورة الحجر أن الله أخبر الملائكة أنه سبحانه سيخلق آدم وسيأمرهم بالسجود له.
وهذا هو الذي جعل إبليس يعلم أن الله سيأمره بالسجود لآدم كما بيناه من قبل.
ثانيا : يقول الحق سبحانه في سورة الأعراف : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم...) وهذا يدل على أن السجود ليس لآدم فقط،بل له ولذريته وما آدم إلا ممثل للجميع.
ثالثا : إن الملائكة وإبليس كانوا جميعا في مكان (ما) حين توجيه هذا الأمر إليهم،كما يدل عليه قوله تعالى في سورة الأعراف : (فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) وقوله في سورة الحجر : (قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين)
وليس مهما أن يكون هذا المكان هو السماء أو الجنة أو أي مكان آخر،بل المهم أن الملائكة كانوا في مكان (ما) وكان إبليس معهم في المكان نفسه، والأمر الإلهي لم يكن موجها للملائكة كما لم يكن موجها لإبليس،بل هو موجه لكل من كان في ذلك المكان سواء كان من الملائكة أو من غيرهم.
وبما أنه لم يكن في ذلك المكان إلا الملائكة وإبليس أصبح الأمر موجها إليهم،ولو فرضنا أن خلقا آخر غير إبليس كعفريت من العفاريت أو حيوان من الحيوانات...أو أي مخلوق آخر كان موجودا مع الملائكة في ذلك المكان نفسه حين توجيه هذا الأمر،لكان مشمولا بالأمر بالسجود مع الملائكة، باعتبار أن الأمر لم يكن موجها إلى جنس خاص من الخلق بل هو موجه إلى كل من هو في ذلك المكان،ولأنه لم يكن في ذلك المكان حين توجيه هذا الأمر إلا إبليس والملائكة،أصبح الأمر موجها إليهم جميعا.
وإنما تم التعبير بقوله تعالى : (وإذ قلنا للملائكة..) رغم أن الأمر موجه لكل من كان مقيما في ذلك المكان من باب (التغليب) كما في اللغة العربية.
أي : بما أن كل الذين كانوا مقيمين في ذلك المكان هم ملائكة باستثناء إبليس،جاء التعبير بقوله تعالى : (وإذ قلنا للملائكة...) وإن لم يكن الأمر موجها إليهم فقط.
والذي يدلنا على أن الأمر كان موجها لكل من كان مقيما في ذلك المكان، هو أنه بعد أن أبى إبليس السجود واستكبر على الأمر،وأظهر ما كان يبطن من الكفر والنفاق،طرده الله من رحمته ومن ذلك المكان وقال له : (فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) أو كما قال سبحانه في الآية الأخرى : (فاخرج منها إنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين)
وطرد إبليس من ذلك المقام بعد أن أبى السجود لآدم،يدل على أن الأمر بالسجود لم يكن موجها للملائكة فقط،بل لكل من كان موجودا في ذلك المكان.
وقد بين سبحانه أن ذلك المكان هو مكان الخضوع له والامتثال لأمره،ولا يجوز فيه التكبر والاستعلاء،ولهذا طرد إبليس حين أبى واستكبر لأنه لم يعد صالحا للمقام في مقام الملائكة الذين (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)
ولو فرضنا ـ وفرض المحال ليس محالا ـ أن أحد الملائكة أيضا أبى واستكبر لكان الله طرده كما طرد إبليس،لأنه لم يعد حينها صالحا للمقام في ذلك المقام الذي لا يصح فيه استعلاء ولا استكبار.
- الخلاصة :
إن إبليس ليس من جنس الملائكة كما أنه لم يكن في مرتبتهم،بل ولم يصل إلى أدنى درجة من درجاتهم،وأنه عليه لعنة الله كان كافرا حتى قبل أن يوجه إليه الأمر بالسجود لآدم،وإنما شمله الأمر بالسجود لآدم لأن الأمر لم يكن موجها للملائكة دون غيرهم،بل لكل من كان مقيما في ذلك المقام الذي كانوا فيه حين توجيه الأمر حتى ولو كان كافرا،وبما أن إبليس كان مقيما في ذلك المكان أصبح مأمور،كما لو أن غيره كان هناك لأصبح مأمورا أيضا،أما التعبير بالملائكة رغم أن الأمر موجه لكل من هو في ذلك المكان فمن باب التغليب فقط لا أكثر.
جديد الموقع
- 2026-05-27 مدير عام فرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالمنطقة الشرقية أ. محمد بن سعود السماري يرفع التهنئة للقيادة بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو محافظ الأحساء يستقبل المهنئين بعيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يستقبلان المهنئين بعيد الأضحى المبارك
- 2026-05-27 سمو أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه يؤديان صلاة عيد الأضحى مع جموع المصلين بالدمام
- 2026-05-27 سمو محافظ الأحساء يؤدي صلاة عيد الأضحى
- 2026-05-27 كلُّنا خُدّامُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْن
- 2026-05-26 كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ لُعْبَةَ أَطْفَالْ
- 2026-05-26 أفراح الناجم والعبدالعزيز تهانينا
- 2026-05-26 التفكير الهادئ مفتاح الحلول الذكية
- 2026-05-26 العقل القلبي